التفاسير

< >
عرض

وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ
٣٠
وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ
٣١
وَإِذْ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ
٣٢
وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
٣٣
وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَمَا كَانُوۤاْ أَوْلِيَآءَهُ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ ٱلْمُتَّقُونَ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ
٣٤
وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ
٣٥
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ
٣٦
لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ ٱلْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ
٣٧
قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأَوَّلِينَ
٣٨
وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله فَإِنِ انْتَهَوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
٣٩
وَإِن تَوَلَّوْاْ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَوْلاَكُمْ نِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ
٤٠
-الأنفال

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
الآيات في سياق الآيات السابقة وهي متصلة بها ومنعطفة على آيات أول السورة إلا قوله: {وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق} الآية والآية التي تليها، فإن ظهور اتصالها دون بقية الآيات، وسيجيء الكلام فيها إن شاء الله تعالى.
قوله تعالى: {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك} إلى آخر الآية، قال الراغب: المكر صرف الغير عما يقصده بحيلة، وذلك ضربان: ضرب محمود وذلك أن يتحرى به فعل جميل وعلى ذلك قال: والله خير الماكرين، ومذموم وهو أن يتحرى به فعل قبيح قال: ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله. وإذ يمكر بك الذين كفروا. فانظر كيف كان عاقبة مكرهم، وقال في الأمرين: ومكروا مكراً ومكرنا مكراً، وقال بعضهم: من مكر الله امهال العبد وتمكينه من اعراض الدنيا، ولذلك قال أمير المؤمنين رضي الله عنه: من وُسع عليه دنياه ولم يعلم أنه مكر به فهو مخدوع عن عقله. انتهى.
وفي المجمع: الإِثبات الحبس يقال: رماه فأثبته أي حبسه مكانه، وأثبته في الحرب أي جرحه جراحة مثقلة. انتهى.
ومقتضى سياق الآيات أن يكون قوله: {وإذ يمكر بك الذين كفروا} الآية معطوفة على قوله سابقاً: {وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم} فالآية مسوقة لبيان ما اسبغ الله عليهم من نعمته، وأيدهم به من أياديه التي لم يكن لهم فيها صنع.
ومعنى الآية: واذكر أو وليذكروا إذ يمكر بك الذين كفروا من قريش لإِبطال دعوتك أن يوقعوا بك أحد أُمور ثلاثة: إما أن يحبسوك وإما أن يقتلوك وإما أن يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين.
والترديد في الآية بين الحبس والقتل والإِخراج بياناً لما كانوا يمكرونه من مكر يدل أنه كان منهم شورى يشاور فيها بعضهم بعضاً في أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وما كان يهمهم ويهتمون به من إطفاء نور دعوته، وبذلك يتأيد ما ورد من أسباب النزول أن الآية تشير إلى قصة دار الندوة على ما سيجيء في البحث الروائي التالي إن شاء الله تعالى.
قوله تعالى: {وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا} إلى آخر الآية الأساطير الأحاديث جمع أُسطورة ويغلب في الأخبار الخرافية، وقوله حكاية عنهم: {قد سمعنا} وقوله: {لو نشاء لقلنا} وقوله: {مثل هذا} ولم يقل: مثل هذه أو مثلها كل ذلك للدلالة على إهانتهم بآيات الله وإزرائهم بمقام الرسالة، ونظيرها قولهم: {إن هذا إلا أساطير الأولين}.
والمعنى: وإذا تتلى عليهم آياتنا التي لا ريب في دلالتها على أنها من عندنا وهي تكشف عن ما نريده منهم من الدين الحق لجّوا واعتدوا بها وهونوا أمرها وأزروا برسالتنا وقالوا قد سمعنا وعقلنا هذا الذي تلي علينا لا حقيقة له إلا أنه من أساطير الأولين، ولو نشاء لقلنا مثله غير أنّا لا نعتني به ولا نهتم بأمثال هذه الأحاديث الخرافية.
قوله تعالى: {وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك} إلى آخر الآيتين. الإِمطار هو إنزال الشيء من فوق، وغلب في قطرات الماء من المطر أو هو استعارة إمطار المطر لغيره كالحجارة وكيف كان فقولهم: أمطر علينا حجارة من السماء بالتصريح باسم السماء للدلالة على كونه بنحو الآية السماوية والإِهلاك الإِلهي محضاً.
فإمطار الحجارة من السماء عليهم على ما سألوا أحد أقسام العذاب ويبقى الباقي تحت قولهم: {أو ائتنا بعذاب أليم} ولذلك نكّر العذاب وأبهم وصفه ليدل على باقي أقسام العذاب، ويفيد مجموع الكلام: ان امطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب آخر غيره يكون أليماً، وإنما أفرد إمطار الحجارة من بين أفراد العذاب الأليم بالذكر لكون الرضخ بالحجارة مما يجتمع فيه عذاب الجسم بما فيه من تألم البدن وعذاب الروح بما فيه من الذلة والإِهانة.
ثم قوله: {إن كان هذا هو الحق من عندك} يدل بلفظه على أن الذي سمعوه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم بلسان القال أو الحال بدعوته هو قوله: {هذا هو الحق من عند الله} وفيه شيء من معنى الحصر، وهذا غير ما كان يقوله لهم: هذا حق من عند الله فإن القول الثاني يواجه به الذي لا يرى ديناً سماوياً ونبوة إلهية كما كان يقوله المشركون وهم الوثنية: ما أنزل الله على بشر من شيء، وأما القول الأول فإنما يواجه به من يرى أن هناك ديناً حقاً من عند الله ورسالة إلهية يبلغ الحق من عنده ثم ينكر كون ما أتى به النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو بعض ما أتى به هو الحق من عند الله تعالى فيواجه بأنه هو الحق من عند الله لا غيره، ثم يرد بالاشتراط في مثل قوله: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك {فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم}.
فالأشبه أن لا يكون هذا حكاية عن بعض المشركين بنسبته إلى جميعهم لاتفاقهم في الرأي أو رضا جميعهم بما قاله هذا القائل بل كأنه حكاية عن بعض أهل الردة ممن اسلم ثم ارتد أو عن بعض أهل الكتاب المعتقدين بدين سماوي حق فافهم ذلك.
