التفاسير

< >
عرض

وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِيۤ ءَاذَانِهِمْ وَقْراً وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ ءَايَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوكَ يُجَٰدِلُونَكَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ
٢٥
وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ
٢٦
وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ فَقَالُواْ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَٰتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ
٢٧
بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ
٢٨
-الأنعام

تفسير الأعقم

قوله تعالى: {ومنهم من يستمع اليك} حين تتلوا القرآن {وجعلنا على قلوبهم أكِنَّة أن يفقهوه} الآية، قيل: اجتمع جماعة من قريش أبو سفيان بن حرب، والوليد بن المغيرة، والنضر بن الحرث، وأبو جهل، وعتبة وشيبة ابنا ربيعه وغيرهم، وكانوا يسمعون تلاوة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا للنضر: ما تقول؟ قال: لا أدري والذي أراه يحرك شفتيه يتكلم بأساطير الأولين كالذي كنت أحدثكم به من أخبار القرون الأولين، وكان النضر يكثر الأحاديث على الأمم الماضية، فقال أبو سفيان: إني لا أدري إن بعض ما يقوله حق، فقال أبو جهل: كلا، فنزلت الآية، والأكِنَّة على القلوب والوقر في الآذان، مثلٌ في نبو قلوبهم ومسامعهم {حتى إذا جاؤوك يجادلونك} ويناكرونك، وفسر مجادلتهم أنهم يقولون {ان هذا إلا أساطير الأولين} {وهم ينهون عنه وينأون عنه} نزلت في أبي طالب حيث كان يمنع الناس عن إيذاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا يتبعه عن ابن عباس، وقيل: في كفار مكة يعني وهم ينهون عنه الناس، يعني عن القرآن وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأتباعه ويثبطونهم عن الإِيمان به {وينأون عنه} بأنفسهم فيضلون ويُضلون {وان يهلكون إلاَّ أنفسهم} بذلك وإن كانوا يظنون أنهم يضرون رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقيل: هو أبو طالب، قال جار الله: ورواه أيضاً في الحاكم لأنه كان ينهي قريشاً عن التعرض لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وينأى عنه فلا يؤمن به، وروي أنهم اجتمعوا إلى أبي طالب وأرادوا برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) سوءاً فقال شعراً:

والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفينا
فأصدع بأمرك ما عليك غضاضة وأبشر بذاك وقر منك عيوناً
ودعوتني وزعمت أنك ناصحٌ ولقد صدقت وكنت ثم أميناً
لولا الملامة أو حُذَارى سُبَّةً لوجدتني سمحاً بذاك مبينا
وعرضت ديناً لا محالة أنه من خير أديان البرية ديناً

{ولو ترى} يا محمد جوابه محذوف تقديره ولو ترى أرأيت أمراً شنيعاً {إذ وقفوا على النار} حين عاينوها واطلعوا عليها وادخلوها {فقالوا يا ليتنا نرد} تمنّيهم الرد إلى الدنيا، ثم ابتدأوا {ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين} واعدين الايمان كأنهم قالوا ونحن لا نكذب ونؤمن على وجه الاثبات، قوله تعالى: {بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل} من قبائحهم وفضائحهم في صحفهم، وشهادة جوارحهم عليهم، فلذلك تمنوا ما تمنوا ضجرة إلاَّ أنهم عازمون على أنهم لو رُدّوا لآمنوا، وقيل: هم المنافقون وأنه يظهر نفاقهم الذي كانوا يسرونه، قيل: هم أهل الكتاب وأنهم يظهر لهم ما كانوا يخفونه من صحة نبوة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، قوله تعالى: {ولو رُدّوا} إلى الدنيا بعد وقوفهم على النار {لعادوا لما نهوا عنه} من الكفر والعصيان {وانهم لكاذبون} فيما وعدوا به من أنفسهم، وكفى به دليلاً على كذبهم.