التفاسير

< >
عرض

إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ
٥٥
ٱلَّذِينَ عَاهَدْتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ
٥٦
فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي ٱلْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ
٥٧
وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَٱنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلخَائِنِينَ
٥٨
وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُوۤاْ إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ
٥٩
وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ
٦٠
وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ
٦١
وَإِن يُرِيدُوۤاْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ
٦٢
وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مَّآ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
٦٣
يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ
٦٤
يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ يَغْلِبُوۤاْ أَلْفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ
٦٥
ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوۤاْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ
٦٦
-الأنفال

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
أحكام ودساتير في الحرب والسلم والمعاهدات ونقضها وغير ذلك، وصدر الآيات يقبل الانطباق على طوائف اليهود التي كانت في المدينة وحولها وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم عاهدهم بعد هجرته إلى المدينة أن لا يضروه ولا يغدروا به ولا يعينوا عليه عدواً ويقرّوا على دينهم ويأمنوا في أنفسهم فنقضوا العهد نقضاً بعد نقض حتى أمر الله سبحانه بقتالهم فآل أمرهم إلى ما آل إليه، وسيجيء بعض أخبارهم في البحث الروائي التالي إن شاء الله تعالى.
وعلى هذا فالآيات الأربع الأول غير نازلة مع ما سبقها من الآيات ولا متصلة بها كما يعطيه سياقها وأما السبع الباقية فليست بواضحة الاتصال بما قبلها من الآيات الأربع ولا بما قبل ما قبلها.
قوله تعالى: {إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون} الكلام مسوق لبيان كون هؤلاء شر جميع الموجودات الحية من غير شك في ذلك لما في تقييد الحكم بقوله: {عند الله} من الدلالة عليه فإن معناه الحكم؛ وما يحكم ويقضي به الله سبحانه لا يتطرق إليه خطأ وقد قال تعالى:
{ لا يضل ربي ولا ينسى } [طه: 52] وقد افتتح هذه القطعة من الكلام المتعلق بهم بكونهم شر الدواب عنده لأن مغزى الكلام التحرز منهم ودفعهم، ومن المغروز في الطباع أن الشر الذي لا يرجى معه خير يجب دفعه بأي وسيلة صحت وأمكنت فناسب ما سيأمره في حقهم بقوله: {فإما تثقفنهم في الحرب فشرّد بهم من خلفهم} الخ الافتتاح ببيان كونهم شر الدواب.
وعقَّب قوله: {الذين كفروا} بقوله: {فهم لا يؤمنون} مبتدأ بفاء التفريع أي أن من وصفهم الذي يتفرع على كفرهم إنهم لا يؤمنون، ولا يتفرع عدم الإِيمان على الكفر إلا إذا رسخ في النفس رسوخاً لا يرجى معه زواله فلا مطمع حينئذ في دخول الإِيمان في قلب هذا شأنه لمكان المضادة التي بين الكفر والإِيمان.
ومن هنا يظهر أن المراد بقوله: {الذين كفروا} الذين ثبتوا على الكفر، وعند هذا يرجع معنى هذه الآية إلى نظيرتها السابقة:
{ إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون } [الأنفال: 22-23]. على أن الآيتين لما دلّتا على حصر الشر عند الله في طائفة معينة من الدواب كانت الآية الأولى مع دلالتها على كون أهلها ممن لا يؤمنون البتة دالة على أن المراد بقوله في الآية الثانية: {الذين كفروا فهم لا يؤمنون} كونهم ثابتين على كفرهم لا يزولون عنه البتة.
قوله تعالى: {الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون} بيان للذين كفروا في الآية السابقة أو بدل منهم بدل البعض من الكل، ويتفرع عليه أن "من" في قوله {منهم} تبعيضية والمعنى: الذين عاهدتهم من بين الذين كفروا، وأما احتمال أن يكون من زائدة والمعنى: الذين عاهدتهم، أو بمعنى مع والمعنى: الذين عاهدت معهم: فليس بشيء.
والمراد بكل مرة مرات المعاهدة أي ينقضون عهدهم في كل مرة عاهدتهم وهم لا يتقون الله في نقض العهد أو لا يتقونكم ولا يخافون نقض عهدكم، وفيه دلالة على تكرر النقض منهم.
قوله تعالى: {فإما تثقفنهم في الحرب فشرّد بهم من خلفهم لعلهم يذّكّرون} قال في المجمع الثقف الظفر والإِدراك بسرعة، والتشريد التفريق على اضطراب. انتهى، وقوله: {فإما تثقفنهم} أصله إن تثقفهم دخل {ما} التأكيد على أن الشرطية ليصحح دخول نون التأكيد على الشرط والكلام مسوق للتأكيد في ضمن الشرط.
والمراد بتشريد من خلفهم بهم أن يفعل بهم من التنكيل والتشديد ما يعتبر به من خلفهم، ويستولي الرعب والخوف على قلوبهم فيتفرقوا وينحل عقد عزيمتهم واتحاد إرادتهم على قتال المؤمنين وإبطال كلمة الحق.
وعلى هذا فالمراد بقوله: {لعلهم يذكَّرون} رجاء أن يتذكروا ما لنقض العهد والإِفساد في الأرض والمحادَّة مع كلمة الحق من التبعة السيئة والعاقبة المشؤومة فإن الله لا يهدي القوم الفاسقين وإن الله لا يهدي كيد الخائنين.
ففي الآية إيماء إلى الأمر بقتالهم ثم التشديد عليهم والتنكيل بهم عند الظفر بهم وثقفهم، وإيماء إلى أن وراءهم من حاله حالهم في نقض العهد وتربّص الدوائر على الحق وأهله.
قوله تعالى: {وإمّا تخافنّ من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين} الخيانة - على ما في المجمع - نقض العهد فيما يؤتمن عليه، وهذا معنى الخيانة في العهود والمواثيق، وأما الخيانة بمعناها العام فهي نقض ما أُبرم من الحق في عهد أو أمانة، والنبذ هو الإِلقاء ومنه قوله:
{ فنبذوه وراء ظهورهم } [آل عمران: 187] والسواء بمعنى الاستواء والعدل.
وقوله: {وإما تخافن} كقوله في الآية السابقة: {فإما تثقفنهم} ومعنى الخوف ظهور إمارات تدل على وقوع ما يجب التحرز منه والحذر عنه وقوله: {إن الله لا يحب الخائنين} تعليل لقوله: {فانبذ إليهم على سواء}.
ومعنى الآية: وإن خفت من قوم بينك وبينهم عهد أن يخونوك وينقضوا عهدهم ولاحت آثار دالّة على ذلك فانبذ وألق إليهم عهدهم وأعلمهم إلغاء العهد لتكونوا أنتم وهم على استواء من نقض عهد أو تكون مستوياً على عدل فإن من العدل المعاملة بالمثل والسواء لأنك إن قاتلتهم قبل إعلام إلغاء العهد كان ذلك منك خيانة والله لا يحب الخائنين.