ويؤيد هذا الآية التالية لهذه الآية: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} أما قوله: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} فإن كان المراد به نفي تعذيب الله كفار قريش بمكة قبل الهجرة والنبي فيهم كان مدلوله أن المانع من نزول العذاب يومئذ هو وجود النبي صلى الله عليه وآله وسلم بينهم، والمراد بالعذاب غير العذاب الذي جرى عليهم بيد النبي صلى الله عليه وآله وسلم من القتل والأسر كما سماه الله في الآيات السابقة عذاباً، وقال في مثلها:
{ قل هل تربّصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا } [التوبة: 52]، بل عذاب الاستئصال بآية سماوية كما جرى في أُمم الأنبياء الماضين لكن الله سبحانه هددهم بعذاب الاستئصال في آيات كثيرة كقوله تعالى: { فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود } [فصلت: 13]، وكيف يلائم أمثال هذه التهديدات قوله: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} لو كان المراد بالمعذبين هم كفار قريش ومشركو العرب ما دام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمكة.
ولو كان المراد بالمعذبين جميع العرب أو الأُمة، والمراد بقوله: {وأنت فيهم} حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والمعنى: ولا يعذب الله هذه الأُمة وأنت فيهم حياً كما ربما يؤيده قوله بعده: {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} كان ذلك نفياً للعذاب عن جميع الأُمة ولم يناف نزوله على بعضهم كما سمى وقوع القتل بهم عذاباً كما في الآيات السابقة، وكما ورد أن الله تعالى عذب جمعاً منهم كأبي لهب والمستهزئين برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعلى هذا لا تشمل الآية القائلين: {اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك} إلى آخر الآية، وخاصة باعتبار ما روي أن القائل به أبو جهل كما في صحيح البخاري أو النضر بن الحارث بن كلدة كما في بعض روايات أُخر وقد حقت عليهما كلمة العذاب وقتلا يوم بدر فلا ترتبط الآية: {وما كان الله ليعذبهم} الآية، بهؤلاء القائلين: {اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك} الآية مع أنها مسوقة سوق الجواب عن قولهم.
ويشتد الإِشكال بناء على ما وقع في بعض أسباب النزول أنهم قالوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم فنزل قوله تعالى: {سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع} وسيجيء الكلام فيه وفي غيره من أسباب النزول المروية في البحث الروائي التالي إن شاء الله.
والذي تمحَّل به بعض المفسرين في توجيه مضمون الآية بناء على حملها على ما مرّ من المعنى أن الله سبحانه ارسل محمداً صلى الله عليه وآله وسلم رحمة للعالمين ونعمة لهذه الأُمة لا نقمة وعذاباً. فيه أنه ليس مقتضى الرحمة للعالمين أن يهمل مصلحة الدين، ويسكت عن مظالم الظالمين وإن بلغ ما بلغ وأدى إلى شقاء الصالحين واختلال نظام الدنيا والدين، وقد حكى الله سبحانه عن نفسه بقوله: {ورحمتي وسعت كل شيء} ولم يمنع ذلك من حلول غضبه على من حل به من الأُمم الماضية والقرون الخالية كما ذكره في كلامه.
على أنه تعالى سمى ما وقع على كفار قريش من القتل والهلاك في بدر وغيره عذاباً ولم يناف ذلك قوله:
{ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } [الأنبياء: 107]، وهدد هذه الأُمة بعذاب واقع قطعي في سوَر يونس والإِسراء والأنبياء والقصص والروم والمعارج وغيرها ولم يناف ذلك كونه صلى الله عليه وآله وسلم رحمة للعالمين فما بال نزول العذاب على شرذمة تفوهت بهذه الكلمة: {اللهم إن كان هذا هو الحق} الخ، ينافي قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم نبي الرحمة مع أن من مقتضى الرحمة أن يوفّى لكل ذي حق حقه، وأن يقتصّ للمظلوم من الظالم وأن يؤخذ كل طاغية بطغيانه.
وأما قوله تعالى: {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} فظاهره النفي الاستقبالي على ما هو ظاهر الصفة: {معذبهم} وكون قوله: {يستغفرون} مسوقاً لإِفادة الاستمرار والجملة حالية، والمعنى ولا يستقبلهم الله بالعذاب ما داموا يستغفرونه.
والآية كيفما أُخذت لا تنطبق على حال مشركي مكة وهم مشركون معاندون لا يخضعون لحق ولا يستغفرون عن مظلمة ولا جريمة، ولا يصلح الأمر بما ورد في بعض الآثار أنهم قالوا ما قالوا ثم ندموا على ما قالوا فاستغفروا الله بقولهم: {غفرانك اللهم}.
وذلك - مضافاً إلى عدم ثبوته - أنه تعالى لا يعبأ في كلامه باستغفار المشركين ولا سيما أئمة الكفر منهم، واللاغي من الاستغفار لا أثر له، ولو لم يكن استغفارهم لاغياً وارتفع به ما أجرموه بقولهم: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء الآية لم يكن وجه لذمّهم وتأنيبهم بقوله تعالى: {وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق} في سياق هذه الآيات المسوقة لذمّهم ولومهم وعد جرائمهم ومظالمهم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين.
على أن قوله تعالى بعد الآيتين: {وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدّون عن المسجد الحرام} الآية لا يلائم نفي العذاب في هاتين الآيتين فإن ظاهر الآية أن العذاب المهدد به هو عذاب القتل بأيدي المؤمنين كما يدل عليه قوله بعده: {فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} وحينئذ فلو كان القائلون: {اللهم إن كان هذا هو الحق} الآية مشركي قريش أو بعضهم وكان المراد من العذاب المنفي العذاب السماوي لم يستقم إنكار وقوع العذاب عليهم بالقتل ونحوه فإن الكلام حينئذ يؤول إلى معنى التشديد: ومحصَّله: أنهم كانوا احق بالعذاب ولهم جرم آخر وراء ما أجرموه وهو الصد عن المسجد الحرام، وهذا النوع من الترقي انسب بإثبات العذاب لهم لا لنفيه عنهم.
وإن كان المراد بالعذاب المنفي هو القتل ونحوه كان عدم الملاءمة بين قوله: {وما لهم أن لا يعذبهم الله} وقوله: {فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} وبين قوله: {وما كان الله ليعذبهم} الخ، أوضح وأظهر.
وربما وجّه الآية بهذا المعنى بعضهم بأن المراد بقوله: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} عذاب أهل مكة قبل الهجرة، وبقوله: {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} عذاب الناس كافة بعد هجرته صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة وإيمان جمع واستغفارهم ولذا قيل: إن صدر الآية نزلت قبل الهجرة، وذيلها بعد الهجرة!
وهو ظاهر الفساد فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما كان فيهم بمكة قبل الهجرة كان معه جمع ممن يؤمن بالله ويستغفره، وهو صلى الله عليه وآله وسلم بعد الهجرة كان في الناس فما معنى تخصيص صدر الآية بقوله: {وأنت فيهم} وذيلها بقوله: {وهم يستغفرون}.
