التفاسير

< >
عرض

وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
٤١
إِذْ أَنتُمْ بِالْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا وَهُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلْقُصْوَىٰ وَٱلرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي ٱلْمِيعَادِ وَلَـٰكِن لِّيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ
٤٢
إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي ٱلأَمْرِ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ
٤٣
وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِيۤ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِيۤ أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ
٤٤
يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُواْ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ
٤٥
وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَٱصْبِرُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ
٤٦
وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ
٤٧
وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنْكُمْ إِنَّيۤ أَرَىٰ مَا لاَ تَرَوْنَ إِنَّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ
٤٨
إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ دِينُهُمْ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
٤٩
وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمَلاۤئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ
٥٠
ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّٰمٍ لِّلْعَبِيدِ
٥١
كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ
٥٢
ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
٥٣
كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَآ آلَ فِرْعَونَ وَكُلٌّ كَانُواْ ظَالِمِينَ
٥٤
-الأنفال

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
تشتمل الآيات على الأمر بتخميس الغنائم وبالثبات عند اللقاء وتذكرهم، وتقصُّ عليهم بعض ما نكب الله به أعداء الدين وأخزاهم بالمكر الإِلهي، وأجرى فيهم سنَّة آل فرعون ومن قبلهم من المكذبين لآيات الله الصادين عن سبيله.
قوله تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول} إلى آخر الآية. الغنم والغنيمة إصابة الفائدة من جهة تجارة أو عمل أو حرب وينطبق بحسب مورد نزول الآية على غنيمة الحرب، قال الراغب: الغنم - بفتحتين - معروف قال: ومن البقر والغنم ما حرمنا عليهم شحومهما، والغنم - بالضم فالسكون - إصابته والظفر به ثم استعمل في كل مظفور به من جهة العدى وغيرهم قال: واعلموا أنما غنمتم من شيء، فكلوا مما غنمتم حلالاً طيباً. والمغنم ما يغنم وجمعه مغانم قال: فعند الله مغانم كثيرة، انتهى.
وذو القربى القريب والمراد به قرابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو خصوص أشخاص منهم على ما يفسره الآثار القطعية، واليتيم هو الإِنسان الذي مات أبوه وهو صغير، قالوا: كل حيوان يتيم من قِبل أمه إلا الإِنسان فإن يتمه من قِبل أبيه.
وقوله: {فأن لله خمسه} الخ قرئ بفتح أن، ويمكن أن يكون بتقدير حرف الجرّ والتقدير: واعلموا أن ما غنمتم من شيء فعلى أن لله خمسه أي هو واقع على هذا الأساس محكوم به، ويمكن أن يكون بالعطف على أن الأولى، وحذف خبر الأولى لدلالة الكلام عليه، والتقدير: اعلموا أن ما غنمتم من شيء يجب قسمته فاعلموا أن خمسه لله، أو يكون الفاء لاستشمام معنى الشرط فإن مآل المعنى إلى نحو قولنا: إن غنمتم شيئاً فخمسه لله الخ فالفاء من قبيل فاء الجزاء، وكرر أن للتأكيد، والأصل: اعلموا أن ما غنمتم من شيء أن خمسه لله الخ، والأصل الذي تعلق به العلم هو: ما غنمتم من شيء خمسه لله وللرسول الخ، وقد قدم لفظ الجلالة للتعظيم.
وقوله: {إن كنتم آمنتم بالله} الخ قيد للأمر الذي يدل عليه صدر الآية أي أدوا خمسه إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا، وربما قيل: إنه متصل بقوله تعالى في الآية السابقة: {فاعلموا أن الله هو مولاكم} هذا والسياق الذي يتم بحيلولة قوله: {واعلموا أنما غنمتم من شيء} الخ لا يلائم ذلك.
وقوله تعالى: {وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان} الظاهر أن المراد به القرآن بقرينة تخصيص النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالإِنزال، ولو كان المراد به الملائكة المنزلون يوم بدر - كما قيل - لكان الأنسب أولاً: أن يقال: ومن أنزلنا على عبدنا، أو ما يؤدي هذا المعنى وثانياً: أن يقال: عليكم لا على عبدنا فإن الملائكة كما أُنزلت لنصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أُنزلت لنصرة المؤمنين معه كما يدل عليه قوله:
{ فاستجاب لكم أني ممدّكم بألف من الملائكة مردفين } [الأنفال: 9]. وقوله بعد ذلك: { إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا } [الأنفال: 12]. ونظيرهما قوله: { إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين } [آل عمران: 124-125]. وفي الإِلتفات من الغيبة إلى التكلم في قوله: {إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا} من بسط اللطف على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واصطفائه بالقرب ما لا يخفى.
ويظهر بالتأمل فيما قدمناه من البحث في قوله تعالى في أول السورة: {يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول} الآية أن المراد بقوله: {وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان} هو قوله تبارك وتعالى: {فكلوا مما غنمتم حلالاً طيباً} بما يحتف به من الآيات.
والمراد بقوله: {يوم الفرقان} يوم بدر كما يشهد به قوله بعده: {يوم التقى الجمعان} فإن يوم بدر هو اليوم الذي فرق الله فيه بين الحق والباطل فأحق الحق بنصرته، وأبطل الباطل بخذلانه.
وقوله تعالى: {والله على كل شيء قدير} بمنزلة التعليل لقوله: {يوم الفرقان} بما يدل عليه من تمييزه تعالى بين الحق والباطل كأنه قيل: والله على كل شيء قدير فهو قادر أن يفرق بين الحق والباطل بما فرق.
فمعنى الآية - والله أعلم - واعلموا أن خمس ما غنمتم أي شيء كان هو لله ولرسوله ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل فردوه إلى أهله إن كنتم آمنتم بالله وما أنزله على عبده محمد صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر، وهو أن الأنفال وغنائم الحرب لله ولرسوله لا يشارك الله ورسوله فيها أحد، وقد أجاز الله لكم أن تأكلوا منها وأباح لكم التصرف فيها فالذي أباح لكم التصرف فيها يأمركم أن تؤدوا خمسها إلى أهله.
وظاهر الآية أنها مشتملة على تشريع مؤبد كما هو ظاهر التشريعات القرآنية، وأن الحكم متعلق بما يسمى غنماً وغنيمة سواء كان غنيمة حربية مأخوذة من الكفار أو غيرها مما يطلق عليه الغنيمة لغة كأرباح المكاسب والغوص والملاحة والمستخرج من الكنوز والمعادن، وإن كان مورد نزول الآية هو غنيمة الحرب فليس للمورد أن يخصص.
وكذا ظاهر ما عد من موارد الصرف بقوله: {لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل} انحصار الموارد في هؤلاء الأصناف، وأن لكل منهم سهماً بمعنى استقلاله في أخذ السهم كما يستفاد مثله من آية الزكاة من غير أن يكون ذكر الأصناف من قبيل التمثيل.