وملخص الآيتين دستوران إلهيان في قتال الذين لا عهد لهم بالنقض أو بخوفه فإن كان أهل العهد من الكفار لا يثبتون على عهدهم بنقضه في كل مرة فعلى ولي الأمر أن يقاتلهم ويشدد عليهم، وإن كانوا بحيث يخاف من خيانتهم ولا وثوق بعهدهم فيُعلمون إلغاء عهدهم ثم يقاتلون ولا يبدأ بقتالهم قبل الإِعلام فإنما ذلك خيانة، وأما إن كانوا عاهدوا ولم ينقضوا ولم يخف خيانتهم فمن الواجب حفظ عهدهم واحترام عقدهم وقد قال تعالى:
{ فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم } [التوبة: 4]. وقال: { أوفوا بالعقود } [المائدة: 1]. قوله تعالى: {ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا أنهم لا يعجزون} القراءة المشهورة {تحسبن} بتاء الخطاب، وهو خطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم تطييباً لنفسه وتقوية لقلبه كالخطاب الآتي بعد عدة آيات: {يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين} وكالخطاب الملقى بعده لتحريض المؤمنين: {يا أيها النبي حرّض المؤمنين على القتال}.
والسبق تقدم الشيء على طالب اللحوق به، والإِعجاز إيجاد العجز، وقوله: {إنهم لا يعجزون} تعليل لقوله: {ولا تحسبن} الخ، والمعنى: يا أيها النبي لا تحسبن أن الذين كفروا سبقونا فلا ندركهم، لأنهم لا يعجزون الله وله القدرة على كل شيء.
قوله تعالى: {وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل} إلى آخر الآية الإِعداد تهيئة الشيء للظفر بشيء آخر وإيجاد ما يحتاج إليه الشيء المطلوب في تحققه كإعداد الحطب والوقود للإِيقاد وإعداد الإِيقاد للطبخ، والقوة كل ما يمكن معه عمل من الأعمال، وهي في الحرب كل ما يتمشى به الحرب والدفاع من أنواع الأسلحة، والرجال المدربين والمعاهد الحربية التي تقوم بمصلحة ذلك كله، والرباط مبالغة في الربط وهو أيسر من العقد يقال: ربطه يربطه ربطاً ورابطه يرابطه مرابطة ورباطاً فالكل بمعنى غير أن الرباط أبلغ من الربط، والخيل هو الفرس، والإِرهاب قريب المعنى من التخويف.
وقوله: {وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل} أمر عام بتهيئة المؤمنين مبلغ استطاعتهم من القوى الحربية ما يحتاجون إليه قبال ما لهم من الأعداء في الوجود أو في الفرض والاعتبار فإن المجتمع الإِنساني لا يخلو من التألف من أفراد أو أقوام مختلفي الطباع ومتضادي الأفكار لا ينعقد بينهم مجتمع على سنَّة قيّمة بمنافعهم إلا وهناك مجتمع آخر يضادّه في منافعه، ويخالفه في سنَّته، ولا يعيشان معاً برهة من الدهر إلا وينشب بينهما الخلاف ويؤدي ذلك إلى التغلب والقهر.
فالحروب المبيدة والاختلافات الداعية إليها مما لا مناص عنها في المجتمعات الإِنسانية والمجتمعات هي هذه المجتمعات، ويدل على ذلك ما نشاهده من تجهّز الإِنسان في خلقه بقوى لا يستفاد منها إلا للدفاع كالغضب والشدّة في الأبدان، والفكر العامل في القهر والغلبة، فمن الواجب الفطريّ على المجتمع الإِسلامي أن يتجهّز دائماً بإعداد ما استطاع من قوّة ومن رباط الخيل بحسب ما يفترضه من عدو لمجتمعه الصالح.
والذي اختاره الله للمجتمع الإِسلامي بما أنزل عليهم من الدين الفطريّ الذي هو الدين القيّم هي الحكومة الإِنسانية التي يحفظ فيها حقوق كل فرد من أفراد مجتمعها، ويراعى فيها مصلحة الضعيف والقوي والغني والفقير والحر والعبد والرجل والمرأة والفرد والجماعة والبعض والكل على حد سواء دون الحكومة الفردية الاستبدادية التي لا تسير إلا على ما تهواه نفس الفرد المتولي لها الحاكم في دماء الناس وأعراضهم وأموالهم بما شاء وأراد، ولا الحكومة الأكثرية التي تطابق أهواء الجمهور من الناس وتبطل منافع آخرين وترضي الأكثرين (النصف + واحد). وتضطهد وتسخط الأقلين (النصف - واحد).
ولعل هذا هو السر في قوله تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} حيث وجّه الخطاب إلى الناس بعدما كان الخطاب في الآيات السابقة موجهاً إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم كقوله: {فأما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم} وقوله: {فانبذ إليهم على سواء} وقوله: {ولا تحسبنّ الذين كفروا سبقوا} وكذا في الآيات التالية كقوله: {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها} إلى غير ذلك.
وذلك أن الحكومة الإِسلامية حكومة إنسانية بمعنى مراعاة حقوق كل فرد وتعظيم إرادة البعض واحترام جانبه أي من كان من غير اختصاص الإِرادة المؤثرة بفرد واحد أو بأكثر الأفراد.
فالمنافع التي يهددها عدوهم هي منافع كل فرد فعلى كل فرد أن يقوم بالذب عنها، ويعد ما استطاع من قوة لحفظها من الضيعة، والإِعداد وإن كان منه ما لا يقوم بأمره إلا الحكومات بما لها من الاستطاعة القوية والإِمكانات البالغة لكن منها ما يقوم بالأفراد بفرديتهم كتعلم العلوم الحربية والتدرب بفنونها فالتكليف تكليف الجميع.
وقوله تعالى: {ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم} في مقام التعليل لقوله: {وأعدوا لهم} أي وأعدوا لهم ذلك لترهبوا وتخوفوا به عدو الله وعدوكم، وفي عدّهم عدواً لله ولهم جميعاً بيان للواقع وتأكيد في التحريض.
وفي قوله: {وآخرين من دونهم لا تعلمونهم} دلالة على أن المراد بالأولين هم الذين يعرفهم المؤمنون بالعداوة لله ولهم، والمراد بهؤلاء الذين لا يعلمهم المؤمنون - على ما يعطيه إطلاق اللفظ - كل من لا خبرة للمؤمنين بتهديده إياهم بالعداوة من المنافقين الذين هم في كسوة المؤمنين وصورتهم يصلَّون ويصومون ويحجون ويجاهدون ظاهراً، ومن غير المنافقين من الكفار الذين لم يبتل بهم المؤمنون بعد.
والإِرهاب بإعداد القوة، وإن كان في نفسه من الأغراض الصحيحة التي تتفرع عليها فوائد عظيمة ظاهرة غير أنه ليس تمام الغرض المقصود من إعداد القوة، ولذلك أردفه بقوله: {وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون} ليدل على جماع الغرض.
وذلك أن الغرض الحقيقي من إعداد القوى هو التمكن من الدفع مبلغ الاستطاعة، وحفظ المجتمع من العدو الذي يهدده في نفوسه وأعراضه وأمواله، وباللفظ المناسب لغرض الدين إطفاء نائرة الفساد الذي يبطل كلمة الحق ويهدم بنيان دين الفطرة الذي به يعبد الله في أرضه ويقوم ملاك العدل في عباده.