ولو فرض أن معنى الآية أن الله لا يعذب هذه الأُمة ما دمت فيهم ببركة وجودك، ولا يعذبهم بعدك ببركة استغفارهم لله والمراد بالعذاب عذاب الاستئصال لم يلائم الآيتين التاليتين: {وما لهم أن لا يعذبهم الله} الخ مع ما تقدم من الإِشكال عليه.
فقد ظهر من جميع ما تقدم - على طوله - ان الآيتين أعني قوله: {وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة} إلى آخر الآيتين لا تشاركان الآيات السابقة واللاحقة المسرودة في الكلام على كفار قريش في سياقها الواحد فهما لم تنزلا معها.
والأقرب أن يكون ما حكي فيهما من قولهم والجواب عنه بقوله: {وما كان الله ليعذبهم} غير مرتبط بهم وإنما صدر هذا القول من بعض أهل الكتاب أو بعض من آمن ثم ارتد من الناس.
ويتأيد بذلك بعض ما ورد أن القائل بهذا القول الحارث بن النعمان الفهري، وقد تقدم الحديث نقلاً عن تفسيري الثعلبي والمجمع في ذيل قوله تعالى:
{ يا أيها الرسول بلِّغ ما أُنزل إليك من ربك } [المائدة: 67] الآية في الجزء السادس من الكتاب.
وعلى هذا التقدير فالمراد بالعذاب المنفي العذاب السماوي المستعقب للاستئصال الشامل للأُمة على نهج عذاب سائر الأُمم، والله سبحانه ينفي فيها العذاب عن الأُمة ما دام النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيهم حياً، وبعده ما داموا يستغفرون الله تعالى.
ويظهر من قوله تعالى: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} بضمّه إلى الآيات التي توعد هذه الأُمة بالعذاب الذي يقضي بين الرسول وبينهم كآيات سورة يونس:
{ ولكل أُمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون } [يونس: 47] إلى آخر الآيات أن في مستقبل أمر هذه الأُمة يوماً ينقطع عنهم الاستغفار ويرتفع من بينهم المؤمن الإِلهي فيعذبون عند ذاك.
قوله تعالى: {وما لهم أن لا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه} إلى آخر الآية استفهام في معنى الإِنكار أو التعجب، وقوله: {وما لهم} بتقدير فعل يتعلق به الظرف ويكون قوله: {أن لا يعذبهم} مفعوله أو هو من التضمين نظير ما قيل في قوله:
{ هل لك إلى أن تزكى } [النازعات: 18]. والتقدير على أي حال نحو من قولنا: {وما الذي يثبت ويحق لهم عدم تعذيب الله إياهم والحال أنهم يصدون عن المسجد الحرام ويمنعون المؤمنين من دخوله وما كانوا أولياءه}. فقوله: {وهم يصدون} الخ حال عن ضمير {يعذبهم} وقوله: {وما كانوا أولياءه} حال عن ضمير {يصدون}.
وقوله: {إن أولياؤه إلا المتقون} تعليل لقوله: {وما كانوا أولياءه} أي ليس لهم أن يلوا أمر البيت فيجيزوا ويمنعوا من شاؤوا لأن هذا المسجد مبني على تقوى الله فلا يلي أمره إلا المتقون وليسوا بهم.
فقوله: {إن أولياؤه إلا المتقون} جملة خبرية تعلل القول بأمر بين يدركه كل ذي لب، وليست الجملة إنشائية مشتملة على جعل الولاية للمتقين، ويشهد لما ذكرناه قوله بعد: {ولكن أكثرهم لا يعلمون} كما لا يخفى.
والمراد بالعذاب العذاب بالقتل أو الأعمّ منه على ما يفيده السياق باتصال الآية بالآية التالية، وقد تقدم أن الآية غير متصلة ظاهراً بما تقدمها أي ان الآيتين: {وإذ قالوا اللهم} الخ {وما كان الله ليعذبهم} الخ خارجتان عن سياق الآيات، ولازم ذلك ما ذكرناه.
قال في المجمع: ويسأل فيقال: كيف يجمع بين الآيتين وفي الأولى نفي تعذيبهم، وفي الثانية إثبات ذلك؟ وجوابه على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن المراد بالأول عذاب الاصطلام والاستئصال كما فعل بالأمم الماضية، وبالثاني عذاب القتل بالسيف والأسر وغير ذلك بعد خروج المؤمنين من بينهم.
والآخر: أنه أراد: وما لهم أن لا يعذبهم الله في الآخرة، ويريد بالأول عذاب الدنيا. عن الجبائي.
والثالث: أن الأول استدعاء للاستغفار. يريد أنه لا يعذبهم بعذاب دنيا ولا آخرة إذا استغفروا وتابوا فإذا لم يفعلوا عذِّبوا ثم بيّن ان استحقاقهم العذاب بصدّهم عن المسجد الحرام. انتهى.
وفيه: أن مبنى الإِشكال على اتصال الآية بما قبلها وقد تقد أنها غير متصلة. هذا إجمالاً.
وأما تفصيلاً فيرد على الوجه الأول: أن سياق الآية وهو كما تقدم سياق التشدد والترقِّي، ولا يلاءم ذلك نفي العذاب في الأولى مع إثباته في الثانية وإن كان العذاب غير العذاب.
وعلى الثاني أن سياق الآية ينافي كون المراد بالعذاب فيها عذاب الآخرة، وخاصة بالنظر إلى قوله في الآية الثالثة - وهي في سياق الآية الأولى - {فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون}.
وعلى الثالث: أن ذلك خلاف ظاهر الآية بلا شك حيث أن ظاهرها إثبات الاستغفار لهم حالاً مستمراً لاستدعاؤه وهو ظاهر.
قوله تعالى: {وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاءً وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} المكاء بضم الميم الصفير، والمكاء بصيغة المبالغة طائر بالحجاز شديد الصفير، ومنه المثل السائر: بنيك حمّري ومكئكيني. والتصدية التصفيق بضرب اليد على اليد.
وقوله: {وما كان صلاتهم} الضمير لهؤلاء الصادّين المذكورين في الآية السابقة وهم المشركون من قريش، وقوله: {فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} بيان إنجاز العذاب الموعد لهم بقرينة التفريع بالفاء.
