التفاسير

< >
عرض

وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ ٱلْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ
٧
-هود

تفسير فرات الكوفي

{وكان عرشه على الماء7}
فرات قال: حدّثني عبيد بن كثير معنعناً:
عن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه [أ: عليهما] السلام قال: شهدت [مع. أ، ب] أبي عند عمر بن الخطاب وعنده كعب الأحبار [رضي الله عنه. ر] وكان رجلاً قد قرأ التوراة وكتب الأنبياء عليهم [الصلاة و. ر] السلام فقال له عمر: يا كعب من كان أعلم بني إسرائيل بعد موسى [بن عمران. ر.عليه (الصلاة. ر) والسلام. ب، ر]؟قال: [كان أعلم بني اسرائيل بعد موسى. ر، ب] [بن عمران. ر] يوشع بن نون وكان وصي موسى [بن عمران. ر. من. أ، ب] بعده وكذلك كل نبي خلا من قبل موسى [بن عمران. ر] ومن بعده كان له وصي يقوم في أمته من بعده.
فقال له عمر: فمن وصي نبينا وعالمنا؟ أبو بكر؟ قال: وعلي ساكت لا يتكلم، فقال كعب: مهلاً [يا عمر ب] فإن السكوت عن هذا أفضل، كان أبو بكر رجلاً حظي [ب: حظياً] بالصلاح فقدمه المسلمون لصلاحه، ولم يكن بوصي، فإن موسى [بن عمران (ص). ر] لما توفي أوصى إِلى يوشع بن نون فقبله طائفة من بني إِسرائيل وأنكرت فضله طائفة فهي التي ذكر الله [أ: ذكرت] في القرآن:
{ فآمنت طائفة من بني إِسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين } [14/ الصف] وكذلك الأنبياء [السالفة.ر] والأمم الخالية لم يكن نبي إلاّ وقد كان له وصي يحسده قومه ويدفعون فضله.
فقال: ويحك يا كعب فمن ترى وصي نبينا؟ قال كعب: معروف في جميع كتب الأنبياء والكتب المنزلة من السماء علي أخو النبي العربي [ص. ر] يعينه على أمره [يؤازره. ب] ويبارز [5. ر، أ] على من ناوأه، له زوجة مباركة وله منها ابنان يقتلهما أمته من بعده، ويحسد وصيه كما حسدت الأمم أوصياء أنبيائها، فيدفعونه عن حقه ويقتلون ولده من بعده كحذو الأمم الماضية.
قال: فأفحم عمر عندها وقال: يا كعب لئن صدقت في كتاب الله المنزل قليلاً لقد كذبت كثيراً. فقال [أ، ب: قال] كعب: والله ما كذبت في كتاب الله قط ولكن سألتني عن أمرٍ لم يكن لي بدّ من تفسيره والجواب فيه، فإني لأعلم أن أعلم هذه الأمة [أمير المؤمنين. ر] علي بن أبي طالب عليه السّلام بعد نبيها لأني [أ، ب: إِلاّ أني] لم أسأله عن شيءٍ إِلا وجدت عنده علماً تصدقه به التوراة وجميع كتب الأنبياء.
فقال له عمر: اسكت يا ابن اليهودية فوالله إِنك لكثير التخرص بالكذب [أ: والكذب. ر: بكذب]. فقال كعب: والله ما علمت أني كذبت في شيءٍ من كتاب الله منذ جرى لله علي الحكم، ولئن شئت لألقين عليك [أ: إليك] شيئاً من علم التوراة فإن فهمته فأنت أعلم منه وإِن فهمه فهو أعلم منك. فقال له عمر: هات بعض هناتك.
فقال كعب: أخبرني عن قول الله [تعالى. ب]: {وكان عرشه على الماء} فأين كانت الأرض وأين كانت السماء وأين كان جميع خلقه؟ فقال [له. ر] عمر: ومن يعلم غيب الله منا إِلا ما سمعه رجل من نبينا. قال: ولكن أخاك أبا حسن [أ: الحسن] لو سئل عن ذلك لشرحه بمثل ما قرأناه في التوراة، فقال له عمر: فدونكه إِذا اختلف [ب (خ ل): اختلا] المجلس.
قال: فلمّا دخل على عمر أصحابه أراد [أ، ر: أرادوا] إِسقاط [أمير المؤمنين. ر] علي [بن أبي طالب عليه السلام. ر] فقال كعب: يا أبا الحسن أخبرني عن قول الله عز وجل [ر: تعالى في كتابه]: {وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملاً} قال [أمير المؤمنين. ر] علي [بن أبي طالب. ر] عليه السلام: نعم.
كان عرشه على الماء حين لا أرض مدحية، ولا سماء مبنية، ولا صوت يسمع، ولا عين تنبع، ولا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا نجم يسري، ولا قمر يجّري، ولا شمس تضيء، وعرشه على الماء، غير مستوحش إِلى أحدٍ من خلقه، يمجد نفسه ويقدسها كما شاء أن يكون [كان. ر، أ].
