التفاسير

< >
عرض

وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ ٱلْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ
٩٦
قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ
٩٧
مَن كَانَ عَدُوّاً للَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَٰلَ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ
٩٨
وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَآ إِلاَّ ٱلْفَاسِقُونَ
٩٩
أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ
١٠٠
وَلَمَّآ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ
١٠١
وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلَٰـقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ
١٠٢
-البقرة

تفسير الأعقم

{قل من كان عدوا لجبريل} الآية، قيل: "ان حبراً من أحبار اليهود يقال له عبد الله بن صوريا من فدك جاء الى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يسأله عن أشياء فلما اتجهت الحجة عليه قال اي ملك يأتيك من السماء قال له النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): جبريل. قال: ذلك عدونا من الملائكة فلو كان ميكايل مكانه لآمنا بك" هذا عن ابن عباس، فإن جبريل ينزل علينا بالعذاب والشدة، ويطلع محمد على أسرارنا، وهو صاحب كل خسف، وقيل: نزلت في اليهود وذلك انهم قالوا: ان جبريل عدونا اُمر ان يجعل النبوة فينا فجعلها في غيرنا، وميكايل يجيء بالخصب والسلام، فقالَ لهم: وما منزلتهما من الله؟ قالوا: أقرب منزلة جبريل عن يمينه، وميكايل عن يساره وميكايل عدوّ لجبريل فقال لهم عمر: لئن كان كما تقولون لأنتم اكفر من الحمير، من كان عدوّاً لأحدهما كان عدوّاً للآخر، ومن كان عدوّاً لهما كان عدوّاً لله. {من كان عدوا لله} الآية معنى ذلك "أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سأله اليهود: من الذي يأتيه؟ فقال لهم: جبريل فقالوا له: نحن أعداء جبريل وهو عدوّنا لأنه لا ينزل عليك الا بالابطال لأمرنا" ، ومعنى {عدوّ للكافرين} فإنه مهلكهم ومحريهم، ومعنى ميكايل فانهم سألوا: من اين يأخذ جبريل الوحي؟ فقال: من ميكايل فقالوا: وهو ايضاً عدونا. {ولقد أنزلنا إليك آيات بينات} الآية، نزلت في اليهود، وقيل نزلت في عبد الله بن صوريا، قيل: قال للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما كان بينهما من المحاجَّة وفي حديث جبريل (عليه السلام): ما جئتنا بشيء نعرفه، وما انزل عليك من آية بينة فنتعبك، فنزلت الآية {ولقد أنزلنا إليك} يا محمد. {آيات} معجزات قيل: القرآن، وقيل: علم التوراة والانجيل، كما قال تعالى: { يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب } [المائدة: 15]. {وما يكفر بها إلا الفاسقون} المتمردون في كفرهم. {وكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم} نزلت في بني قريظة، عاهدوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عهوداً منها ان لا يعينوا عليه الكفار ثم نقضوا العهد يوم الخندق، واعانوا قريشاً وارادوا ان يلقوا عليه حجراً، فاخبر الله تعالى بذلك، {نبذ فريق} هذا مثل لمن يستخف الشيء والعمل به، والنبذ هو الطرح، وقيل: نبذوا العمل به، ولم يحلوا حلاله، ولا حرموا حرامه. {كأنهم لا يعلمون} انه كتاب الله تعالى. {واتبعوا ما تتلوا الشياطين} أي نبذوا كتاب الله، واتبعوا ما تتلوا الشياطين يعني اتبعوا كتب السحرة التي كانوا يقرؤونها. {على ملك سليمان} أي على عهد ملكه في زمانه، وذلك ان الشياطين كانوا يسترقون السمع ثم يضمُّون الى ما سمعوا أكاذيب، ويلقونها الى الكهنة، وقد دونوها في كتب يقرؤونها، ويعلمونها الناس، وفشا ذلك في زمن سليمان حتى قالوا: ان الجن تعلم الغيب، وكانوا يقولون: هذا علم سليمان، وما تم لسليمان ملكه الاّ بهذا العلم، وبه يسحر الانس والجن والرياح {وما كفر سليمان} تكذيب للشياطين. {ولكن الشياطين كفروا} باستعمال السحر. {يعلمون الناس السحر} ويقصدون به اغواءهم وإضلالهم. {وما أنزل على الملكين} عطف على السحر، أي يعلمونهم ما انزل الله على الملكين. {ببابل هاروت وماروت} عطف بيان للملكين والذي انزل عليهما هو علم السحر، ابتلاء من الله للناس من تعلمه منهم وعمل به كان كافراً، ومن تجنبه أو تعلمه لا ليعمل به ولكن ليتوقاه وان لا يعتريه كان مؤمناً، قال الشاعر:

عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيهِ ومن لم يعرف الشر من الخير يقع فيه

روى ذلك جار الله وقرأ الحسن الملِكين بكسر اللام، وهو ايضاً قراءة ابن عباس، وقال ابن عباس: وهما رجلان ساحران كانا ببابل لأن الناس لا يعلمون الناس السحر، وقيل: انهما نزلا ليعلمان الناس كيفية السحر وابطاله، لانك لا تعلم بابطال الشيء مهما لم تعلمه في نفسه. {ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم} دليل على انهم استعملوه على خلاف ما أُمِروا به من تعليمه، وقد روي في سبب نزولهما وجوه: أحدها: ان السحر كثر في زمن ادريس واستنبطت ابوابا غريبَة، فأنزل الله تعالى ملكين يعلمان الناس السحر، وقد قيل: ان ما نافية. {ولقد علموا لمن اشتراه} بمعنى علم هؤلاء اليهود لمن اشتراه، أي استبدل ما تتلوا الشياطين على كتاب الله تعالى. {ما له في الآخرة من خلاق} اي من نصيب، وقيل: من وجه عند الله، وقيل: كذا عن دين. {ولبئس ما شروا به أنفسهم} أي باعوها. {لو كانوا يعلمون} اي ثواب الله خير مما هم فيه، ولقد علموا لكنهم لجهلهم لترك العمل بالعلم كأنهم منسلخون عنه.