فهذا كله مما لا ريب فيه بالنظر الى المتبادر من ظاهر معنى الآية، وعليه وردت الأخبار من طرق الشيعة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام وقد اختلفت كلمات المفسرين من أهل السنة في تفسير الآية وسنتعرض لها في البحث الروائي التالي إن شاء الله تعالى.
قوله تعالى: {إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمراً كان مفعولاً} العدوة بالضم وقد يكسر شفير الوادي، والدنيا مؤنث أدنى كما أن القصوى وقد يقال: القصيا مؤنث اقصى والركب كما قيل هو العير الذي كان عليه أبو سفيان بن حرب.
والظرف في قوله: {إذ أنتم بالعدوة} بيان ثان لقوله في الآية السابقة: {يوم الفرقان} كما أن قوله: {يوم التقى الجمعان} بيان أول له متعلق بقوله: {أنزلنا على عبدنا} وأما ما يظهر من بعضهم أنه بيان لقوله: {والله على كل شيء قدير} بما يفيده بحسب المورد، والمعنى: والله قدير على نصركم وأنتم أذلة إذ أنتم نزول بشفير الوادي الأقرب، فلا يخفى بعده ووجه التكلف فيه.
وقوله تعالى: {ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد}، سياق ما تقدمه من الجمل الكاشفة عن تلاقي الجيشين، وكون الراكب أسفل منهم، وأن الله بقدرته التي قهرت كل شيء فرق بين الحق والباطل، وأيد الحق على الباطل، وكذا قوله بعد: {ولكن ليقضي الله أمراً كان مفعولاً} كل ذلك يشهد على أن المراد بقوله: {ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد} بيان أن التلاقي على هذا الوجه لم يكن إلا بمشيئة خاصة من الله سبحانه حيث نزل المشركون وهم ذووا عدة وشدة بالعدوة القصوى وفيها الماء والأرض الصلبة، والمؤمنون على قلة عددهم وهوان أمرهم بالعدوة الدنيا ولا ماء فيها والأرض رملية لا تثبت تحت أقدامهم، وتخلص العير منهم إذ ضرب أبو سفيان في الساحل أسفل، وتلاقى الفريقان لا حاجز بينهما ولا مناص عندئذ عن الحرب، فالتلاقي والمواجهة على هذا الوجه ثم ظهور المؤمنين على المشركين، لم يكن عن أسباب عادية بل لمشيئة خاصة إلهية ظهرت بها قدرته وبانت بها عنايته الخاصة ونصره وتأييده للمؤمنين.
فقوله: {ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد} بيان أن هذا التلاقي لم يكن عن سابق قصد وعزيمة، ولا روية أو مشورة، ولهذا المعنى عقبه بقوله: {ولكن ليقضي الله أمراً كان مفعولاً} بما فيه من الاستدراك.
وقوله: {ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة} لتعليل ما قضي به من الأمر المفعول أي أن الله إنما قضى هذا الذي جرى بينكم من التلاقي والمواجهة ثم تأييد المؤمنين وخذلان المشركين ليكون ذلك بينة ظاهرة على حقيقة الحق وبطلان الباطل فيهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة.
وبذلك يظهر أن المراد بالهلاكة والحياة هو الهدى والضلال لأن ذلك هو الذي يرتبط به وجود الآية البينة ظاهراً.
وكذا قوله: {وأن الله لسميع عليم} عطف على قوله: {ليهلك من هلك عن بينة} الخ، أي وإن الله إنما قضى ما قضى وفعل ما فعل لأنه سميع يسمع دعاءكم عليم يعلم ما في صدوركم، وفيه إشارة إلى ما ذكره في صدر الآيات: {إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم} إلى آخر الآيات.
وعلى هذا السياق - أي لبيان أن مرجع الأمر في هذه الواقعة هو القضاء الخاص الإِلهي دون الأسباب العادية - سيق قوله تعالى بعد: {إذ يريكهم الله في منامك قليلاً} الخ، وقوله: {وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم} الخ، وقوله: {إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم} الخ.
ومعنى الآية يوم الفرقان هو الوقت الذي أنتم نزول بالعدوة الدنيا وهم نزول بالعدوة القصوى، وقد توافق نزولكم بها ونزولهم بها بحيث لو تواعدتم بينكم أن تلتقوا بهذا الميعاد لاختلفتم فيه ولم تتلاقوا على هذه الوتيرة فلم يكن ذلك منكم ولا منهم ولكن ذلك كان أمراً مفعولاً والله قاضيه وحاكمه، وإنما قضى ما قضى ليظهر آية بينة فتتم بذلك الحجة، ولأنه قد استجاب بذلك دعوتكم بما سمع من استغاثتكم وعلم به من حاجة قلوبكم.
قوله تعالى: {إذ يريكهم الله في منامك قليلاً} إلى آخر الآية، الفشل هو الضعف مع الفزع، والتنازع هو الاختلاف وهو من النزع نوع من القلع كأن المتنازعين ينزع كل منهما الآخر عما هو فيه، والتسليم هو النتيجة.
والكلام على تقدير اذكر أي اذكر وقتاً يريكهم الله في منامك قليلاً، وإنما أراكهم قليلاً ليربط بذلك قلوبكم وتطمئن نفوسكم ولو أراكهم كثيراً ثم ذكرتها للمؤمنين افزعكم الضعف واختلفتم في أمر الخروج إليهم ولكنه تعالى نجّاكم بإراءتهم قليلاً عن الفشل والتنازع إنه عليم بذات الصدور وهي القلوب يشهد ما يصلح به حال القلوب في اطمئنانها وارتباطها وقوتها.
والآية تدل على أن الله سبحانه أرى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم رؤيا مبشرة رأى فيها ما وعده الله من إحدى الطائفتين أنها لهم، وقد أراهم قليلاً لا يعبأ بشأنهم، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذكر ما رآه للمؤمنين ووعدهم وعد تبشير فعزموا على لقائهم. والدليل على ذلك قوله: {ولو أراكهم كثيراً لفشلتم} الخ وهو ظاهر.
قوله تعالى: {وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلاً ويقللكم في أعينهم} إلى آخر الآية. معنى الآية ظاهر، ولا تنافي بين هذه الآية وقوله تعالى:
{ قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأُخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء } [آل عمران: 13] بناء على أن الآية تشير إلى وقعة بدر.
وذلك أن التقليل الذي يشير إليه في الآية المبحوث عنها مقيد بقوله: {إذ التقيتم} وبذلك يرتفع التنافي كأن الله سبحانه أرى المؤمنين قليلاً في أعين المشركين في بادئ الالتقاء ليستحقروا جمعهم ويشجعهم ذلك على القتال والنزال حتى إذا زحفوا واختلطوا، كثّر المؤمنين في أعينهم فرأوهم مثليهم رأي العين فأوهن بذلك عزمهم وأطار قلوبهم فكانت الهزيمة فآية الأنفال تشير إلى أول الوقعة، وآية آل عمران إلى ما بعد الزحف والاختلاط وقوله: {ليقضي الله أمراً كان مفعولاً} متعلق بقوله: {يريكموهم} تعليل لمضمونه.
قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون} إلى آخر الآيات الثلاث. قال الراغب في المفردات: الثبات - بفتح الثاء - ضد الزوال انتهى فهو في المورد ضد الفرار من العدو، وهو بحسب ما له من المعنى أعم من الصبر الذي يأمر به في قوله: {واصبروا إن الله مع الصابرين} فالصبر ثبات قبال المكروه بالقلب بأن لا يضعف ولا يفزع ولا يجزع، وبالبدن بأن لا يتكاسل ولا يتساهل ولا يزول عن مكانه ولا يعجل فيما لا يحمد فيه العجل فالصبر ثبات خاص.
والريح على ما قيل، العز والدولة، وقد ذكر الراغب أن الريح في الآية بمعنى الغلبة استعارة كأن من شأن الريح أن تحرك ما هبت عليه وتقلعه وتذهب به، والغلبة على العدو يفعل به ما تفعله الريح بالشيء كالتراب فاستعيرت لها.
وقال الراغب: البطر دهش يعتري الإِنسان من سوء احتمال النعمة وقلة القيام بحقها وصرفها إلى غير وجهها قال عز وجل: {بطراً ورئاء الناس} وقال: {بطرت معيشتها} وأصله: بطرت معيشته فصرف عنه الفعل ونصب، ويقارب البطر الطرب، وهو خفة أكثر ما يعتري من الفرح وقد يقال ذلك في الترح، والبيطرة معالجة الدابة. انتهى. والرئاء المراءاة.
وقوله: {فاثبتوا} أمر بمطلق الثبوت أمام العدو، وعدم الفرار منه فلا يتكرر بالأمر ثانياً بالصبر كما تقدمت الإِشارة إليه.
وقوله: {واذكروا الله كثيراً} أي في جنانكم ولسانكم فكل ذلك ذكر، ومن المعلوم أن الأحوال القلبية الباطنة من الإِنسان هي التي تميز مقاصده وتشخصها سواء وافقها اللفظ كالفقير المستغيث بالله من فقره وهو يقول: يا غني والمريض المستغيث به من مرضه وهو يقول: يا شافي ولو قال الفقير في ذلك: يا الله أو قال المريض فيه ذلك لكان معناه: يا غني ويا شافي لأنهما بمقتضى الحال الباعث لهما على الاستغاثة والدعوة لا يريدان إلا ذلك كما هو ظاهر.
والذي يخرج إلى قتال عدوه، ثم لقيه واستعد الظرف للقتال، وليس فيه إلا زهاق النفوس، وسفك الدماء ونقص الأطراف وكل ما يهدد الإِنسان بالفناء في ما يحبه فإن حاله يحوّل فكرته ويصرف إرادته إلى الظفر بما يريده بالقتال، والغلبة على العدو الذي يهدده بالفناء، والذي حاله هذا الحال وتفكيره هذا التفكير إنما يذكر الله سبحانه بما يناسب حاله وتنصرف إليه فكرته.
وهذا أقوى قرينة على أن المراد بذكر الله كثيراً أن يذكر المؤمن ما علَّمه تعالى من المعارف المرتبطة بهذا الشأن وهو أنه تعالى إلهه وربه الذي بيده الموت والحياة وهو على نصره لقدير، وأنه هو مولاه نعم المولى ونعم النصير، وقد وعده النصر إذ قال: {إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم} وأن الله لا يضيّع أجر من أحسن عملاً، وأن مآل أمره في قتاله إلى إحدى الحسنيين إما الظفر على عدوه ورفع راية الإِسلام وإخلاص الجو لسعادته الدينية، وإما القتل في سبيل الله والانتقال بالشهادة إلى رحمته، والدخول في حظيرة كرامته، ومجاورة المقربين من أوليائه، وما في هذا الصف من المعارف الحقيقية التي تدعو إلى السعادة الواقعية والكرامة السرمدية.
وقد قيد الذكر بالكثير لتتجدد به روح التقوى كلما لاح للإِنسان ما يصرف نفسه إلى حب الحياة الفانية والتمتع بزخارف الدنيا الغارّة والخطورات النفسانية التي يلقيها الشيطان بتسويله.
وقوله: {وأطيعوا الله ورسوله} ظاهر السياق أن المراد بها إطاعة ما صدر من ناحيته تعالى وناحية رسوله من التكاليف والدساتير المتعلقة بالجهاد والدفاع عن حومة الدين وبيضة الإِسلام مما تشتمل عليه آيات الجهاد والسنَّة النبوية كالابتداء بإتمام الحجة وعدم التعرض للنساء والذراري والكف عن تبييت العدو وغير ذلك من أحكام الجهاد.
وقوله: {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم} أي ولا تختلفوا بالنزاع فيما بينكم حتى يورث ذلكم ضعف إرادتكم وذهاب عزتكم ودولتكم أو غلبتكم فإن اختلاف الآراء يخلّ بالوحدة ويوهن القوة.
وقوله: {واصبروا إن الله مع الصابرين} أي الزموا الصبر على ما يصيبكم من مكاره القتال مما يهددكم به العدو، وعلى الإِكثار من ذكر الله، وعلى طاعة الله ورسوله من غير أن يهزهزكم الحوادث أو يزجركم ثقل الطاعة أو تغويكم لذة المعصية أو يضلكم عجب النفس وخيلاؤها.
وقد أكد الأمر بالصبر بقوله: {إن الله مع الصابرين} لأن الصبر أقوى عون على الشدائد وأشد ركن تجاه التلون في العزم وسرعة التحول في الإِرادة، وهو الذي يخلّي بين الإِنسان وبين التفكير الصحيح المطمئن حيث يهجم عليه الخواطر المشوشة والأفكار الموهنة لإِرادته عند الأهوال والمصائب من كل جانب فالله سبحانه مع الصابرين.
وقوله: {ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطراً ورئاء الناس} الآية نهي عن اتخاذ طريقة هؤلاء البطرين المرائين الصادين عن سبيل الله، وهم على ما يفيده سياق الكلام في الآيات، كفّار قريش، وما ذكره من أوصافهم أعني البطر ورئاء الناس والصدّ عن سبيل الله هو الذي أوجب النهي عن التشبه بهم واتخاذ طريقتهم بدلالة السياق، وقوله: {والله بما يعملون محيط} ينبئ عن إحاطته تعالى بأعمالهم وسلطنته عليها وملكه لها، ومن المعلوم أن لازم ذلك كون أعمالهم داخلة في قضائه متمشية بإذنه ومشيئته وما هذا شأنه لا يكون مما يعجز الله سبحانه فالجملة كالكناية عما يصرح به بعد عدّة آيات بقوله:
{ ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون } [الأنفال: 59]. وظاهر أن أخذ هذه القيود أعني قوله: {بطراً ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله} يوجب تعلق النهي بها والتقدير: ولا تخرجوا من دياركم إلى قتل أعداء الدين بطرين ومرائين بالتجملات الدنيوية، وصد الناس عن سبيل الله بدعوتهم بأقوالكم وأفعالكم إلى ترك تقوى الله والتوغل في معاصيه والانخلاع عن طاعة أوامره ودساتيره فإن ذلك يحبط أعمالكم ويطفئ نور الإِيمان ويبطل أثره عن جمعكم فلا طريق إلى نجاح السعي والفوز بالمقاصد الهامة إلا سويّ الصراط الذي يمهِّده الدين القويم وتسهله الملّة الفطريّة والله لا يهدي القوم الفاسقين إلى مقاصدهم الفاسدة.