وهذا أمر ينتفع به كل فرد من أفراد المجتمع الديني فما أنفقه فرد أو جماعة في سبيل الله، وهو الجهاد لإِحياء أمره فهو بعينه يرجع إلى نفسه وإن كان في صورة أُخرى فإن أنفق في سبيله مالاً أو جاهاً أو أي نعمة من هذا القبيل فهو من الإِنفاق في سبيل الضروريات الذي لا يلبث دون أن يرجع إليه نفسه نفعه وما استعقبه من نماء في الدنيا والآخرة، وان أنفق في سبيله نفساً فهو الشهادة في سبيل الله التي تستتبع حياة باقية خالدة حقة لمثلها فليعمل العاملون لا كما يغر به آحاد الفادين في سبيل المقاصد الدنيوية ببقاء الاسم وخلود الذكر وتمام الفخر فهؤلاء وإن تنبهوا اليوم لهذا التعليم الإِسلامي، وأن المجتمع كنفس واحدة تشترك أعضاؤها فيما يعود إليها من نفع وضرر لكنهم خبطوا في مسيرهم واشتبه عليهم الأمر في تشخيص الكمال الإِنساني الذي لأجله تندبه الفطرة وتدعوه إلى الاجتماع، وهو التمتع من الحياة الدائمة، فحسبوه الحياة الدنيا الدائرة فضاق عليهم المسلك في أمثال التفدية بالنفس لأجل تمتع الغير بلذائذ المادة.
وبالجملة فإعداد القوة إنما هو لغرض الدفاع عن حقوق المجتمع الإِسلامي ومنافعه الحيوية، والتظاهر بالقوة المعدة ينتج إرهاب العدو، وهو أيضاً من شعب الدفع ونوع معه، فقوله تعالى: {ترهبون به عدو الله} الخ يذكر فائدة من فوائد الإِعداد الراجعة إلى أفراد المجتمع، وقوله: {وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون} يذكر أن ما أنفقوه في سبيله لا يبطل ولا يفوت بل يرجع إليهم من غير أن يفوت عن ذي حق حقه.
وهذا أعني قوله: {وما تنفقوا من شيء في سبيل الله} الخ أعم فائدة من مثل قوله:
{ وما تنفقوا من خير يوف إليكم } [البقرة: 272] فإن الخير منصرف إلى المال فلا يشمل النفس بخلاف قوله ها هنا: {وما تنفقوا من شيء}.
قوله تعالى: {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم} في المجمع: الجنوح الميل، ومنه جناح الطائر لأنه يميل به في أحد شقيه، ولا جناح عليه أي لا ميل إلى مأثم. انتهى، والسلم بفتح السين وكسرها الصلح.
وقوله: {وتوكل على الله} من تتمة الأمر بالجنوح فالجميع في معنى أمر واحد، والمعنى: وإن مالوا إلى الصلح والمسالمة فمل إليها وتوكل في ذلك على الله ولا تخف من أن يضطهدك أسباب خفية عنك على غفلة منك وعدم تهيؤ لها فإن الله هو السميع العليم لا يغفله سبب ولا يعجزه مكر بل ينصرك ويكفيك وهذا هو الذي يثبته قوله في الآية التالية: {وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله}.
وقد تقدم فيما أسلفناه من معنى التوكل على الله أنه ليس اعتماداً عليه سبحانه بإلغاء الاسباب الظاهرية بل سلب الاعتماد القطعي على الأسباب الظاهرية لأن الذي يبدو للإِنسان منها بعض يسير منها دون جميعها، والسبب التام الذي لا يتخلف عن مسببه هو الجميع الذي يحمل إرادته سبحانه.
فالتوكل هو توجيه الثقة والاعتماد إلى الله سبحانه الذي بمشيئته يدور رحى الأسباب عامة، ولا ينافيه أن يتوسل المتوكل بما يمكنه التوسل به من الأسباب اللائحة عليه من غير أن يلغي شيئاً منها فيركب مطية الجهل.
قوله تعالى: {وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين} الآية متصلة بما قبلها وهي بمنزلة دفع الدخل، وذلك أن الله سبحانه لما أمر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بالجنوح للسلم إن جنحوا له ولم يرض بالخديعة لأنها من الخيانة في حقوق المعاشرة والمواصلة للعامة والله لا يحب الخائنين كان أمره بالجنوح المذكور مظنة سؤال وهو أن من الجائز أن يكون جنوحهم للسلم خديعة منهم يضلون بها المؤمنين ليغيروا عليهم في شرائط وأحوال مناسبة فأجاب سبحانه بأنا أمرناك بالتوكل فإن أرادوا بذلك أن يخدعوك فإن حسبك الله وقد قال تعالى: {ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره}.
وهذا مما يدل على أن هناك أسباباً وراء ما ينكشف لنا من الأسباب الطبيعية العادية تجري على ما يوافق صلاح العبد المتوكل إذا خانته الأسباب الطبيعية العادية ولم تساعده على مطلوبه الحق.
وقوله: {هو الذي أيّدك بنصره وبالمؤمنين} بمنزلة الاحتجاج على قوله: {فإن حسبك الله} بذكر شواهد تدل على كفايته تعالى وهي أنه أيّده بنصره وأيّده بالمؤمنين وألف بين قلوبهم وهي شيء متباغضة.
قوله تعالى: {وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم} الخ، قال الراغب: الإِلف اجتماع مع التيام يقال: ألفت بينهم، ومنه الألفة، ويقال: للمألوف إلف وآلف قال تعالى: {إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم} انتهى.
أورد سبحانه في جملة ما استشهد على كفايته لمن توكل عليه أنه كفى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بتأليف قلوب المؤمنين بعد ذكرتأييده بهم، والكلام مطلق والملاك المذكور فيه عام يشمل جميع المؤمنين وإن كانت الآية اظهر انطباقاً على الأنصار حيث أيّد الله بهم نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فآووه ونصروه وألف الله سبحانه بدينه بينهم أنفسهم وقد نشبت فيهم الحروب المبيدة وكانت قائمة على ساقها دهراً طويلاً وهي حرب "بغاث" بين الأوس والخزرج حتى اصطلحوا بنزول الإِسلام في دارهم وأصبحوا بنعمته إخواناً.
وقد امتن الله بتأليفه بين قلوب المسلمين في مواضع من كلامه وبين أهمية موقعه بمثل قوله: {لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم}.
وذلك أن الإِنسان مفطور على حب النعم الحيوية التي تتم بها حياته لا بغية له دونها ولا يريد في الحقيقة شيئاً ولا يقصده إلا لينتفع به في نفسه وما ربما يلوح أنه يريد نفعاً عائداً إلى غيره فالتأمل الدقيق يكشف عن اشتماله على نفع عائد إليه نفسه، وإذ كان يحب الوجدان فهو يبغض الفقدان.