ومن هنا يتأيد أن الآيتين متصلتان كلاماً واحداً، وقوله: {وما كان} الخ جملة حالية والمعنى: وما لهم أن لا يعذبهم الله والحال أنهم يصدّون العبّاد من المؤمنين عن المسجد الحرام وما كان صلاتهم عند البيت إلا ملعبة من المكاء والتصدية فإذا كان كذلك فليذوقوا العذاب بما كانوا يكفرون، والالتفات في قوله: {فذوقوا العذاب} عن الغيبة إلى الخطاب لبلوغ التشديد.
ويستفاد من الآيتين أن الكعبة المشرّفة لو تركت بالصدّ استعقب ذلك المؤاخذة الإِلهية بالعذاب قال علي عليه السلام في بعض وصاياه: "الله الله في بيت ربكم فإنه إن ترك لم تنظروا".
قوله تعالى: {إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله} إلى آخر الآية يبين حال الكفار في ضلال سعيهم الذي يسعونه لإِبطال دعوة الله والمنع عن سلوك السالكين لسبيل الله، ويشرح ذلك قوله: {فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون} الخ.
وبهذا السياق يظهر أن قوله: {والذين كفروا إلى جهنم يحشرون} بمنزلة التعليل، ومحصل المعنى أن الكفر سيبعثهم - بحسب سنَّة الله في الأسباب - إلى أن يسعوا في إبطال الدعوة والصدّ عن سبيل الحق غير أن الظلم والفسق وكل فساد لا يهدي إلى الفلاح والنجاح فسينفقون أموالهم في سبيل هذه الأغراض الفاسدة فتضيع الأموال في هذا الطريق فيكون ضيعتها موجبة لتحسّرهم، ثم يغلبون فلا ينتفعون بها، وذلك أن الكفار يحشرون إلى جهنم ويكون ما يأتون به في الدنيا من التجمع على الشر والخروج إلى محاربة الله ورسوله بحذاء خروجهم محشورين إلى جهنم يوم القيامة.
وقوله: {فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون} إلى آخر الآية من ملاحم القرآن والآية من سورة الأنفال النازلة بعد غزوة بدر فكأنها تشير إلى ما سيقع من غزوة أُحد أو هي وغيرها، وعلى هذا فقوله: {فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة} إشارة إلى غزوة أُحد أو هي وغيرها، وقوله: {ثم يغلبون} إلى فتح مكة، وقوله: {والذين كفروا إلى جهنم يحشرون} إلى حال من لا يوفق للإِسلام منهم.
قوله تعالى: {ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعاً فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون} الخباثة والطيب معنيان متقابلان وقد مرّ شرحهما والتمييز إخراج الشيء عما يخالفه وإلحاقه بما يوافقه بحيث ينفصل عما يخالفه، والركم جمع الشيء فوق الشيء ومنه سحاب مركوم أي مجتمع الأجزاء بعضها إلى بعض ومجموعها وتراكم الأشياء تراكب بعضها بعضاً.
والآية في موضع التعليل لما أُخبر به في الآية السابقة من حال الكفار بحسب السنَّة الكونية، وهو أنهم يسعون بتمام وجدهم ومقدرتهم إلى أن يطفؤوا نور الله ويصدوا عن سبيل الله فينفقون في ذلك الأموال ويبذلون في طريقه المساعي غير أنهم لا يهتدون إلى مقاصدهم ولا يبلغون آمالهم بل تضيع أموالهم، وتحبط أعمالهم وتضل مساعيهم، ويرثون بذلك الحسرة والهزيمة.
وذلك أن هذه الأعمال والتقلبات تسير على سنَّة إلهية وتتوجه إلى غاية تكوينية ربانية، وهي أن الله سبحانه يميز في هذا النظام الجاري الشر من الخير والخبيث من الطيب ويركم الخبيث بجعل بعضه على بعض، ويجعل ما اجتمع منه وتراكم في جهنم وهي الغاية التي تسير إليها قافلة الشر والخبيث يحلها الجميع وهي دار البوار كما أن الخير والطيب إلى الجنة، والأولون هم الخاسرون كما أن الآخرين هم الرابحون المفلحون.
ومن هنا يظهر أن قوله: {ليميز الله الخبيث من الطيب} الخ قريب المضمون من قوله تعالى في مثل ضربه للحق والباطل:
{ أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبداً رابياً ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض } [الرعد: 17] والآية تشير إلى قانون كلي إلهي وهو إلحاق فرع كل شيء بأصله.
قوله تعالى: {قل للذين كفروا أن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} إلى آخر الآية الانتهاء الإِقلاع عن الشيء لأجل النهي، والسلوف التقدم، والسنَّة هي الطريقة والسيرة.
أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يبلغهم ذلك وفي معناه تطميع وتخويف وحقيقته دعوة إلى ترك القتال والفتنة ليغفر الله لهم بذلك ما تقدم من قتلهم وإيذائهم للمؤمنين فإن لم ينتهوا عما نهوا عنه فقد مضت سنَّة الله في الأولين منهم بالإِهلاك والإِبادة وخسران السعي.
قوله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير} الآية وما بعدها يشتملان على تكليف المؤمنين بحذاء ما كلف به الكفار في الآية السابقة، والمعنى: قل لهم إن ينتهوا عن المحادة لله ورسوله يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا إلى مثل ما عملوا فقد علموا بما جرى على سابقتهم قل لهم ما كذا وأما أنت والمؤمنون فلا تهنوا فيما يهمكم من إقامة الدين وتصفية جو صالح للمؤمنين، وقاتلوهم حتى تنتهي هذه الفتن التي تفاجئكم كل يوم، ولا تكون فتنة بعد فإن انتهوا فإن الله يجازيهم بما يرى من أعمالهم، وإن تولوا عن الانتهاء فأديموا القتال والله مولاكم فاعلموا ذلك ولا تهنوا ولا تخافوا.
والفتنة ما يمتحن به النفوس وتكون لا محالة مما يشق عليها، وغلب استعمالها في المقاتل وارتفاع الأمن وانتقاض الصلح، وكان كفار قريش يقبضون على المؤمنين بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل الهجرة وبعدها إلى مدة في مكة ويعذبونهم ويجبرونهم على ترك الإِسلام والرجوع إلى الكفر، وكانت تسمى فتنة.
وقد ظهر بما يفيده السياق من المعنى السابق أن قوله: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} كناية عن تضعيفهم بالقتال حتى لا يغتروا بكفرهم ولا يلقوا فتنة يفتتن بها المؤمنون، ويكون الدين كله لله لا يدعو إلى خلافه أحد، وإن قوله: {فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير} المراد به الانتهاء عن القتال ولذلك اردفه بمثل قوله: {فإن الله بما يعملون بصير} أي عندئذ يحكم الله فيهم بما يناسب أعمالهم وهو بصير بها، وأن قوله: {وإن تولوا} الخ أي إن تولوا عن الانتهاء، ولم يكفوا عن القتال ولم يتركوا الفتنة {فاعلموا أن الله مولاكم} وناصركم و قاتلوهم مطمئنين بنصر الله نعم المولى ونعم النصير.