وقد اشتملت الآيات الثلاث على أُمور ستة أوجب الله سبحانه على المؤمنين رعايتها في الحروب الإِسلامية عند اللقاء وهي الثبات، وذكر الله كثيراً، وطاعة الله ورسوله، وعدم التنازع، وأن لا يخرجوا بطراً ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله.
ومجموع الأمور الستة دستور حربي جامع لا يفقد من مهام الدستورات الحربية شيئاً، والتأمل الدقيق في تفاصيل الوقائع في تاريخ الحروب الإِسلامية الواقعة في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كبدر وأُحد والخندق وحنين وغير ذلك يوضح أن الأمر في الغلبة والهزيمة كان يدور مدار رعاية المسلمين موادّ هذا الدستور الإِلهي وعدم رعايتها، والمراقبة لها والمساهلة فيها.
قوله تعالى: {وإذ زيّن لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم} إلى آخر الآية، تزيين الشيطان للانسان عمله هو إلقاؤه في قلبه كون العمل حسناً جميلاً يستلذ به وذلك بتهييج قواه الباطنة وعواطفه الداخلة المتعلقة بذلك العمل فينجذب إليه قلبه، ولا يجد فراغاً يعقل ما له من سوء الأثرو شؤم العاقبة.
وليس من البعيد أن يكون قوله: {وقال لا غالب لكم اليوم} الآية مفسراً أو بمنزلة المفسّر للتزيين الشيطاني على أن يكون المراد بالأعمال نتائجها وهي ما هيؤوه من قوّة وسلاح وعدّة وما أخرجوه من القيان والمعازف والخمور، وما تظاهروا به من نظام الجيش والجنائب تساق بين أيديهم، ويمكن أن يكون المراد بها نفس الأعمال وهي أنواع تماديهم في الغي والضلال وإصرارهم في محادّة الله ورسوله، واسترسالهم في الظلم والفسق فيكون قوله المحكيّ: {لا غالب لكم اليوم من الناس} مما يتم به تزيين الشيطان، وتطيب به نفوسهم فيما اهتموا به من قتال المسلمين، وقد أكمل ذلك بقوله: {وإني جار لكم}.
والجوار من سنن العرب في الجاهلية التي كانت تعيش عيشة القبائل، ومن حقوق الجوار نصرة الجار للجار إذا دهمه عدو، وله آثار مختلفة بحسب السنن الجارية في المجتمعات الإِنسانية.
وقوله: {فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه} النكوص الإِحجام عن الشيء و {على عقبيه} حال والعقب مؤخر القدم أي أحجم وقد رجع القهقرى منهزماً وراءه.
وقوله: {إني أرى ما لا ترون} الآية تعليل لقوله: {إني بريء منكم} ولعله إشارة إلى نزول الملائكة المردفين الذين نصر الله المسلمين بهم، وكذا قوله: {إني أخاف الله والله شديد العقاب} تعليل لقوله: {إني بريء منكم} ومفسّر للتعليل السابق.
والمعنى يوم الفرقان هو الوقت الذي زيّن الشيطان للمشركين ما كانوا يعملونه لمحادّة الله ورسوله وقتال المؤمنين، ويتلبسون به للتهيء على إطفاء نور الله، فزيّن ذلك في أنظارهم، وطيَّب نفوسهم بقوله: {لا غالب لكم اليوم من الناس}، وإني مجير لكم أذب عنكم فلما تراءت الفئتان فرأى المشركون المؤمنين والمؤمنون المشركين رجع الشيطان القهقرى منهزماً وراءه وقال للمشركين إني بريء منكم إني أرى ما لا ترونه من نزول ملائكة النصر للمؤمنين وما عندهم من العذاب الذي يهددكم إني أخاف عذاب الله والله شديد العقاب.
وهذا المعنى - كما ترى - يقبل الانطباق على وسوسة الشيطان لهم في قلوبهم وتهييجهم على المؤمنين وتشجيعهم على قتالهم وتطييب نفوسهم بما استعدوا به حتى إذا تراءت الفئتان ونزل النصر واستولى الرعب على قلوبهم انتكست أوهامهم وتبدلت أفكارهم وعادت مزعمة الغلبة وأمنية الفتح والظفر مخافة مستولية على نفوسهم وخيبة ويأساً شاملة لقلوبهم.
ويقبل الانطباق على تصور شيطاني يبدو لهم فتنجذب إليه حواسهم بأن يكون قد تصور لهم في صورة إنسان ويقول لهم ما حكاه الله من قوله: {لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم} فيغويهم ويسيّرهم ويقربهم من القتال حتى إذا تقاربت الفئتان وتراءتا فلما تراءت الفئتان ورأى الوضع على خلاف ما كان يؤمله ويطمع فيه نكص على عقبيه وقال: {إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون من نزول النصر والملائكة إني أخاف الله والله شديد العقاب}، وقد ورد في روايات القصة من طرق الشيعة وأهل السنَّة ما يؤيد هذا الوجه.
وهو أن الشيطان تصور للمشركين في صورة سراقة بن مالك بن جشعم الكناني ثم المدلجي وكان من أشراف كنانة وقال لهم ما قال وحمل رايتهم حتى إذا تلاقى الفريقان فرَّ منهزماً وهو يقول: {إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون} إلى آخر ما حكاه الله تعالى، وستجئ الرواية في البحث الروائي التالي إن شاء الله تعالى.
وقد أصرَّ بعض المفسرين على الوجه الأول، وردّ الثاني بتزييف الآثار المروية وتضعيف أسناد الأخبار، وهي وإن لم تكن متواترة ولا محفوفة ببعض القرائن القطعية الموجبة للوثوق التام لكن أصل المعنى ليس من المستحيل الذي يدفعه العقل السليم، ولا من القصص التي تدفعها آثار صحيحة، ولا مانع من أن يتمثل لهم الشيطان فيوردهم مورد الضلال والغيّ حتى إذا تم له ما أراد تركهم في تهلكتهم أو حتى شاهد عذاباً إلهياً نكص على عقبيه هارباً.
على أن سياق الآية الكريمة أقرب إلى إفادة هذا الوجه الثاني منه إلى الوجه الأول، وخاصة بالنظر إلى قوله: {وإني جار لكم} وقوله: {حتى إذا تراءت الفئتان نكص على عقبيه} وقوله: {إني أرى ما لا ترون} الآية فإن إرجاع معنى قوله: {إني أرى} الخ مثلاً إلى الخواطر النفسانية بنوع من العناية الاستعارية بعيد جداً.