وبهذين الوصفين الغريزيين أعني الحب والبغض يتم له أمر الحياة ولو أنه أحب كل شيء ومنها الأضداد والمتناقضات لبطلت الحياة ولو أنه أبغض كل شيء حتى المتنافيات لبطلت الحياة، وقد فطره الله سبحانه على الحياة الاجتماعية، لقصور ما عنده من القوى والأدوات عن القيام بجميع ما يحتاج إليه من ضروريات حياته ومن الضروري أن الاجتماع لا يتم إلا باختصاص كل فرد بما يحرم عنه آخرون من مال أو جاه أو زينة أو جمال أو كل ما يتنافس فيه الطباع الإِنساني أو يتعلق به الهوى النفساني على اختلاف فيه بالزيادة والنقيصة.
وهذا أول ما يودع أنواع العداوة والبغضاء في القلوب والشح في النفوس ثم ما ينبسط بينهم من وجوه الحرمان بالظلم والعدوان وبغي البعض على البعض في دم أو عرض أو مال أو غير ذلك مما يتنعمون به ويتنافسون فيه ويعملون لأجله، تثير في داخل نفوسهم كل بغضاء وشنآن.
وهذا كله أوصاف وغرائز باطنية في الجماعة لا تلبث دون أن تظهر في أعمالهم وتتلاقى في أفعالهم ويماسّ بعضها بعضاًِ بينهم في مسير حياتهم وفيه البلوى التي تتعقب الفتن والمصائب الإِجتماعية التي تبيد النفوس وتهلك الحرث والنسل، وقد شهدت بذلك الحوادث الجارية على توالي القرون والأجيال.
ومهما ظنّت الأُمم المجتمعة أن بغيتها في اجتماعها هي التمتع من العيشة المادية المحدودة بالحياة الدنيوية فلا سبيل إلى قلع مادة هذا الفساد من أصلها وقطع منابته فإن الدار دار التزاحم، والمجتمع قائم على قاعدة الاختصاص، والنفوس مختلفة في الاستعداد، والحوادث الواقعة والعوامل المؤثرة والأحوال الخارجة دخيلة في معايشهم وحياتهم.
قال تعالى:
{ إن الإِنسان خلق هلوعاً إذا مسّه الشر جزوعاً وإذا مسه الخير منوعاً } [المعارج: 19-21] وقال: { إن النفس لأمَّارة بالسوء } [يوسف: 53]، وقال: { ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم } [هود: 118-119]، إلى غير ذلك من الآيات.
وغاية ما يمكن الإِنسان في بسط الإِلفة وإرضاء القلوب المشحونة بالعداوة والبغضاء أن يقنعهم أو يسكتهم ببذل ما يحبون من مال أو جاه أو سائر النعم الدنيوية المحبوبة عندهم غير أنه إنما ينفع في موارد جزئية خاصة، وأما العداوة والبغضاء العامتان فلا سبيل إلى إزالتهما عن القلوب ببذل النعمة فإنه لا يبطل غريزة الاستزادة والشح الملتهب في كل نفس بما يشاهد من المزايا الحيوية عند غيره.
على أن من النعم ما لا يقبل إلا الاختصاص والإِنفراد كالملك والرئاسة العالية وأُمور أُخرى تجري مجراهما حتى أن الأُمم الراقية ذوي المدنية والحضارة لم يتمكنوا من معالجة هذا الداء إلا بما يزول به بعض شدته، ويستريح جثمان المجتمع من بعض عذابه، وأما البغضاءات المتعلقة بالأمور التي تختص به بعض مجتمعهم كالرئاسة والملك فهي على حالها تتقد بشررها القلوب ولا يزال يأكل بعضها بعضاً.
على أن ذلك ينحصر فيما بينهم وأما المجتمعات الخارجة من مجتمعهم فلا يعبأ بحالهم ولا يعتنى من منافعهم الحيوية إلا بما يوافق منافع أولئك وإن أعيتهم طوارق البلاء وعفاهم الدهر بالعناء.
وقد منّ الله على الأُمة الإِسلامية إذ أزال الشح عن نفوسهم وألف بين قلوبهم بمعرفة إلهية علمه إياهم وبثه فيما بينهم ببيان أن الحياة الإِنسانية حياة خالدة غير محصورة في هذه الأيام القلائل التي ستفنى ويبقى الإِنسان ولا خبر عنها، وإن سعادة هذه الحياة الدائمة غير التمتع بلذائذ المادة والرعي في كلا الخسة بل هي حياة واقعية وعيشة حقيقية يحيى ويعيش بها الإِنسان في كرامة عبودية الله سبحانه، ويتنعم بنعم القرب والزلفى ثم يتمتع بما تيسر له من متاع الحياة الدنيا مما ساقه إليه الحظ أو الاكتساب عارفاً بحقوق النعمة ثم ينتقل إلى جوار الله ويدخل دار رضوانه ويخالط هناك الصالحين من عباده، ويحيى حق الحياة قال تعالى:
{ وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع } [الرعد: 26]، وقال تعالى: { وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون } [العنكبوت: 64] وقال: { فأعرض عمّن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن ضلَّ عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى } [النجم: 29-30]. فعلى المسلم أن يؤمن بربه ويتربى بتربيته، ويعزم عزمه ويجمع بغيته على ما عند ربه فإنما هو عبد مدبَّر لا يملك ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً ومن كان هذا وصفه لم يكن له شغل إلا بربه الذي بيده الخير والشر والنفع والضر والغنى والفقر والموت والحياة، وكان عليه أن يسير مسير الحياة بالعلم النافع والعمل الصالح فما سعد به من مزايا الحياة الدنيا فموهبة من عند ربه، وما حرم منه احتسب عند ربه أجره، وما عند الله خير وأبقى.
وليس هذا من إلغاء الأسباب في شيء ولا إبطالاً للفطرة الإِنسانية الداعية إلى العمل والاكتساب، النادبة إلى التوسل بالفكر والإِرادة، المحرضة إلى الاجتهاد في تنظيم العوامل والعلل، الموصلة إلى المقاصد الإِنسانية والأغراض الصحيحة الحيوية فقد فصلنا القول في توضيح ذلك في موارد متفرقة من هذا الكتاب.
وإذا تسنن المسلمون بهذه السنَّة الإِلهية، وحولوا هوى قلوبهم عن ذلك التمتع المادي الذي ليس إلا بغية حيوانية وغرضاً مادياً إلى هذا التمتع المعنوي الذي لا تزاحم فيه ولا حرمان عنده، ارتفعت عن قلوبهم العداوة والبغضاء، وخلصت نفوسهم من الشح والرين، وأصبحوا بنعمة الله إخواناً، وأفلحوا حق الفلاح، قال:
{ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً } [آل عمران: 102-103] وقال: { ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون } [الحشر: 9]. قوله تعالى: {يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين} تطييب لنفس النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد قال تعالى قبله: {فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين} فالمراد - والله أعلم - يكفيك الله بنصره وبمن اتبعك من المؤمنين، وليس المراد أن هناك سببين كافيين أو سبباً كافياً ذا جزئين يتألف منهما سبب واحد كاف فالتوحيد القرآني يأبى ذلك.