وقد ظهر أن قوله: {ويكون الدين كله لله} لا ينافي إقرار أهل الكتاب على دينهم ان دخلوا في الذمة واعطوا الجزية فلا نسبة للآية مع قوله تعالى:
{ حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون } [التوبة: 29]. بالناسخية والمنسوخية.
ولبعض المفسرين وجوه في معنى الانتهاء والمغفرة وغيرهما من مفردات الآيات الثلاث لا كثير جدوى في التعرض لها تركناها.
وقد ورد في بعض الأخبار كون {نعم المولى ونعم النصير} من اسماء الله الحسنى والمراد بالإِسم حينئذ لا محالة غير الإِسم بمعناه المصطلح بل كل ما يخص بلفظه شيئاً من المصاديق كما ورد نظيره في قوله تعالى: {لا تأخذه سنة ولا نوم} وقد مر استيفاء الكلام في الأسماء الحسنى في ذيل قوله تعالى:
{ ولله الأسماء الحسنى } [الأعراف: 180] في الجزء الثامن من الكتاب.
(بحث روائي)
في تفسير القمي في قوله تعالى: {وإذ يمكر بك الذين كفروا} الآية أنها نزلت بمكة قبل الهجرة.
وفي الدر المنثور أخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن جريح (رض) {وإذ يمكر بك الذين كفروا} قال: هي مكية.
أقول: وهو ظاهر ما رواه أيضاً عن عبد بن حميد عن معاوية بن قرة، لكن عرفت أن سياق الآيات لا يساعد عليه.
وفيه أخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل والخطيب عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك} قال: تشاورت قريش ليلة بمكة فقال بعضهم: إذا اصبح فاثبتوه بالوثائق - يريدون النبي صلى لله عليه وسلم - وقال بعضهم: بل اقتلوه، وقال بعضهم بل أخرجوه فاطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك فبات علي رضي الله عنه على فراش النبي صلى الله عليه وسلم وخرج النبي صلى الله عليه وسلم حتى لحق بالغار، وبات المشركون يحرسون علياً رضي الله عنه يحسبونه النبي صلى الله عليه وسلم فلما اصبحوا ثاروا عليه فلما رأوه علياً رضي الله عنه ردّ الله مكرهم فقالوا: أين صاحبك هذا؟ قال: لا أدري فاقتصوا أثره فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم فصعدوا في الجبل فرأوا على بابه نسج العنكبوت فقالوا: لو دخل هنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه فمكث ثلاث ليال.
وفي تفسير القمي: كان سبب نزولها أنه لما أظهر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الدعوة بمكة قدمت عليه الأوس والخزرج فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: تمنعوني وتكونون لي جاراً حتى أتلو كتاب الله عليكم وثوابكم على الله الجنة؟ فقالوا: نعم خذ لربك ولنفسك ما شئت فقال لهم: موعدكم العقبة في الليلة الوسطى من ليالي التشريق فحجوا ورجعوا إلى منى وكان فيهم ممن قد حج بشر كثير.
فلما كان اليوم الثاني من أيام التشريق قال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا كان الليل فاحضروا دار عبد المطلب على العقبة، ولا تنبهوا نائماً، ولينسل واحد فواحد فجاء سبعون رجلاً من الأوس والخزرج فدخلوا الدار فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: تمنعوني وتجيروني حتى أتلو عليكم كتاب ربي وثوابكم على الله الجنة.
فقال أسعد بن زرارة والبراء بن معرور وعبد الله بن حرام: نعم يا رسول الله اشترط لربك ونفسك ما شئت. فقال: أما ما أشترط لربي فأن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وما أشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون أنفسكم وتمنعون أهلي مما تمنعون أهليكم وأولادكم. فقالوا فما لنا على ذلك؟ فقال: الجنة في الآخرة، وتملكون العرب، ويدين لكم العجم في الدنيا، وتكونون ملوكاً في الجنة فقالوا: قد رضينا.
فقال: اخرجوا إليّ منكم اثني عشر نقيباً يكونون شهداء عليكم بذلك كما أخذ موسى من بني إسرائيل اثني عشر نقيباً فأشار إليهم جبرائيل فقال: هذا نقيب وهذا نقيب تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس: فمن الخزرج أسعد بن زرارة والبراء بن معرور وعبد الله بن حرام أبو جابر بن عبد الله ورافع بن مالك وسعد بن عبادة والمنذر بن عمر وعبد الله بن رواحة وسعد بن ربيع وعبادة بن صامت ومن الأوس ابو الهيثم بن التيهان وهو من اليمن وأُسيد بن حصين وسعد بن خيثمة.
فلما اجتمعوا وبايعوا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صاح إبليس: يا معشر قريش والعرب هذا محمد والصباة من أهل يثرب على جمرة العقبة يبايعونه على حربكم فأسمع أهل منى، وهاجت قريش فأقبلوا بالسلاح، وسمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم النداء فقال للأنصار: تفرقوا فقالوا: يا رسول الله إن أمرتنا أن نميل عليهم بأسيافنا فعلنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لم اؤمر بذلك ولم يأذن الله لي في محاربتهم. قالوا: فتخرج معنا؟ قال: أنتظر أمر الله.
فجاءت قريش على بكرة أبيها قد أخذوا السلاح وخرج حمزة وأمير المؤمنين عليه السلام بالسلاح ومعهما السيوف فوقفا على العقبة فلما نظرت قريش إليهما قالوا: ما هذا الذي اجتمعتم له؟ فقال حمزة: ما اجتمعنا وما ها هنا أحد والله لا يجوز هذه العقبة أحد إلا ضربته بسيفي.
فرجعوا إلى مكة وقالوا: لا نأمن أن يفسد أمرنا ويدخل واحد من مشائخ قريش في دين محمد فاجتمعوا في دار الندوة، وكان لا يدخل دار الندوة إلا من أتى عليه أربعون سنة فدخلوا أربعين رجلاً من مشائخ قريش، وجاء إبليس في صورة شيخ كبير فقال له البواب: من أنت؟ فقال: أنا شيخ من أهل نجد لا يعدمكم مني رأي صائب إني حيث بلغني اجتماعكم في أمر هذا الرجل جئت لأشير عليكم فقال: أُدخل فدخل إبليس.