قوله تعالى: {إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غرّ هؤلاء دينهم} إلى آخر الآية، أي يقول المنافقون وهم الذين أظهروا الإِيمان وأبطنوا الكفر، والذين في قلوبهم مرض وهم الضعفاء في الإِيمان ممن لا يخلو نفسه من الشك والارتياب. يقولون - مشيرين إلى المؤمنين إشارة تحقير واستذلال -: غرَّ هؤلاء دينهم إذ لولا غرور دينهم لم يقدموا على هذه المهلكة الظاهرة، وهم شرذمة أذلاء لا عدة لهم ولا عُدة، وقريش على ما بهم من العدة والقوة والشوكة.
قوله تعالى: {ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم} في مقام الجواب عن قولهم وإبانة غرورهم أنفسهم؛ وقوله: {فإن الله عزيز حكيم} من وضع السبب موضع المسبب، والمعنى: وقد أخطا هؤلاء المنافقون والذين في قلوبهم مرض في قولهم فإن المؤمنين توكلوا على الله ونسبوا حقيقة التأثير إليه وضموا أنفسهم إلى قوَّته وحوله، ومن يتوكل أمره على الله فإن الله يكفيه لأنه عزيز ينصر من استنصره حكيم لا يخطأ في وضع كل أمر موضعه الذي يليق به.
وفي الآية دليل على حضور جمع من المنافقين وضعفاء الإِيمان ببدر حين تلاقي الفئتين.
أما المنافقون وهم الذين كانوا يظهرون الإِسلام ويبطنون الكفر فلا معنى لكونهم بين المشركين فلم يكونوا إلا بين المسلمين لكن الشأن في العامل الذي أوجب منهم الثبات واليوم يوم شديد.
وأما الضعفاء الإِيمان أو الشاكّون في حقيقة الإِسلام فمن الممكن أن يكونوا بين المؤمنين أو في فئة المشركين وقد قيل: إنهم كانوا فئة من قريش أسلموا بمكة واحتبسهم آباؤهم، واضطروا إلى الخروج مع المشركين إلى بدر حتى إذا حضروها وشاهدوا ما عليه المسلمون من القلة والذلة قالوا: مساكين هؤلاء غرهم دينهم، وسيجيء في البحث الروائي التالي إن شاء الله تعالى.
وعلى أي حال ينبغي إمعان النظر في البحث عما تفيده هذه الآية من حضور جمع من المنافقين والذين في قلوبهم مرض يوم بدر عند القتال، واستخراج حقيقة السبب الذي أوجب لهؤلاء المنافقين والضعفاء حضور هذه الغزوة، والوقوف في ذلك الموقف الصعب الهائل الذي لا يساعد عليه الأسباب العادية ولا يقف فيه إلا رجال الحقيقة الذين امتحن الله قلوبهم للإِيمان. وأنهم لماذا حضروها؟ وكيف ولماذا صبروا مع الصابرين من فئة الإِسلام؟ ولعلنا نوفق لبعض البحث في ذلك فيما سيوافي من آيات سورة التوبة في شأن المنافقين والذين في قلوبهم مرض إن شاء الله تعالى.
قوله تعالى: {ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة} إلى تمام الآيتين. التوفي أخذ الحق بتمامه، ويستعمل في كلامه تعالى كثيراً بمعنى قبض الروح، ونسبة قبض أرواحهم إلى الملائكة مع ما في بعض الآيات من نسبته إلى ملك الموت، وفي بعض آخر إلى الله سبحانه كقوله:
{ قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكّل بكم } [السجدة: 11]، وقوله: { الله يتوفى الأنفس حين موتها } [الزمر: 42] دليل على أن لملك الموت أعواناً يتولون قبض الأرواح هم بمنزلة الأيدي العمالة له يصدرون عن إذنه ويعملون عن أمره، كما أنه يصدر عن إذن من الله ويعمل عن أمر منه، وبذلك يصح نسبة التوفي إلى الملائكة الأعوان، وإلى ملك الموت، وإلى الله سبحانه.
وقوله: {يضربون وجوههم وأدبارهم} ظاهره أنهم يضربون مقاديم أبدانهم وخلاف ذلك فيكنى به عن إحاطتهم واستيعاب جهاتهم بالضرب، وقيل: إن الأدبار كناية عن الاستاه فبالمناسبة يكون المراد بوجوههم مقدم رؤوسهم، وضرب الوجوه والأدبار بهذا المعنى يراد به الإِزراء والإِذلال.
وقوله: {وذوقوا عذاب الحريق} أي يقول لهم الملائكة: ذوقوا عذاب الحريق وهو النار.
وقوله: {ذلك بما قدمت أيديكم} تتمة لقولهم المحكي أو إشارة إلى مجموع ما يفعل بهم وما يقول لهم الملائكة، والمعنى إنما نذيقكم عذاب الحريق بما قدمت أيديكم أو: نضرب وجوهكم وأدباركم ونذيقكم عذاب الحريق بما قدمت ايديكم.
وقوله: {وأن الله ليس بظلام للعبيد} معطوف على موضع قوله {ما قدمت} أي وذلك بأن الله ليس بظلام للعبيد أي لا يظلم أحداً من عبيده فإنه تعالى على صراط مستقيم لا تخلف ولا اختلاف في فعله فلو ظلم أحداً لظلم كل واحد، ولو كان ظالماً لكان ظلاماً للعبيد فافهم ذلك.
وسياق الآيات يشهد على أن المراد بهؤلاء الذين يصفهم الله سبحانه بأن الملائكة يتوفاهم ويعذبهم هم المقتولون ببدر من مشركي قريش.
قوله تعالى: {كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات الله} إلى آخر الآية. الدأب والديدن: العادة وهي العمل الذي يدوم ويجري عليه الإِنسان، والطريقة التي يسلكها، والمعنى كفر هؤلاء يشبه كفر آل فرعون والذين من قبلهم من الأُمم الخالية الكافرة كفروا بآيات الله وأذنبوا بذلك {فأخذهم الله بذنوبهم إن الله قوي} لا يضعف عن أخذهم {شديد العقاب} إذا أخذ.
قوله تعالى: {ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} الخ أي أن العقاب الذي يعاقب به الله سبحانه إنما يعقب نعمة إلهية سابقة بسلبها واستخلافها، ولا تزول نعمة من النعم الإِلهية ولا تتبدل نقمة وعقاباً إلا مع تبدل محله وهو النفوس الإِنسانية، فالنعمة التي أنعم بها على قوم إنما أُفيضت عليهم لما استعدوا لها في أنفسهم، ولا يسلبونها ولا تتبدل بهم نقمة وعقاباً إلا لتغييرهم ما بأنفسهم من الاستعداد وملاك الإِفاضة وتلبسهم باستعداد العقاب.
وهذا ضابط كلي في تبدل النعمة إلى النقمة والعقاب، وأجمع منه قوله تعالى:
{ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم } } [الرعد: 11] وإن كان ظاهره اظهر انطباقاً على تبدل النعمة إلى النقمة.