وربما قيل: إن المعنى حسبك الله وحسب من اتبعك من المؤمنين بعطف قوله: {من اتبعك} على موضع الكاف من {حسبك}.
والكلام على أي حال مسوق للتحريض على القتال على ما يفيده السياق والقرائن الخارجة فإن تأثير المؤمنين في كفايتهم له صلى الله عليه وآله وسلم إنما هو في القتال على ما يسبق إلى الذهن.
وذكر بعضهم: أن الآية نزلت بالبيداء قبل غزوة بدر، وعلى هذا لا اتصال لها بما بعدها، وأما اتصالها بما قبلها فغير مقطوع به.
قوله تعالى: {يا أيها النبي حرِّض المؤمنين على القتال} إلى آخر الآية. التحريض والتحضيض والترغيب والحضّ والحث بمعنى والفقه أبلغ وأغزر من الفهم، وقوله: {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} أي من الذين كفروا كما قيد به الألف بعداً، وكذلك قوله: {وإن يكن منكم مائة} أي مائة صابرة كما قيد بها {عشرون} قبلاً.
وقوله: {بأنهم قوم لا يفقهون} الباء للسببية أو الآلة، والجملة تعليلية متعلقة بقوله: {يغلبوا} أي عشرون صابرون منكم يغلبون مائتين من الذين كفروا، ومائة صابرة منكم يغلبون ألفاً من الذين كفروا كل ذلك بسبب أن الكفار قوم لا يفقهون.
وفقدان الفقه في الكفار وبالمقابلة ثبوته في المؤمنين هو الذي أوجب أن يعدل الواحد من العشرين من المؤمنين أكثر من العشرة من المائتين من الذين كفروا حتى يغلب العشرون من هؤلاء المائتين من أولئك على ما بني عليه الحكم في الآية فإن المؤمنين إنما يقدمون فيما يقدمون عن إيمان بالله وهو القوة التي لا يعادله ولا يقاومه أي قوة أخرى لابتنائه على الفقه الصحيح الذي يوصفهم بكل سجية نفسانية فاضلة كالشجاعة والشهامة والجرأة والاستقامة والوقار والطمأنينة والثقة بالله واليقين بأنه على احدى الحسنيين إن قتل ففي الجنة وإن قتل ففي الجنة، وأن الموت بالمعنى الذي يراه الكفار وهو الفناء لا مصداق له.
وأما الكفار فإنما اتكاؤهم على هوى النفس، واعتمادهم على ظاهر ما يسوّله لهم الشيطان، والنفوس المعتمدة على أهوائها لا تتفق للغاية وإن اتفقت أحياناً فإنما تدوم عليه ما لم يلح لائح الموت الذي تراه فناء، وما أندر ما تثبت النفس على هواها حتى حال ما تهدد بالموت وهي على استقامة من الفكر بل تميل بأدنى ريح مخالف، وخاصة في المخاوف العامة والمهاول الشاملة كما أثبته التاريخ من انهزام المشركين يوم بدر وهم ألف بقتل سبعين منهم، ونسبة السبعين إلى الألف قريبة من نسبة الواحد إلى أربعة عشر فكان انهزامهم في معنى انهزام الأربعة عشر مقاتلاً من مقاتل واحد، وليس ذلك إلا لفقه المؤمنين الذي يستصحب العلم والإِيمان، وجهل الكفار الذي يلازمه الكفر والهوى.
قوله تعالى: {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً فإن يكن} الخ أي إن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين من الذين كفروا وإن يكن منكم ألف صابر يغلبوا الفين من الذين كفروا على وزان ما مرّ في الآية السابقة.
وقوله: {وعلم أن فيكم ضعفاً} المراد به الضعف في الصفات الروحية ولا محالة ينتهي إلى الإِيمان فإن الإِيقان بالحق هو الذي ينبعث عنه جميع السجايا الحسنة الموجبة للفتح والظفر كالشجاعة والصبر والرأي المصيب وأما الضعف من حيث العدة والقوة فمن الضروري أن المؤمنين لم يزالوا يزيدون عدة وقوة في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وقوله: {بإذن الله} تقييد لقوله: {يغلبوا} أي إن الله لا يشاء خلافه والحال أنكم مؤمنون صابرون، وبذلك يظهر أن قوله: {والله مع الصابرين} يفيد فائدة التعليل بالنسبة إلى الإِذن.
وقوله تعالى في الآية السابقة تعليلاً للحكم: {بأنهم قوم لا يفقهون} وكذا في هذه الآية: {وعلم أن فيكم ضعفاً} {والله مع الصابرين} وعدم الفقه والضعف الروحي والصبر من العلل والأسباب الخارجية المؤثرة في الغلبة والظفر والفوز بلا شك يدل على أن الحكم في الآيتين مبني على ما اعتبر من الأوصاف الروحية في الفئتين: المؤمنين والكفار، وأن القوى الداخلة الروحية التي اعتبرت في الآية الأولى ما في المؤمن الواحد منها غالبة على القوى الداخلة الروحية في عشر من الكفار عادت بعد زمان يسير يشير إليه بقوله: {الآن خفف الله عنكم} لا يربو ما في المؤمن الواحد منها - من متوسطي المؤمنين - إلا على اثنين من الكفار فقد فقدت القوة من أثرها بنسبة الثمانين في المائة، وتبدلت العشرون والمائتان في الآية الأولى إلى المائة والمائتين في الآية الثانية، والمائة والألف في الأولى إلى الألف والألفين في الثانية.
والبحث الدقيق في العوامل المولدة للسجايا النفسانية بحسب الأحوال الطارئة على الإِنسان في المجتمعات يهدي إلى ذلك فإن المجتمعات المنزلية والأحزاب المنعقدة في سبيل غرض من الأغراض الحيوية دنيوية أو دينية في أول تكونها ونشأتها تحس بالموانع المضادة والمحن الهادمة لبنيانها من كل جانب فتتنبه قواها الدافعة للجهاد في سبيل هدفها المشروع عندها، ويستيقظ ما نامت من نفسانياتها للتحذر من المكاره والتفدية في طريق مطلوبها بالمال والنفس.
ولا تزال تجاهد وتفدي ليلها ونهارها، وتتقوى وتتقدم حتى تمهّد لنفسها حياة فيها بعض الاستقلال، ويصفو لها الجو بعض الصفاء ويكثر جمعها ويضرب بجرانها الأرض أخذت بالاستفادة من فوائد جهدها والتنعم بنعمة الراحة، والتوسع في متسع الأمن، وشرعت القوى الروحية الباسطة الباعثة للعمل في الخمود.
على أن المجتمع وإن قلت أفراده لا يخلو من اختلاف في الإِيمان، والسجايا الروحية الجميلة من قوي فيها وضعيف، وكلما كثرت الأفراد ازداد ضعفاء الإِيمان والذين في قلوبهم مرض والمنافقون فتنزلت القوى الروحية في الفرد المتوسط وارتفعت كفة الميزان عما كانت عليه من الثقل.
