التفاسير

< >
عرض

وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَٰقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىۤ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ ٱللَّهِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً
٩٢
وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَٰلِداً فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً
٩٣
-النساء

تفسير الأعقم

{وما كان لمؤمن} وما صح له ولا استقام ولا لاق بحاله {أن يقتل مؤمناً} ابتداء غير قصاص {إلا خطأ} إلا على وجه الخطأ والآية نزلت في عياش بن ربيعة وكان أخاً لأبي جهل لأنه أسلم وهاجر خوفاً من قومه قبل هجرة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأقسمت أمه لا تأكل ولا تشرب ولا دخلت تحت سقف حتى يرجع فخرج أبو جهل ومعه الحارث بن زيد وقال أبو جهل: ليس محمد يحثك على صلة الرحم انصرف وترى أمك وانت على دينك، حتى نزل وذهب معهما فلما خلفا المدينة كفتاه وجلده كل واحد منهما مائة جلدة فقال عياش للحارث: هذا أخي فمن أنت يا حارث؟ لله عليَّ إن وجدتك خالياً لأقتلنّك، وقدما به على أمه فحلفت لا يحل كفاته حتى يرتد فقعد ثم هاجر بعد ذلك واسلم الحارث وهاجر ولقيه عياش بظهر قبا ولم يشعر باسلامه فقتله ثم خبر بإسلامه فأتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: قتلته ولم اشعر بإسلامه، فنزلت {فتحرير رقبة} فعليه تحرير رقبة والتحرير العتق والمراد رقبة مؤمنة كل رقبة كانت على علم الإسلام، وعن الحسن لا يجوز إلاّ رقبة قد صلّت وصامت ولا يجزي الصغير، وقاس عليها الشافعي كفارة الطهارة واشترط الايمان {مسلمة الى اهله} مراده إلى اهله يقتسمونها كما يقتسمون الميراث لا فرق بينهما وبين سائر التركة {الاّ أن يصدقوا} عليه بالدية، ومعناه العفو لقوله: { إلاّ أَن يعفون } [البقرة: 237] ونحوه وأن يصدقوا وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "كل معروف صدقة" {فان كان من قوم عدو لكم} من قوم كفار أهل حرب وذلك نحو رجل أسلم في قومه الكفار وهو بين أظهرهم ولم يفارقهم فعلى قاتله الكفارة إذا قتله خطأ وليس على قاتله لأهله شيء لأنهم كفار محاربون {وان كان من قوم} كفرة لهم ذمة كالمشركين الذين عاهدوا المسلمين واهل الذمة من الكتابيين فحكمه حكم مسلم من المسلمين {فمن لم يجد} رقبة فعليه {صيام شهرين متتابعين توبة من الله} قبولاً من الله ورحمة منه إذا قبل توبته {ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم} الآية نزلت في قيس وجد اخاه قتيلاً في بني النجار وكان مسلماً فأمره رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الى بني النجار فدفعوا ديته فلما انصرف ومعه الفهري فقتله ورجع إلى مكة وخبره يطول. قال جار الله: وفي هذه الآية من التهديد والايعاد والارعاد امر عظيم، ومن ثم روي عن ابن عباس: ان توبة قاتل المؤمن عمداً توبة غير مقبولة، وفي الحديث: "لزوال اهل الدنيا أهون على الله من قتل امرءٍ مسلم" وفيه "لو قتل رجل بالمشرق وآخر راضي في المغرب لأشرك في دمه" وعن سفيان: كانوا اهل العلم إذا سُئلوا قالوا: لا توبة له، وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم): "ان من اعان على قتل مؤمن ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله" قال جار الله: العجب من قوم يقرأون هذه الآية ويرون ما فيها ويسمعون ما في هذه الأحاديث العظيمة ثم يطمعون بالعفو عن قاتل المؤمن { أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها } [محمد: 24].