وكيف كان فقوله: {ذلك بأن الله لم يك مغيراً} الخ من قبيل التعليل بأمر عام وتطبيقه على مورده الخاص أي أخذ مشركي قريش بذنوبهم، وعقابهم بهذا العقاب الشديد، وتبديل نعمة الله عليهم عقاباً شديداً إنما هو فرع من فروع سنّة جارية إلهية هي أن الله لا يغير نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
وقوله: {وإن الله سميع عليم} تعليل آخر بعد التعليل بقوله: {ذلك بأن الله لم يك مغيراً} الخ وظاهره - بمقتضى إشعار السياق - أن المراد به: وذلك بأن الله سميع لدعواتكم عليم بحاجاتكم سمع استغاثتكم وعلم بحاجتكم فاستجاب لكم فعذب أعداءكم الكافرين بآيات الله، ويحتمل أن يكون المراد: ذلك بأن الله سميع لأقوالهم عليم بأفعالهم فعذبهم على ذلك، ويمكن الجمع بين المحتملين.
قوله تعالى: {كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم} الخ كرر التنظير السابق لمشابهة الفرض مع ما تقدم فقوله: {كدأب آل فرعون} الخ السابق تنظير لقوله: {ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلاّم للعبيد} كما أن قوله: {كدأب آل فرعون} إلى قوله {وكل كانوا ظالمين} ثانياً تنظير لقوله: {ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة} الخ.
غير أن التنظير الثاني يشتمل على نوع من الالتفات في قوله: {فأهلكناهم بذنوبهم} وقد وقع بحذائه في التنظير الأول: {فأخذهم الله بذنوبهم} من غير التفات ولعل الوجه فيه أن التنظير الثاني لما كان مسبوقاً بإفادة أن الله هو المفيض بالنعم على عباده ولا يغيرها إلا عن تغييرهم ما بأنفسهم، وهذا شأن الرب بالنسبة إلى عبيده اقتضى ذلك أن يعد هؤلاء عبيداً غير جارين على صراط عبودية ربهم و لذلك غيّر بعض سياق التنظير فقال في الثاني: {كذبوا بآيات ربهم} وقد كان بحذائه في الأول قوله: {كفروا بآيات الله} ولذلك التفت ها هنا من الغيبة إلى التكلم مع الغير فقال: {فأهلكناهم بذنوبهم} للدلالة على أنه سبحانه هو ربهم وهو مهلكهم، وقد أُخذ المتكلم مع الغير للدلالة على عظمة الشأن وجلالة المقام، وان له وسائط يعملون بأمره ويجرون بمشيتئه.
وقوله: {وأغرقنا آل فرعون} أظهر المفعول ولم يقل: وأغرقناهم ليؤمن الالتباس برجوع الضمير إلى آل فرعون والذين من قبلهم جميعا.
وقوله تعالى: {وكل كانوا ظالمين} أي جميع هؤلاء الذين أخذهم العذاب الإِلهي من كفار قريش وآل فرعون والذين من قبلهم كانوا ظالمين في جنب الله.
وفيه بيان أن الله سبحانه لا يأخذ بعقابه الشديد أحداً، ولا يبدل نعمته على أحد نقمة إلا إذا كان ظالماً ظلماً يبدل نعمة الله كفراً بآياته فهو لا يعذب بعذابه إلا مستحقه.
(بحث روائي)
في الكافي عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن الحسين بن عثمان عن سماعة قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الخمس فقال: في كل ما أفاد الناس من قليل أو كثير.
وفيه عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن حماد بن عيسى عن بعض أصحابنا عن العبد الصالح قال: الخمس في خمسة أشياء: من الغنائم والغوص ومن الكنوز ومن المعادن والملاحة يؤخذ من كل هذه الصنوف الخمس فيجعل لمن جعل الله له، ويقسم أربعة أخماس بين من قاتل عليه وولى ذلك.
ويقسم بينهم الخمس على ستة أسهم: سهم لله، وسهم لرسوله، وسهم لذي القربى وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل فسهم الله وسهم رسوله لأولي الأمر من بعد رسول الله وراثة فله ثلاثة أسهم: سهمان وراثة، وسهم مقسوم له من الله فله نصف الخمس كلاً، ونصف الخمس الثاني بين أهل بيته: فسهم ليتاماهم، وسهم لمساكينهم، وسهم لأبناء سبيلهم يقسم بينهم على الكتاب والسنة ما يستغنون به في سنتهم فإن فضل منهم شيء فهو للوالي، وإن عجز أو نقص عن استغنائهم كان على الوالي أن ينفق من عنده ما يستغنون به، وإنما صار عليه أن يمونهم لأن له ما فضل عنهم، وإنما جعل الله هذا الخمس خاصة لهم دون مساكين الناس وأبناء سبيلهم عوضاً لهم عن صدقات الناس تنزيهاً من الله لقرابتهم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكرامة من الله لهم من أوساخ الناس فجعل لهم خاصة من عنده وما يغنيهم به، أن يصيرهم في موضع الذل والمسكنة، ولا بأس بصدقة بعضهم على بعض.
وهؤلاء الذين جعل الله لهم الخمس هم قرابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذين ذكرهم الله فقال: {وانذر عشيرتك الأقربين} وهم بنو عبد المطلب أنفسهم الذكر منهم والأُنثى ليس فيهم من أهل بيوتات قريش ولا من العرب أحد، ولا فيهم ولا منهم في هذا الخمس من مواليهم، وقد تحل صدقات الناس لمواليهم، وهم والناس سواء.
ومن كانت أُمه من بني هاشم وأبوه من سائر قريش فإن الصدقات تحل له، وليس له من الخمس شيء لأن الله يقول، {ادعوهم لآبائهم}.
وفي التهذيب بإسناده عن علي بن مهزيار قال: قال لي علي بن راشد: قلت له: أمرتني بالقيام بأمرك وأخذ حقك فأعلمت مواليك بذلك فقال لي بعضهم: وأي شيء حقه؟ فلم أدر ما أُجيبه! فقال: يجب عليهم الخمس فقلت: ففي أي شيء؟ فقال: في أمتعتهم وضياعهم قلت: والتاجر عليه والصانع بيده؟ فقال: ذلك إذا أمكنهم بعد مؤنتهم.
وفيه بإسناده عن زكريا بن مالك الجعفي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه سئل عن قول الله: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل} فقال: خمس الله عز وجل للإِمام، وخمس الرسول للإِمام، وخمس ذي القربى لقرابة الرسول للإِمام، واليتامى يتامى آل الرسول، والمساكين منهم، وأبناء السبيل منهم فلا يخرج منهم إلى غيرهم.
وفيه بإسناده عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال له إبراهيم بن أبي البلاد: وجب عليك زكاة؟ قال: لا ولكن يفضل ونعطي هكذا، وسئل عن قول الله عز وجل: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى} فقيل له: فما كان لله فلمن هو؟ قال: للرسول، وما كان للرسول فهو للإِمام. قيل: أفرأيت إن كان صنف أكثر من صنف، وصنف أقل من صنف؟ فقال: ذلك للإِمام. قيل أفرأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كيف يصنع؟ قال: إنما كان يعطي على ما يرى هو، وكذلك الإِمام.