فلما أخذوا مجلسهم قال أبو جهل: يا معشر قريش إنه لم يكن أحد من العرب أعز منا نحن أهل الله تفد إلينا العرب في السنة مرتين ويكرموننا، ونحن في حرم الله لا يطمع فينا طامع فلم نزل كذلك حتى نشأ فينا محمد بن عبد الله فكنا نسميه الأمين لصلاحه وسكونه وصدق لهجته حتى إذا بلغ ما بلغ وأكرمناه ادعى أنه رسول الله وأن أخبار السماء تأتيه فسفه أحلامنا، وسب آلهتنا، وأفسد شبابنا، وفرق جماعتنا، وزعم أنه من مات من أسلافنا ففي النار، ولم يرد علينا شيء أعظم من هذا، وقد رأيت فيه رأياً. قالوا: وما رأيت؟ قال: رأيت أن ندس إليه رجلاً منا ليقتله فإن طلبت بنو هاشم بديته أعطيناهم عشر ديات.
فقال الخبيث: هذا رأي خبيث قالوا: وكيف ذلك؟ قال: لان قاتل محمد مقتول لا محالة فمن هذا الذي يبذل نفسه للقتل منكم؟ فإنه إذا قتل محمداً تعصبت بنو هاشم وحلفاؤهم من خزاعة، وإن بني هاشم لا ترضى أن يمشي قاتل محمد على الأرض فتقع بينكم الحروب في حرمكم وتتفانون.
فقال آخر منهم: فعندي رأي آخر. قال: وما هو؟ قال: نثبته في بيت ونلقي عليه قوته حتى يأتي عليه ريب المنون فيموت كما مات زهير والنابغة وامرؤ القيس. فقال إبليس: هذا أخبث من الآخر. قالوا: وكيف ذاك؟ قال: لأن بني هاشم لا ترضى بذلك فإذا جاء موسم من مواسم العرب استغاثوا بهم فاجتمعوا عليكم فأخرجوه.
قال آخر منهم: لا ولكنا نخرجه من بلادنا ونتفرغ لعبادة آلهتنا. قال إبليس: هذا أخبث من ذينك الرأيين المتقدمين، قالوا: وكيف؟ قال: لأنكم تعمدون إلى أصبح الناس وجهاً، وأتقن الناس لساناً وأفصحهم لهجة فتحملوه إلى بوادي العرب فيخدعهم ويسحرهم بلسانه فلا يفجؤكم إلا وقد ملأها خيلاً ورجلاً. فبقوا حائرين.
ثم قالوا لإِبليس: فما الرأي يا شيخ؟ قال: ما فيه إلا رأي واحد. قالوا: وما هو؟ قال: يجتمع من كل بطن من بطون قريش فيكون معهم من بني هاشم رجل فيأخذون سكِّيناً أو حديدة أو سيفاً فيدخلون عليه فيضربونه كلهم ضربة واحدة حتى يتفرق دمه في قريش كلها فلا يستطيع بنو هاشم أن يطلبوا بدمه فقد شاركوه فيه فإن سألوكم أن تعطوهم الدية فأعطوهم ثلاث ديات. قالوا: نعم وعشر ديات. قالوا: الرأي رأي الشيخ النجدي فاجتمعوا فيه، ودخل معهم في ذلك أبو لهب عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
فنزل جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره أن قريشاً قد اجتمعت في دار الندوة يدبرون عليك فأنزل الله عليه في ذلك: {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين}.
واجتمعت قريش أن يدخلوا عليه ليلاً فيقتلوه، وخرجوا إلى المسجد يصفرون ويصفقون ويطوفون بالبيت فأنزل الله: {وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاءً وتصدية} فالمكاء التصفير والتصدية صفق اليدين وهذه الآية معطوفة على قوله: {وإذ يمكر بك الذين كفروا} قد كتبت بعد آيات كثيرة.
فلما أمسى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جاءت قريش ليدخلوا عليه فقال أبو لهب: لا أدعكم أن تدخلوا عليه بالليل فإن في الدار صبياناً ونساء ولا نأمن أن يقع بهم يد خاطئة فنحرسه الليلة فإذا أصبحنا دخلنا عليه فناموا حول حجرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يفرش له فرش فقال لعلي بن أبي طالب عليه السلام: افدني بنفسك قال: نعم يا رسول الله قال: نم على فراشي والتحف ببردتي فنام علي عليه السلام على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والتحف ببردته.
وجاء جبرئيل فأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخرجه على قريش وهم نيام وهو يقرأ عليهم: {وجعلنا من بين أيديهم سدّاً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يبصرون} وقال له جبرئيل: خذ على طريق ثور وهو جبل على طريق منى له سنام كسنام الثور فدخل الغار وكان من أمره ما كان.
فلما أصبحت قريش وأتوا إلى الحجرة وقصدوا الفراش فوثب علي عليه السلام في وجوههم فقال: ما شأنكم؟ قالوا: أين محمد؟ قال: أجعلتموني عليه رقيباً؟ ألستم قلتم نخرجه من بلادنا؟ فقد خرج عنكم فأقبلوا على أبي لهب يضربونه ويقولون: أنت تخدعنا منذ الليل.
فتفرقوا في الجبال، وكان فيهم رجل من خزاعة يقال له: أبو كرز يقفوا الآثار فقالوا: يا أبا كرز اليوم اليوم فوقف بهم على باب حجرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال لهم: هذه قدم محمد والله إنها لاخت القدم التي في المقام، وكان أبو بكر بن أبي قحافة استقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فردّه معه فقال أبو كرز: وهذه قدم ابن أبي قحافة أو أبيه ثم قال: وها هنا غير ابن أبي قحافة، ولا يزال يقف بهم حتى أوقفهم على باب الغار.
ثم قال: ما جاوزوا هذا المكان إما أن يكونوا صعدوا إلى السماء أو دخلوا تحت الأرض، وبعث الله العنكبوت فنسجت على باب الغار، وجاء فارس من الملائكة ثم قال: ما في الغار أحد فتفرقوا في الشعاب، وصرفهم الله عن رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ثم أذن لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم في الهجرة.
أقول: وروي ما يقرب من هذا المعنى ملخصاً في الدر المنثور عن ابن اسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي نعيم والبيهقي معاً في الدلائل عن ابن عباس لكن نسب فيه إلى أبي جهل ما نسب في هذه الرواية إلى الشيخ النجدي ثم ذكر أن الشيخ النجدي صدَّق أبا جهل في رأيه واجتمع القوم على قوله.
وقد روي دخول إبليس عليهم في دار الندوة في زي شيخ نجدي في عدة روايات من طرق الشيعة وأهل السنّة.
