التفاسير

< >
عرض

وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن ٱلْعَالَمِينَ
٨٠
إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ
٨١
وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَخْرِجُوهُمْ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ
٨٢
فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرِينَ
٨٣
وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَّطَراً فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ
٨٤
-الأعراف

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
قوله تعالى: {ولوطاً إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة} إلى آخر الآية. ظاهره أنه من عطف القصة على القصه أي عطف قوله: {لوطاً} على{ونوحاً} في قوله في القصة الأولى: {ولقد أرسلنا نوحا} فيكون التقدير ولقد أرسلنا لوطاً إذ قال لقومه (الخ)، لكن المعهود من نظائر هذا النظم في القرآن أن يكون بتقدير "اذكر" بدلالة السياق، وعلى ذلك فالتقدير: واذكر لوطاً الذي أرسلناه إذ قال لقومه (الخ) والظاهر أن تغيير السياق من جهة أن لوطاً من الأنبياء التابعين لشريعة إبراهيم عليهما السلام لا لشريعة نوح عليه السلام، ولذلك غير السياق في بدء قصته عن السياق السابق في قصص نوح وهود وصالح فغير السياق في بدء قصته ثم رجع إلى السياق في قصة شعيب عليه السلام.
وقد كان لوط - على ما سيأتي أن شاء الله من تفصيل قصته في سورة هود - مرسلاً إلى أهل سدوم وغيره يدعوهم إلى دين التوحيد وكانوا مشركين عبدة أصنام.
وقوله: {أتأتون الفاحشة} يريد بالفاحشة اللواط بدليل قوله: {إنكم لتأتون الرجال شهوة} وفي قوله: {ما سبقكم بها من أحد من العالمين} أي أحد من الأمم والجماعات دلالة على أن تاريخ ظهور هذه الفاحشة الشنيعة تنتهي إلى قوم لوط، وسيأتي جل ما يتعلق به من الكلام في تفصيل قصته في سورة هود.
قوله تعالى: {إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء} الآية، إتيان الرجال كناية عن العمل بهم بذلك، وقوله: {شهوة} قرينة عليه، وقوله {من دون النساء} قرينة أُخرى على ذلك، ويفيد مضافاً إلى ذلك أنهم كانوا قد تركوا سبيل النساء واكتفوا بالرجال، ولتعديهم سبيل الفطرة والخلقة إلى غيره عدهم متجاوزين مسرفين فقال: {بل أنتم قوم مسرفون}.
ولكون عملهم فاحشة مبتدعة لم يسبقهم إليها أحد من العالمين استفهم عن ذلك مقارنا ب "إن" المفيدة للتحقيق فأفاد التعجب والاستغراب، والتقدير: {إنكم لتأتون} الآية.
قوله تعالى: {وما كان جواب قومه إلا أن قالوا} إلى آخر الآية. أي لم يكن عندهم جواب فهددوه بالإِخراج من البلد فإن قولهم: {أخرجوهم من قريتكم} الآية. ليس جواباً عن قول لوط لهم: {أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد} الآية. فجواب الكلام في ظرف المناظرة إما إمضاؤه والاعتراف بحقيته وإما بيان وجه فساده، وليس في قولهم: {أخرجوهم} إلى آخره شيء من ذلك فوضع ما ليس بجواب في موضع الجواب كناية عن عدم الجواب ودلالة على سفههم.
وقد استهانوا أمر لوط إذ قالوا: {أخرجوهم من قريتكم} الآية أي أن القرية أي البلدة لكم وهم نزلاء ليسوا منها وهم يتنزهون عما تأتونه ويتطهرون، ولا يهمنكم أمرهم فليسوا إلا أُناساً لا عدة لهم ولا شدة.
قوله تعالى: {فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين} فيه دلالة على أنه لم يكن آمن به إلا أهله، وقد قال تعالى في موضع آخر:
{ فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين } [الذاريات: 36]. وقوله: {كانت من الغابرين} أي الماضين من القوم، وهو استعارة بالكناية عن الهلاك والباقي ظاهر.
قوله تعالى: {وأمطرنا عليهم مطراً فانظر كيف كان عاقبة المجرمين} ذكر الإِمطار في مورد ترقب ذكر العذاب يدل على أن العذاب كان به وقد نكّر المطر للدلالد على غرابة أمره وغزارة أثره، وقد فسره الله تعالى في موضع آخر بقوله:
{ وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد } [هود: 82 - 83]. وقوله: {فانظر كيف كان عاقبة المجرمين} توجيه خطاب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليعتبر به هو وأمته.