أقول: والأخبار عن أئمة أهل البيت عليهم السلام متواترة في اختصاص الخمس بالله ورسوله والإِمام من أهل بيته ويتامى قرابته ومساكينهم وأبناء سبيلهم لا يتعداهم إلى غيرهم، وإنه يقسم ستة اسهم على ما مر في الروايات، وأنه لا يختص بغنائم الحرب بل يعمّ كل ما كان يسمّى غنيمة لغة من أرباح المكاسب والكنوز والغوص والمعادن والملاحة، وفي رواياتهم - كما تقدم - أن ذلك موهبة من الله لأهل البيت بما حرّم عليهم الزكوات والصدقات.
وفي الدر المنثور أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر من وجه آخر عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن نجدة الحروري أرسل يسأله عن سهم ذي القربى الذين ذكر الله فكتب إليه: إنا كنا نرى أنّاهم فأبى ذلك علينا قومنا، وقالوا: ويقول لمن تراه؟ فقال ابن عباس رضي الله عنهما: هو لقربى رسول الله صلى الله عليه وسلم قسّمه لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد كان عمر (رض) عرض علينا من ذلك عرضاً رأيناه دون حقنا فرددناه عليه وأبينا أن نقبله. وكان عرض عليهم أن يعين ناكحهم، وأن يقضي عن غارمهم، وأن يعطي فقيرهم، وأبى أن يزيدهم على ذلك.
أقول: وقوله في الرواية: "قالوا ويقول لمن تراه" معناه: قال الذين أرسلهم نجدة الحروري لابن عباس: ويقول نجدة لمن ترى الخمس أي يسألك عن فتواك فيمن يصرف إليه الخمس.
وقوله: هو لقربى رسول الله قسمها لهم "الخ" ظاهره أنه فسّر ذي القربى بأقرباء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وظاهر الروايات السابقة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام أنهم فسروا ذي القربى بالإِمام من أهل البيت، وظاهر الآية يؤيد ذلك حيث عبّر بلفظ المفرد!
وفيه أخرج ابن المنذر عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: سألت علياً رضي الله عنه فقلت: يا أمير المؤمنين أخبرني كيف كان صنع أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في الخمس نصيبكم؟ فقال: أما أبو بكر (رض) فلم يكن في ولايته أخماس، وأما عمر (رض) فلم يزل يدفعه إليّ في كل خمس حتى كان خمس السوس وجند نيسابور فقال وأنا عنده، هذا نصيبكم أهل البيت من الخمس وقد أُحل ببعض المسلمين واشتدت حاجتهم. فقلت، نعم، فوثب العباس بن عبد المطلب فقال، لا تعرض في الذي لنا. فقلت: ألسنا من أرفق المسلمين، وشفع أمير المؤمنين، فقبضه فوالله ما قبضناه ولا قدرت عليه في ولاية عثمان رضي الله عنه.
ثم أنشأ علي رضي الله عنه يحدث فقال: إن الله حرم الصدقة على رسوله صلى الله عليه وسلم فعوضه سهماً من الخمس عوضاً مما حرم عليه، وحرمها على أهل بيته خاصة دون أُمته فضرب لهم مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سهماً عوضاً مما حرم عليهم.
وفيه أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رغبت لكم عن غسالة الأيدي لأن لكم في خمس الخمس ما يغنيكم أو يكفيكم.
أقول: وهو مبني على كون سهم أهل البيت هو ما لذي القربى فحسب.
وفيه أخرج ابن أبي شيبة عن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: قسّم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سهم ذي القربى على بني هاشم وبني المطلب. قال: فمشيت أنا وعثمان بن عفان حتى دخلنا عليه فقلنا: يا رسول الله هؤلاء إخوانك من بني هاشم لا ينكر فضلهم لمكانك الذي وضعك الله به منهم. أرأيت إخواننا من بني المطلب أعطيتهم دوننا، وإنما نحن وهم بمنزلة واحدة في النسب؟ فقال: إنهم لم يفارقونا في الجاهلية والإِسلام. وفيه أخرج ابن مردويه عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: آل محمد الذين أُعطوا الخمس: آل علي وآل عباس وآل جعفر وآل عقيل.
أقول: والروايات في هذا الباب كثيرة من طرق أهل السنّة وقد اختلفت الروايات الحاكية لعمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم من طرقهم بين ما مضمونه أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يقسم الخمس على أربعة أسهم وبين ما مضمونه التقسيم على خمسة أسهم.
غير أنه يقرب من المسلّم فيها أن من سهام الخمس ما يختص بقرابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهم المعنيون بذي القربى في آية الخمس على خلاف ما في الروايات المروية عن أئمة أهل البيت (ع).
ومما يقرب من المسلّم فيها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقسمه بين المطّلبيين ما دام حياً، وانه انقطع عنهم على هذا الوصف في زمن الخلفاء الثلاث ثم جرى على ذلك الأمر بعدهم.
ومن المسلم فيها أيضاً أن الخمس يختص بغنائم الحرب - على خلاف ما عليه الروايات من طرق أئمة أهل البيت (عليهم السلام) - ولا يتعداها إلى كل ما يصدق عليه اسم الغنيمة لغة.
وما يتعلق بالآية من محصل البحث التفسيري هو الذي قدمناه وهناك أبحاث أُخر كلامية أو فقهية خارجة عن غرضنا. وهناك بحث حقوقي اجتماعي في ما يؤثره الخمس من الأثر في المجتمع الإِسلامي سيوافيك في ضمن الكلام على الزكاة.
بقي الكلام فيما تتضمنه الروايات أن الله سبحانه أراد بتشريع الخمس إكرام أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأُسرته وترفيعهم من أن يأخذوا وساخ الناس في أموالهم، والظاهر أن ذلك مأخوذ في قوله تعالى في آية الزكاة خطاباً لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم:
{ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم } [التوبة: 103] فإن التطهير والتزكية إنما يتعلق بما لا يخلو من دنس ووسخ ونحوهما ولم يقع في آية الخمس ما يشعر بذلك.
وفي الدر المنثور أخرج عبد الرزاق وابن جرير عن عروة بن الزبير (رض) قال: أُمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالقتل في آي من القرآن فكان أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بدراً، وكان رئيس المشركين يومئذ عتبة بن ربيعة بن عبد شمس فالتقوا يوم الجمعة ببدر لسبع أو ست عشرة ليلة مضت من رمضان، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مائة وبضعة عشر رجلاً، والمشركون بين الألف والتسعمائة، وكان ذلك يوم الفرقان يوم فرّق الله بين الحق والباطل فكان أول قتيل قتل يومئذ مهجع مولى عمرو رجل من الأنصار، وهزم الله يومئذ المشركين فقتل منهم زيادة على سبعين رجلاً، وأُسر منهم مثل ذلك.
وفيه أخرج ابن مردويه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كانت ليلة الفرقان يوم التقى الجمعان في صبيحتها ليلة الجمعة لسبع عشرة مضت من رمضان.