وأما ما في الرواية من قول أبي كرز لما اقتفى أثر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "هذه قدم محمد، وهذه قدم ابن أبي قحافة، وها هنا غير ابن أبي قحافة" فقد ورد في الروايات أن ثالثهما هند بن أبي هالة ربيب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمه خديجة بنت خويلد رضي الله عنها.
وقد روى الشيخ في أماليه بإسناده عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر عن أبيه وعبد الله بن أبي رافع جميعاً عن عمار بن ياسر وأبي رافع وعن سنان بن أبي سنان عن ابن هند بن أبي هالة، وقد دخل حديث عمار وأبي رافع وهند بعضه في بعض، وهو حديث طويل في هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفيه: واستتبع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر بن أبي قحافة وهند بن أبي هالة فأمرهما أن يقعدا له بمكان ذكره لهما من طريقه إلى الغار، وثبت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمكانه مع علي يأمره في ذلك بالصبر حتى صلى العشائين ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في فحمة العشاء والرصد من قريش قد أطافوا بداره ينتظرون أن ينتصف الليل وتنام الأعين.
فخرج وهو يقرأ هذه الآية: {وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يبصرون} وكان بيده قبضة من تراب فرمى بها في رؤوسهم فما شعر القوم به حتى تجاوزهم ومضى حتى أتى إلى هند وأبي بكر فنهضا معه حتى وصلوا إلى الغار. ثم رجع هند إلى مكة بما أمره به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ودخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبو بكر الغار.
قال بعد سوق القصة الليلة: حتى إذا اعتمَّ من الليلة القابلة انطلق هو - يعني علياً عليه السلام - وهند بن أبي هالة حتى دخلا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الغار فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هنداً أن يبتاع له ولصاحبه بعيرين فقال أبو بكر قد كنت أعددت لي ولك يا نبي الله راحلتين نرتحلهما إلى يثرب فقال: إني لا آخذهما ولا أحدهما إلا بالثمن قال: فهي لك بذلك فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليّاً عليه السلام فأقبضه الثمن ثم وصاه بحفظ ذمته وأداء أمانته.
وكانت قريش قد سموا محمداً في الجاهلية: الأمين، وكانت تودعه وتستحفظه أموالها وأمتعتها، وكذلك من يقدم مكة من العرب في الموسم، وجاءت النبوة والرسالة والأمر كذلك فأمر علياً عليه السلام أن يقيم صارخاً بالأبطح غدوة وعشياً: من كان له قبل محمد أمانة أو دين فليأت فلنؤد إليه أمانته.
قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إنهم لن يصلوا من الآن إليك يا علي بأمر تكرهه حتى تقدم علي فأد أمانتي على أعين الناس ظاهراً ثم اني مستخلفك على فاطمة ابنتي ومستخلف ربي عليكما ومستحفظه فيكما فأمر أن يبتاع رواحل له وللفواطم ومن أزمع الهجرة معه من بني هاشم.
قال أبو عبيدة: فقلت لعبيد الله يعني ابن أبي رافع: أو كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يجد ما ينفقه هكذا؟ فقال: إني سألت أبي عما سألتني وكان يحدّث لي هذا الحديث. فقال: وأين يذهب بك عن مال خديجة عليه السلام.
قال عبيد الله بن أبي رافع: وقد قال علي بن أبي طالب عليه السلام يذكر مبيته على الفراش ومقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الغار ثلاثاً نظماً:

وقيت بنفسي خير من وطئ الحصا ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجرِ
محمد لمـــــا خـــاف أن يمكروا به فوقّــاه ربــى ذو الجـلال من المكرِ
وبـــتُّ أُراعيهــــــم متى ينشرونني وقـد وُطّنت نفسي على القتل والأسرِ
وبـــات رســـــول الله في الغار آمناً هنـــاك وفـــي حفــــظ الإِله وفي سترِ
أقام ثلاثــــاً ثــــــم زمَّـــــت قلائص قلائــص يفريـــــن الحصا أينما تفرى

وقد روى الأبيات عنه عليه السلام بتفاوت يسير في الدر المنثور عن الحاكم عن علي بن الحسين عليه السلام.
وفي تفسير العياشي عن زرارة وحمران عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام قوله: {خير الماكرين} قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد كان لقي من قومه بلاء شديداً حتى أتوه ذات يوم وهو ساجد حتى طرحوا عليه رحم شاة فأتته ابنته وهو ساجد لم يرفع رأسه فرفعته عنه ومسحته ثم أراه الله بعد ذلك الذي يحب. إنه كان ببدر وليس معه غير فارس واحد ثم كان معه يوم الفتح اثنا عشر ألفاً حتى جعل أبو سفيان والمشركون يستغيثون. الحديث.
وفي الدر المنثور أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال: كان النضر بن الحارث يختلف إلى الحيرة فيسمع سجع أهلها وكلامهم فلما قدم إلى مكة سمع كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم والقرآن فقال: قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين.
أقول: وهناك بعض روايات أُخر في أن القائل بهذا القول كان هو النضر بن الحارث وقد قتل يوم بدر صبراً.
وفيه أخرج البخاري وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال أبو جهل بن هشام: "اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم" فنزلت: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون}.
أقول: وروى القمي هذا المعنى في تفسيره وروي السيوطي أيضاً في الدر المنثور عن ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير وعن ابن جرير عن عطاء: أن القائل: {اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك} الآية النضر بن الحارث وقد تقدم في البيان السابق ما يقتضيه سياق الآية.
وفيه أخرج ابن جرير عن يزيد بن رومان ومحمد بن قيس قالا: قالت قريش بعضها لبعض: محمد أكرمه الله من بيننا؟ اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء الآية فلما أمسوا ندموا على ما قالوا فقالوا: غفرانك اللهم فأنزل الله: {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} إلى قوله {لا يعلمون}.
وفيه أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن ابزى (رض) قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمكة فأنزل الله: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة فأنزل الله: {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} فلما خرجوا أنزل الله: {وما لهم أن لا يعذبهم الله} الآية فأذن في فتح مكة فهو العذاب الذي وعدهم.
وفيه أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عطية (رض) في قوله: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} يعني المشركين حتى يخرجك منهم {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} قال: يعني المؤمنين. ثم أعاد المشركين فقال: {وما لهم أن لا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام}.
وفيه أخرج ابن أبي حاتم عن السدي (رض) في قوله: {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} يقول: لو استغفروا وأقرّوا بالذنوب لكانوا مؤمنين، وفي قوله: {وما لهم أن لا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام} يقول: وكيف لا أعذبهم وهم لا يستغفرون.