ثم بدا أن يخلق الخلق فضرب بزارخ البحور فثار منها مثل الدخان كأعظم ما يكون من خلق الله فبنى بها سماءً رتقا، ثم دحى [أ (خ ل): انشق] الأرض من موضع الكعبة وهي وسط [الأرض. أ، ر] فطيقت [ر: فطبقت] إلى [ب: على] البحار، ثم فتقها بالبنيان وجعلها سبعاً بعد إِذ كانت واحدة ثم استوى إِلى السماء وهي دخان من ذلك الماء الذي أنشأه من تلك البحور فخلقها سبعاً طباقاً بكلمته التي لا يعلمها غيره، وجعل في كل سماءٍ ساكناً من الملائكة خلقهم [مصمتين. ب. أ: مضمنين] معصومين من نور من بحورٍ عذبة وهو بحر الرحمة، وجعل طعامهم التسبيح والتهليل والتقديس.
فلما قضى أمره وخلقه استوى على ملكه فمدح كما ينبغي له أن يمدح [أ، ر: يحمد]، ثم قدر ملكه فجعل في كل سماء شهب معلقة كواكب كتعليق القناديل من [ب: في] المساجد ما لا يحصيها غيره تبارك وتعالى، والنجم من نجوم السماء كأكبر مدينة في الأرض.
ثم خلق الشمس والقمر فجعلهما شمسين فلو تركهما تبارك وتعالى كما كان [في] ابتدائهما في أول مرة لم يعرف خلقه الليل من النهار ولا عرف الشهر ولا السنة ولا عرف الشتاء من الصيف ولا عرف الربيع من الخريف، ولا علم أصحاب الدين متى يحل دينهم، ولا علم العامل متى ينصرف في معيشته، ومتى يسكن لراحة بدنه، فكان الله تبارك أرأف بعباده وأنظر لهم، فبعث جبرئيل [عليه السلام. ر] إلى إحدى الشمسين فمسح بها جناحه فأذهب منها الشعاع والنور وترك فيها الضوء فذلك قوله:
{ وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلاً من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلاً } [12/ الإسراء] وجعلهما يجريان في الفلك والفلك يجري فيما بين السماء والأرض مستطيل في السماء استطالته [أ: استطالة] ثلاثة فراسخ يجري في غمرة الشمس والقمر، كل واحد منهما [على عجلة. ر، ب] يقودهما ثلاثمائة ملك بيد كل ملك منها [ر: منها] عروة يجرونها في غمرة ذلك البحر، لهم زجل بالتهليل والتسبيح والتقديس، لويدن [كل. ب] واحد منها من غمر ذلك البحر لاحترق كل شيءٍ على وجه الأرض حتى الجبال والصخور وما خلق الله من شيء.
فلما خلق الله السماوات والأرض والليل والنهار والنجوم والفلك جعل [ن: وجعل] الأرضين على ظهر حوت [فـ] أثقلها فاضطربت فأثبتها بالجبال.
فلما استكمل خلق ما في السماوات - والأرض يومئذٍ خالية ليس فيها أحد - قال
{ { للملائكة: إني جاعل في الأرض خليفة قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون } [30/ البقرة]، فبعث الله جبرئيل عليه السلام فأخذ من أديم الأرض قبضة فعجنه بالماء العذب والمالح وركب فيه الطبائع قبل أن ينفخ فيه الروح فخلقه من أديم الأرض فلذلك سمي آدم لأنه لما عجن بالماء استأدم فطرحه في الجبل! كالجبل العظيم وكان إبليس يومئذٍ خازناً على السماء الخامسة يدخل في منخر آدم ثم يخرج من دبره ثم يضرب بيده فيقول لأي أمر خلقت لئن جعلت فوقي لا أطعتك ولئن جعلت أسفل مني لا أبقيتك [أ: لابقيتك. ر: لا أعبينك] فمكث في الجنة ألف سنة ما بين خلقه إلى أن ينفخ فيه الروح فخلقه من ماءٍ وطين ونورٍ وظلمة وريح، والنور من نور الله، فأما النور فيورثه الإيمان، وأما الظلمة فتورثه الضلال والكفر، وأما الطين فيورثه الرعدة والضعف والقشعريرة [ر: والاقشعراريرة!] عند إصابة الماء فينبعث به على أربع الطبائع على الدم والبلغم والمرار والريح فذلك قوله تبارك وتعالى: { أو لا يذكر الإنسان أنّا خلقناه من قبل ولم يك شيئاً } [مريم: 67].
قال: فقال كعب: يا عمر بالله أتعلم كعلم علي؟ فقال: لا. فقال كعب: علي [بن أبي طالب. ر] وصي الأنبياء ومحمد خاتم الأنبياء [عليهم الصلاة والسلام. ر] علي [خاتم. أ، ب] الأوصياء [عليهم السلام. ر] وليس على الأرض اليوم منفوسة إلا وعلي [بن أبي طالب. ر] أعلم منه، والله ما ذكر من خلق الإنس والجن والسماء والأرض والملائكة شيئاً إلا وقد قرأته في التوراة كما قرأت.
قال: فما رئي عمر غضب قط مثل غضبه ذلك اليوم.