أقول: وروى مثل ذلك عن ابن جرير عن الحسن بن علي وعن ابن أبي شيبة عن جعفر عن أبيه، وأيضاً عنه عن أبي بكر عن عبد الرحمن بن هشام، وعنه عن عامر بن ربيعة البدري مثله لكن فيه، كان يوم بدر يوم الاثنين لسبع عشرة من رمضان.
وربما أُطلق في بعض اخبار أئمة أهل البيت عليهم السلام على التسعة عشر من رمضان يوم يلتقي الجمعان لما عدّ ليلته في أخبارهم من ليلة القدر، وهذا معنى آخر غير ما أُريد في الآية من {يوم الفرقان يوم التقى الجمعان} ففي تفسير العياشي عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: في تسعة عشر من شهر رمضان يلتقي الجمعان. قلت: ما معنى قوله: يلتقي الجمعان؟ قال: يجتمع فيها ما يريد من تقديمه وتأخيره وإرادته وقضائه.
وفي تفسير العياشي عن محمد بن يحيى عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: {والركب أسفل منكم} قال: أبو سفيان وأصحابه.
وفي تفسير القمّي في قوله تعالى: {ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة} الآية قال: قال: يعلم من بقي أن الله نصره.
وفي الدر المنثور في قوله تعالى: {وإذ يريكموهم إذ التقيتم} الآية أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: لقد قللوا في أعيننا يوم بدر حتى قلت لرجل إلى جنبي: تراهم سبعين؟ قال: لا بل مائة.
وفيه في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم} الخ أخرج الحاكم وصححه عن أبي موسى رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكره الصوت عند القتال.
وفيه أخرج ابن أبي شيبة عن النعمان بن مقرن رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان عند القتال لم يقاتل أول النهار، وأخره إلى أن تزول الشمس وتهبّ الرياح وتنزل النصر.
وفي تفسير البرهان في قوله تعالى: {وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم} الآية بإسناده عن يحيى بن الحسن بن فرات قال: حدثنا أبو المقدم ثعلبة بن زيد الأنصاري قال: سمعت جابر بن عبد الله بن حرام الأنصاريرحمه الله يقول: تمثل إبليس في أربع صور:
تمثل يوم بدر في صورة سراقة بن مالك بن جشعم المدلجي فقال لقريش: لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم.
وتصور يوم العقبة في صورة منبه بن الحجاج فنادى: إن محمداً والصباة معه عند العقبة فأدركوهم. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للأنصار: لا تخافوا فإن صوته لن يعدوه.
وتصور في يوم اجتماع قريش في دار الندوة في صورة شيخ من أهل نجد وأشار عليهم في أمرهم فأنزل الله تعالى: {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين}.
وتصور في يوم قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في صورة المغيرة بن شعبة فقال: أيها الناس لا تجعلوا كسروانية ولا قيصرانية وسعوها تتسع فلا تردوا إلى بني هاشم فينظر بها الحبالى.
وفي المجمع قيل: إنهم لما التقوا كان إبليس في صف المشركين أخذ بيده الحارث بن هشام فنكص على عقبيه فقال له الحارث بن هشام: يا سراقة إلى أين؟ أتخذلنا في هذه الحالة؟ فقال: إني أرى ما لا ترون، فقال: والله ما نرى إلا جعاميس يثرب فدفع في صدر الحارث وانطلق وانهزم الناس.
فلما قدموا مكة قالوا: هزم الناس سراقة فبلغ ذلك سراقة فقال: والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغني هزيمتكم فقالوا: إنك أتيتنا يوم كذا فحلف لهم فلما أسلموا علموا أن ذلك كان الشيطان. قال: وروي ذلك عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهم السلام.
أقول: وروى مثله ابن شهر آشوب عنهما عليهما السلام، وفي معنى هاتين الروايتين روايات كثيرة من طرق أهل السنّة عن ابن عباس وغيره.
وقد مرّ في البيان المتقدم استبعاد بعض المفسرين ذلك وتضعيفه ما ورد فيه من الروايات، وهي إنما تثبت أمراً ممكناً غير مستحيل، والاستبعاد الخالي لا يبنى عليه في الأبحاث العلمية، والتمثلات البرزخية ليست بشاذة نادرة فلا موجب للإِصرار على النفي كما أن الإِثبات كذلك غير أن ظاهر الآية أوفق للإِثبات.
وفي الدر المنثور في قوله تعالى: {وإذ زين لهم الشيطان} الآيتين أخرج ابن أبي حاتم عن ابن اسحاق في قوله: {إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض} قال: هم الفئة الذين خرجوا مع قريش احتبسهم آباؤهم فخرجوا وهم على الارتياب فلما رأوا قلة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: غرّ هؤلاء دينهم حين قدموا على ما قدموا عليه من قلة عددهم وكثرة عدوّهم.
وهم فئة من قريش مسمُّون خمسة: قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة المخزوميان، والحارث بن زمعة، وعلي بن أُمية بن خلف، والعاصي بن منبه.
أقول: وهذا يقبل الانطباق بوجه على قوله تعالى: {والذين في قلوبهم مرض} فحسب، وفي بعض التفاسير أن القائل: {غر هؤلاء دينهم} هم المنافقون والذين في قلوبهم مرض من أهل المدينة، ولم يخرجوا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وسياق الآية الظاهر في حضورهم وقولهم ذلك عند التقاء الفئتين يأبى ذلك.
وفي رواية أبي هريرة - على ما رواه في الدر المنثور عن الطبراني في الأوسط عنه - ما لفظه، وقال عتبة بن ربيعة وناس معه من المشركين يوم بدر، {غر هؤلاء دينهم} فأنزل الله، {إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم}. والذي ذكره لا ينطبق على الآية البتة فالقرآن الكريم لا يسمي المشركين منافقين ولا الذين في قلوبهم مرض.
وفي تفسير العياشي عن أبي علي المحمودي عن أبيه رفعه في قول الله، يضربون وجوههم وأدبارهم قال، إنما أراد استاههم. إن الله كريم يكنى.
وفي تفسير الصافي عن الكافي عن الصادق عليه السلام أن الله بعث نبياً من أنبيائه إلى قومه، وأوحى إليه: أن قل لقومك أنه ليس من أهل قرية ولا ناس كانوا على طاعتي فأصابهم فيها سرَّاء فتحولوا عما أُحب إلى ما أكره إلا تحولت لهم عما يحبون إلى ما يكرهون، وأنه ليس من أهل قرية ولا أهل بيت كانوا على معصيتي فأصابهم فيها ضراء فتحولوا عما أكره إلى ما أُحب إلا تحولت لهم عما يكرهون إلى ما يحبون.
وفيه أيضاً عنه عليه السلام أنه قال، كان أبي يقول: إن الله عز وجل قضى قضاءً حتماً، لا ينعم على العبد بنعمة فيسلبها إياه حتى يحدث العبد ذنباً يستحق بذلك النقمة.