والجماعات الدينية والأحزاب الدنيوية في ذلك على السواء والسنّة الطبيعية الجارية في النظام الإِنساني تجري على الجميع على نسق واحد، وقد أثبتت التجربة القطعية أن المجتمعات المؤتلفة لغرض هام كلما قلت أفرادها وقويت رقباؤها ومزاحموها، وأحاطت بها المحن والفتن كانت أكثر نشاطاً للعمل وأحدّ في الأثر وكلما كثرت أفرادها وقلت مزاحماتها والموانع الحائلة بينها وبين مقاصدها ومطالبها كانت أكثر خموداً وأقل تيقظاً وأسفه حلماً.
والتدبر الكافي في مغازي النبي صلى الله عليه وآله وسلم ينور ذلك فهذه غزوة بدر غلب فيها المسلمون وهم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً على ما بهم من رثاثة الحال وقلة العدة وفقد السلاح والقوة كفار قريش وهم يعدلون ثلاثة أمثال المسلمين أو يزيدون على ما لهم من العزة والشوكة والقوة ثم ما جرى على المسلمين في غزوة أُحد ثم في غزوة الخندق ثم في غزوة خيبر ثم في غزوة حنين وهي أعجبها وقد ذكرها الله سبحانه بما لا يبقي لباحث ريباً في ذلك إذ قال: {ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين} إلى آخر الآيات.
فالآية تدل أولاً على أن الإِسلام كان كلما زاد في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عزة وشوكة ظاهراً زادت نقصاً وخموداً في قوى المسلمين الروحية العامة ودرجة إيمانهم وسجاياهم الجميلة النفسانية المعنوية باطناً حتى استقرت بعد غزوة بدر - بقليل أو كثير - على خمس ما كانت عليه قبلها كما يشير إليه بعض الإِشارة قوله تعالى في الآيات التالية: {ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم} الآيات.
وثانياً: أن الظاهر أن الآيتين نزلتا دفعة واحدة فإنهما وإن كانتا تخبران عن حال المؤمنين في زمانين مختلفين كما يشير إليه قوله في الآية الثانية: {الآن خفف الله عنكم} لكن الآيتين تقيسان كما مر طبع قوى المؤمنين الروحية في زمانين مختلفين، وسياق الثانية بالنظر إلى هذا القياس بحيث لا يستقل عن الأولى، ووجود حكمين مختلفين في زمانين لا يوجب أن ينزل الآية المتضمنة لأحدهما في زمان غير زمان نزول الأخرى المتضمنة للآخر.
نعم لو كانت الآيتان مقصورتين في بيان الحكم التكليفي فحسب كان الظاهر نزول الثانية بعد زمان نزلت فيه الأولى.
وثالثاً: أن ظاهر قوله تعالى: {الآن خفف الله عنكم} كما قيل كون الآيتين مسوقتين لبيان الحكم التكليفي لأن التخفيف لا يكون إلا بعد التكليف فاللفظ لفظ الخبر والمراد به الأمر ومحصل المراد في الآية الأولى: ليثبت الواحد منكم للعشرة من الكفار وفي الآية الثانية: الآن خفف الله في أمره فليثبت الواحد منكم للاثنين من الكفار.
واختصاص التخفيف بباب التكاليف - كما قيل - وإن أمكنت المناقشة فيه لكن ظهور الآيتين في وجود حكمين مختلفين مترتبين بحسب الزمان أحدهما أخف من الآخر لا ينبغي الارتياب فيه.
ورابعاً: أن ظاهر التعليل في الآية الأولى بالفقه، وفي الآية الثانية بالصبر مع تقييد المقاتل من المؤمنين في الآيتين جميعاً بالصبر يدل على أن الصبر يرجح الواحد في قوة الروح على مثليه، والفقه يرجحه فيها على خمسة أمثاله فإذا اجتمعا في واحد يرجح على عشرة أمثال نفسه، والصبر لا يفارق الفقه وإن جاز العكس.
وخامساً: إن الصبر واجب في القتال على أي حال.
(بحث روائي)
في تفسير البيضاوي في قوله تعالى: {الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة} هم يهود بني قريظة عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن لا يمالؤوا عليه فأعانوا المشركين بالسلاح وقالوا: نسينا، ثم عاهدهم فنكثوا ومالؤوهم عليه يوم الخندق، وركب كعب بن الأشرف إلى مكة فحالفهم.
أقول: وروي ذلك عن ابن عباس ومجاهد، وروي عن سعيد بن جبير أن الآية نزلت في ستة رهط من اليهود منهم ابن تابوت. وإيضاح ما تشير إليه الآية من نقض اليهود ميثاق النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرة بعد مرة وما قاساه من المحن من ناحيتهم يحتاج إلى سير إجمالي فيما جرى بينه صلى الله عليه وآله وسلم وبينهم من الأمر بعد هجرته صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة إلى سبع سنين من الهجرة.
وقد كانت طوائف من اليهود هاجرت من بلادها إلى الحجاز وتوطنوا بها وبنوا فيها الحصون والقلاع، وزادت نفوسهم وكثرت أموالهم وعظم أمرهم وقد مرت في ذيل قوله تعالى:
{ ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين } [البقرة: 89] في الجزء الأول من الكتاب روايات في بدء مهاجرتهم إلى الحجاز وكيفية نزولهم حول المدينة وبشارتهم الناس بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم.
ولما هاجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة ودعاهم إلى الإِسلام استنكفوا عن الإِيمان به فصالح يهود المدينة وعاهدهم بكتاب كتب بينه وبينهم وهم ثلاثة رهط حول المدينة: بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة أما بنو قينقاع فنكثوا العهد في غزوة بدر فسار إليهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم في منتصف شوال في السنة الثانية من الهجرة بعد بضعة وعشرين يوماً من وقعة بدر فتحصنوا في حصونهم فحاصرهم أشد الحصار، وبقوا على ذلك خمسة عشر يوماً.
ثم نزلوا على حكم النبي صلى الله عليه وآله وسلم في نفوسهم وأموالهم ونسائهم وذراريهم فأمر بهم فكتّفوا، وكلّم عبد الله بن أبي بن سلول النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيهم وألح عليه وكانوا حلفاءه فوهبهم له، وأمرهم أن يخرجوا من المدينة ولا يجاوروه بها فخرجوا إلى أذرعات الشام ومعهم نسائهم وذراريهم، وقبض منهم أموالهم غنيمة الحرب، وكانوا ستمأة مقاتل من أشجع اليهود.
وأما بنو النضير فإنهم كادوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذ خرج إليهم في نفر من أصحابه بعد أشهر من غزوة بدر، وكلمهم أن يعينوه في دية نفر أو رجلين من الكلابيّين قتلهم عمرو بن أُمية الضمري فقالوا: نفعل يا أبا القاسم أجلس هنا حتى نقضي حاجتك، وخلا بعضهم ببعض فتأمّروا بقتله واختاروا من بينهم عمرو بن جحاش أن يأخذ حجر رحى فيصعد فيلقه على رأسه ويشدخه به وحذرهم سلام بن مشكم وقال لهم: لا تفعلوا ذلك فوالله ليخبرن بما هممتم به، وإنه لنقض العهد الذي بيننا وبينه.