وفيه أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد (رض) في قوله: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} قال: بين أظهرهم {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} قال: يسلمون.
وفيه أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي مالك (رض) {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} يعني أهل مكة {وما كان الله معذبهم} وفيهم المؤمنون يستغفرون.
وفيه أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة والحسن رضي عنهما في قوله: {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} قالا: نسختها الآية التي تليها: {وما لهم أن لا يعذبهم الله} فقوتلوا بمكة فأصابهم فيها الجوع والحصر.
أقول: عدم انطباقها على الآية بظاهرها المؤيد بسياقها ظاهر، وإنما دعاهم إلى هذه التكلفات الاحتفاظ باتصال الآية في التأليف بما قبلها وما قبلها من الآيات المتعرضة لحال مشركي أهل مكة، ومن عجيب ما فيها تفسير العذاب في الآية بفتح مكة، ولم يكن إلا رحمة للمشركين والمؤمنين جميعاً.
وفيه أخرج الترمذي عن أبي موسى الأشعري (رض) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"أنزل الله علي أمانين لأُمتي {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} فإذا مضيت تركت فيهم الاستغفار إلى يوم القيامة" .
أقول: مضمون الرواية مستفاد من الآية، وقد روي ما في معناها عن أبي هريرة وابن عباس عنه صلى الله عليه وسلم ورواها في نهج البلاغة عن علي عليه السلام.
وفي ذيل هذه الرواية شيء، وهو أنه لا يلائم ما مر في البيان المتقدم من إيعاد القرآن هذه الأُمة بعذاب واقع قبل يوم القيامة، ولازمه أن يرتفع الاستغفار من بينهم قبل يوم القيامة.
وفيه أخرج أحمد عن فضالة بن عبيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال العبد آمنٌ من عذاب الله ما استغفر الله.
وفي الكافي عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن حنان بن سدير عن أبيه عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مقامي بين أظهركم خير لكم فإن الله يقول: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم، ومفارقتي إياكم خير لكم. فقالوا: يا رسول الله مقامك بين أظهرنا خير لنا فكيف يكون مفارقتك خير لنا؟ فقال: أما مفارقتي لكم خير لكم فإن أعمالكم تعرض عليّ كل خميس واثنين فما كان من حسنة حمدت الله عليها، وما كان من سيئة استغفر الله لكم.
أقول: وروى هذا المعنى العياشي في تفسيره والشيخ في أماليه عن حنان بن سدير عن أبيه عنه عليه السلام، وفي روايتهما أن السائل هو جابر بن عبد الله الأنصاري عليه السلام، ورواه أيضاً في الكافي بإسناده عن محمد بن أبي حمزة وغير واحد عن أبي عبد الله عليه السلام.
وفي الدر المنثور أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير (رض) قال: كانت قريش تعارض النبي صلى الله عليه وسلم في الطواف يستهزئون ويصفرون ويصفّقون فنزلت: {وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية}.
وفيه أخرج أبو الشيخ عن نبيط وكان من الصحابة (رض) في قوله: {وما كان صلاتهم عند البيت} الآية قال: كانوا يطوفون بالبيت الحرام وهم يصفرون.
وفيه أخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما: إن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل: {إلا مكاء وتصدية} قال: المكاء صوت القنبرة، والتصدية صوت العصافير وهو التصفيق، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصلاة وهو بمكة كان يصلي قائماً بين الحجر والركن اليماني فيجيء رجلان من بني سهم يقوم أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، ويصيح أحدهما كما يصيح المكّاء، والآخر يصفق بيده تصدية العصافير ليفسد عليه صلاته.
وفي تفسير العياشي عن إبراهيم بن عمر اليماني عمن ذكره عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله: {وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه} يعني أولياء البيت يعني المشركين {إن أولياؤه إلا المتّقون} حيث ما كانوا هم أولى به من المشركين {وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية} قال: التصفير والتصفيق.
وفي الدر المنثور أخرج ابن اسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل كلهم من طريقه قال: حدثني الزهري ومحمد بن يحيى بن حيان وعاصم بن عمر بن قتادة والحصين بن عبد الرحمن بن عمر قال: لما أُصيبت قريش يوم بدر ورجع فلّهم إلى مكة ورجع أبو سفيان بعيره مشى عبد الله بن ربيعة وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أُميّة في رجال من قريش إلى من كان معه تجارة فقالوا: يا معشر قريش إن محمداً قد وتركم وقتل خياركم فأعينونا بهذا المال على حربه فلعلنا أن ندرك منه ثأراً ففعلوا ففيهم كما ذكر عن ابن عباس أنزل الله: {إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله} إلى قوله {والذين كفروا إلى جهنم يحشرون}.
وفيه أخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله} قال نزلت في أبي سفيان بن حرب.
وفيه أخرج ابن سعد وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عساكر عن سعيد بن جبير في قوله: {إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله} الآية قال: نزلت في أبي سفيان بن حرب استأجر يوم أُحد ألفين من الأحابيش من بني كنانة يقاتل بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سوى من استجاش من العرب فأنزل الله فيه هذه الآية.
وهم الذين قال فيهم كعب بن مالك رضي الله عنه:

وجئنا إلى موج مـن البحر وسطه أحابيــــــــش منهـم حاسر ومقنع
ثلاثــــــة آلاف ونحــــــن نصيةٌ ثلاث مئـــين إن كثـــــرن فأربع

أقول: ورواه ملخَّصاً عن ابن اسحاق وابن أبي حاتم عن عبّاد بن عبد الله ابن الزبير.
وفي المجمع في قوله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} الآية، قال: روى زرارة وغيره عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: لم يجيء تأويل هذه الآية ولو قام قائمنا بعدُ سيرى من يدركه ما يكون من تأويل هذه الآية وليبلغن دين محمد صلى الله عليه وآله وسلم ما بلغ الليل حتى لا يكون مشرك على ظهر الأرض.
أقول: ورواه العياشي في تفسيره عن زرارة عنه عليه السلام، وفي معناه ما في الكافي بإسناده عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام، وروى هذا المعنى أيضاً العياشي عن عبد الأعلى الحلبي عن أبي جعفر عليه السلام في رواية طويلة.
وقد تقدم حديث إبراهيم الليثي في تفسير قوله: {ليميز الله الخبيث من الطيب} الآية مع بعض ما يتعلق به من الكلام في ذيل قوله:
{ كما بدأكم تعودون } [الأعراف: 29] في الجزء الثامن من الكتاب.