فجاءه الوحي وأخبره ربه بما هموا به فقام صلى الله عليه وآله وسلم من مجلسه مسرعاً وتوجه إلى المدينة، ولحقه أصحابه واستفسروه عن قيامه وتوجهه فأخبرهم بما همت به بنو النضير، وبعث إليهم من المدينة أن اخرجوا من المدينة ولا تساكنوني بها، وقد أجلتكم فمن وجدته بعد ذلك بها، منكم ضربت عنقه فأقاموا أياماً يتجهزون للخروج.
وأرسل إليهم المنافق عبد الله بن أُبي أن لا تخرجوا من دياركم فإن معي ألفين يدخلون معكم حصنكم ويموتون دونكم، وينصركم بنو قريظة وحلفاؤكم من غطفان، وأرضاهم بذلك.
فبعث رئيسهم حُيي بن أخطب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إنا لا نخرج من ديارنا فاصنع ما بدا لك فكبّر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكبر أصحابه، وأمر علياً عليه السلام بحمل الراية والسير إليهم فساروا وأحاطوا بديارهم، وغدر بهم عبد الله بن أُبي، ولم ينصرهم بنو قريظة ولا حلفاؤهم من غطفان.
وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بقطع نخيلهم وإحراقها فجزعوا من ذلك وقالوا: يا محمد لا تقطع فإن كان لك فخذه، وإن كان لنا فاتركه لنا. ثم قالوا له بعد أيام: يا محمد نخرج من بلادك فأعطنا أموالنا قال: لا ولكن تخرجون ولكم ما حملت الإِبل فلم يقبلوا ذلك وبقوا أياماً على ذلك ثم رضوا وسألوه ذلك قال: لا ولكن تخرجون ولا يحمل أحد منكم شيئاً، ومن وجدنا معه شيئاً من ذلك قتلناه فخرجوا فوقع قوم منهم إلى فدك ووادي القرى، وقوم إلى أرض الشام، وكان ما لهم فيئاً لله ورسوله من غير أن ينال شيئاً من ذلك جيش الإِسلام، وقصتهم مذكورة في سورة الحشر، ومن كيد بني النضير للنبي صلى الله عليه وآله وسلم تخريب الأحزاب من قريش وغطفان وغيرهم عليه صلى الله عليه وآله وسلم.
وأما بنو قريظة فقد كانوا على الصلح والسلم حتى وقعت غزوة الخندق وقد كان حُيي بن أخطب رئيس بني النضير ركب إلى مكة وحث قريشاً على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحزّب الأحزاب، وفي ذلك ركب إلى بني قريظة وجاءهم في ديارهم فلم يزل يوسوس إليهم ويعزهم ويلح عليهم ويكلم رئيسهم كعب بن أسد في ذلك ونقض العهد ومناجزة النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى أرضاهم بذلك واشترطوا عليه أن يدخل في حصنهم فيصيبه ما أصابهم فقبل ودخل.
فنقضوا العهد ومالوا إلى الأحزاب الذين حاصروا المدينة وأظهروا سب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأحدثوا ثلمة أخرى.
فلما فرغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أمر الأحزاب أتاه جبرئيل بوحي من الله يأمره بالمسير إليهم فسار إليهم ويحمل رايته علي عليه السلام ونازل حصون بني قريظة، وحصرهم خمسة وعشرين يوماً.
فلما اشتد عليهم الحصار عرض عليهم رئيسهم كعب بن أسد أن يختاروا أحد ثلاث خصال: إما أن يسلموا ويدخلوا في دين محمد، وإما أن يقتلوا ذراريهم ويخرجوا إليه بسيوفهم مصلتة يناجزونه حتى يظفروا به أو يقتلوا عن آخرهم، وإما أن يهجموا عليه ويكسبوه يوم السبت لأنهم - يعني المسلمين - قد أمنوا أن يقاتلوهم فيه!
فأبوا عليه أن يجيبوه إلى واحدة منهن فبعثوا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن أرسل إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر نستشيره في الأمر؛ وكان أبو لبابة مناصحاً لهم لأن عياله وذريته وماله كانت عندهم.
فأرسله إليهم فلما رأوه قاموا إليه يبكون، وقالوا له: كيف ترى أن ننزل على حكم محمد؟ قال: نعم، وأشار بيده إلى حلقه: إنه الذبح، قال أبو لبابة: فوالله ما زلّت قدماي حتى علمت أني خنت الله ورسوله، وأوحى الله إلى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم في أمر أبي لبابة.
فندم أبو لبابة ومضى على وجهه حتى أتى المسجد وربط نفسه على سارية من سواري المسجد تائباً لله، وحلف ألا يحله إلا النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو يموت، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: دعوه حتى يتوب الله عليه، ثم إن الله تاب عليه وأنزل توبته وحله النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
ثم إن بني قريظة نزلوا على حكم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكانوا موالي أوس فكلمته أوس في أمرهم مستشفعين وآل الأمر إلى تحكيم سعد بن معاذ الأوسي في أمرهم ورضوا ورضي به النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاحضر سعد وكان جريحاً.
ولما كلم سعدرحمه الله في أمرهم قال: لقد آن لسعد أن لا يأخذه في الله لومة لائم ثم حكم فيهم بقتل الرجال وسبي النساء والذراري وأخذ الأموال فاجري عليهم ما حكم به سعد فضربت أعناقهم عن آخرهم، وكانوا ستمائة مقاتل أو سبعمائة، وقيل أكثر، ولم ينج منهم إلا نفر يسير آمنوا قبل تقتيلهم، وهرب عمرو بن سُعدى منهم ولم يكن داخلاً معهم في نقض العهد، وسبيت النساء إلا امرأة واحدة ضربت عنقها وهي التي طرحت على رأس خلاد بن السويد بن الصامت رحى فقتلته.
ثم أجلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم من كان بالمدينة من اليهود ثم سار صلى الله عليه وآله وسلم إلى يهود خيبر لما كان من كيدهم وسعيهم في حث الأحزاب عليه وتأليفهم من جميع القبائل العربية لحربه فنازل حصونهم وحصرهم أياماً، وأرسل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى قتالهم أبا بكر في جمع يوماً فانهزم، ثم عمر بن الخطاب في جمع يوماً فانهزم.
وعند ذلك قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
"لأعطينّ الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله كرار غير فرار لا يرجع حتى يفتح الله على يديه" ولما كان من غد أعطى الراية علياً عليه السلام وأرسله إلى قتال القوم فتقدم إليهم وقتل مرحباً الفارس المعروف منهم، وهزمهم وقلع بيده باب حصنهم وفتح الله على يده الحصن، وكان ذلك بعد صلح الحديبية في المحرَّم سنة سبع من الهجرة.
ثم أجلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم من بقي من اليهود وقد نصح لهم قبل ذلك أن يبيعوا أموالهم ويأخذوا أثمانها. انتهى ما أردنا تلخيصه من قصة اليهود مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وفي تفسير العياشي عن جابر في قوله تعالى: {إن شر الدواب عند الله} الآية نزلت في بني أُمية هم شر خلق الله هم {الذين كفروا} في باطن القرآن، وهم {الذين لا يؤمنون}.
أقول: وروى مثله القمي عن أبي حمزة عنه عليه السلام، وهو من باطن القرآن كما صرح به في الرواية ليس بالظاهر.
وفي الكافي بإسناده عن سهل بن زياد عن بعض أصحابه عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
"ثلاث من كنّ فيه كان منافقاً وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: من إذا ائتمن خان، وإن حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف إن الله عز وجل قال في كتابه: {إن الله لا يحب الخائنين} وقال: {إن لعنة الله على الكاذبين} وفي قوله عز وجل: {واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولاً نبياً}"
]. وفي تفسير القمي في قوله تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} الآية قال: قال: السلاح.
وفي تفسير العياشي عن محمد بن عيسى عمن ذكره عن أبي عبد الله عليه السلام في الآية قال: سيف وترس.
وفي الفقيه عن الصادق عليه السلام مرسلاً في الآية قال: منه الخضاب بالسواد.
وفي الكافي بإسناده عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام: دخل قوم على الحسين بن علي عليه السلام فرأوه مختضباً بالسواد فسألوه عن ذلك فمدّ يده إلى لحيته ثم قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غزاة غزاها أن يختضبوا بالسواد ليقووا به على المشركين.
وفي تفسير العياشي عن جابر الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
"{وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} قال: الرمي"
]. أقول: ورواه في الكافي بإسناده عن عبد الله بن المغيرة رفعه عنه صلى الله عليه وآله وسلم، والزمخشري في ربيع الأبرارعن عقبة بن عامر عنه، والسيوطي في الدر المنثورعن أحمد ومسلم وأبي داود وابن ماجه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ وأبي يعقوب إسحاق بن إبراهيم والبيهقي عن عقبة بن عامر الجهني عنه صلى الله عليه وسلم.
وفي الدر المنثور أخرج أبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم وصححه والبيهقي عن عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
"إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة: صانعه الذي يحتسب في صنعته الخير والذي يجهز به في سبيل الله، والذي يرمي به في سبيل الله"
]. وقال: "ارموا واركبوا، وأن ترموا خير من أن تركبوا" ، وقال: "كل شيء يلهو به ابن آدم فهو باطل إلا ثلاثة: رميه عن قوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله فإنهن من الحق، ومن علم الرمي ثم تركه فهي نعمة كفرها"
]. أقول: وفي هذه المعاني روايات أُخر، وخاصة في الخيل والرمي والروايات على أي حال من باب عد المصاديق.
وفي الدر المنثور أخرج سعد والحارث بن أبي أُسامة وأبو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن قانع في معجمه والطبراني وأبو الشيخ وابن منده والروياني في مسنده وابن مردويه وابن عساكر عن يزيد بن عبد الله بن غريب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: في قوله: {وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم} قال:
"هم الجن، ولا تخبل الشيطان إنساناً في داره فرس عتيق"
]. أقول: وفي معناها روايات أُخر، ومحصل الروايات ربط قوله: {وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم} بقوله: {ومن رباط الخيل} وهي من قبيل الجري وليس من التفسير في شيء، والمراد من الآية بظاهرها العدو من الإِنسان كالكفار والمنافقين.
وفيه أخرج ابن مردويه عن عبد الرحمن بن أبزى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ: وإن جنحوا للسلم.
وفيه أخرج أبو عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها} قال: نسختها هذه الآية: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} إلى قوله {صاغرون}.
أقول: وروي نسخها بآية البراءة: {اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} والآية لا تخلو عن إيماء إلى كون الحكم مؤجلاً حيث قال: {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم}.
وفي الكافي بإسناده عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى: {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها} قلت: ما السلم؟ قال: الدخول في أمرنا، وفي رواية أُخرى: الدخول في أمرك.
أقول: وهو من الجري.
وفي الدر المنثور أخرج ابن عساكر عن أبي هريرة قال: مكتوب على العرش: لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي محمد عبدي ورسولي أيدته بعليّ؛ وذلك قوله: {هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين}.
أقول: ورواه الصدوق في المعاني بإسناده عن أبي هريرة، وأبو نعيم في حلية الأولياء بإسناده عنه، وكذا ابن شهر آشوب مسنداً عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وفي تفسير البرهان عن شرف الدين النجفي قال: تأويله ذكره أبو نعيم في حلية الأولياء بطريقه عن أبي هريرة قال: نزلت هذه الآية في علي بن أبي طالب، وهو المعنيّ بقوله: المؤمنين.
أقول: ولفظ الآية لا يساعد على ذلك اللهم إلا أن يكون المراد بالاتباع تمام الاتباع الذي لا يشذ عنه شأن من الشؤون، ومن للتبعيض دون البيان أن ساعد عليه السياق.
وفي الدر المنثور أخرج البزّار عن ابن عباس قال: لما أسلم عمر قال المشركون: قد انتصف القوم منا اليوم، وأنزل الله: {يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين}.
أقول: وروي هذا المعنى في روايات أُخر، والاعتبار لا يساعد عليه فإن الزمان الذي أسلم فيه لم يكن على نعت يصحح الخطاب بمثل قوله: {يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين} واليوم يوم الفتنة والعسرة، وقد دام الحال على ذلك بعده سنين متمادية، وما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ يحتاج إلى شيء يعينه العدة، وفي هذه الروايات أنه كان تمام الأربعين أو رابع أربعين. على أن الظاهر أن الآية مدنية من جملة آيات سورة الأنفال.
وفيه أخرج ابن اسحاق وابن أبي حاتم عن الزهري في قوله: {يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين} قال: نزلت في الأنصار.
أقول: وسياق الآية في عدم المساعدة عليه كالروايتين السابقتين اللهم إلا أن يكون المراد نزولها يوم آمن به الأنصار أو يوم تابعوه، والظاهر أن الآية نزلت في تطييب نفس النبي صلى الله عليه وآله وسلم بجميع من كان معه من المؤمنين: مهاجريهم وأنصارهم، وهي توطئة وتمهيد لما في الآية التالية من الأمر بتحريض المؤمنين على القتال.
وفي تفسير القمي قال: قال، كان الحكم في أول النبوة في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن الرجل الواحد وجب عليه أن يقاتل عشرة من الكفار فإن هرب منهم فهو الفار من الزحف، والمائة يقاتلون ألفاً.
ثم علم الله أن فيهم ضعفاً لا يقدرون على ذلك فأنزل الله: {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين} ففرض عليهم أن يقاتل أقل رجل من المؤمنين رجلين من الكفار فإن فر منهما فهو الفار من الزحف وإن كانوا ثلاثة من الكفار وواحداً من المسلمين ففر المسلم منهم فليس هو الفار من الزحف.
أقول: وفي تفسير العياشي عن الحسين بن صالح عن الصادق عن علي عليهما السلام ما يقرب منه، وروى ما في معناها في الدر المنثور بطرق عديدة عن ابن عباس وغيره.
وفي الدر المنثور أخرج الشيرازي في الألقاب وابن عدي والحاكم وصححه عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ: {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضُعفاً} رفع.