التفاسير

< >
عرض

وَٱصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ
١١٥
فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْفَسَادِ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ
١١٦
وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ
١١٧
وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ
١١٨
إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ
١١٩
-هود

تفسير كتاب الله العزيز

قوله: {وَاصْبِرْ} أي: على ما فرض الله عليك، وعلى ما يقول لك المشركون من الأذى {فَإِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}.
قوله: {فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ} [يعني طاعة] { يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ} يقول: لم يكن ذلك إلا قليلاً ممن أنجينا منهم أي: من المؤمنين. وأولو بقية عند بعضهم مثل قوله:
{ بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَّكُمْ } [هود:86] أي: حظكم عند ربكم خير لكم، يعني الجنة.
قال: {وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ} يعني المشركين، اتبعوا ما أترفوا فيه، أي: من دنياهم. وقال الحسن: ما وسّع الله عليهم فيه من الدنيا. {وَكَانُوا مُجْرِمِينَ} أي: مشركين.
قوله: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} كقوله:
{ فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } [العنكبوت:40]، يعني بشركهم وتكذيبهم رسلهم. ولو آمنوا لم يهلكوا بالعذاب.
قوله: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً} أي: على الإِيمان. مثل قوله:
{ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لأَمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً } [يونس:99] {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ} والمختلفون هم الكفار، وهم في اختلاف [على أديان شتى] في تفسير مجاهد وغيره، مثل قوله: { بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ } [سورة ق:5] أي: ملتبس. وعامة الناس كفار.
وقوله: { إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ} والمختلفون هم الكفار، وهم المؤمنون، لا يختلفون في البعث كما اختلف الكفّار، وهم في شك منه، وذلك منهم اختلاف، وهم منه في لَبس. فأهل رحمة الله أهل جماعة وإن تفرّقت ديارهم، وأهل معصية الله أهل فرقة وإن اجتمعت ديارهم. والآية محتملة لاختلاف الكفار في البعث وشكهم فيه، واختلاف من اختلف من أهل القبلة مما شرعوا من الأديان ما لم يأذن به الله، وادعائهم على الله في ذلك الكذب، وبقولهم في ذلك على الله ما لا يعملون.
قوله: { وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} قال الحسن: للاختلاف، وتلا هذه الآية:
{ عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ العَظِيمِ الَّذَي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ } [النبإ:1-3]. ولا اختلاف اليوم أعظم وبالاً ولا أشد فرقة ولا ادعاء على الله من مختلفي أهل القبلة فيما شرعوا من أديانهم. وتَقَوَّلُوا على الله من أباطيلهم. قال: ولذلك خلق أهل الرحمة لا يختلفون.
قوله: { وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ} أي: وسبقت كلمة ربك { لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} أي: من كلا الفريقين: الجن والإِنس، يعني الكفار أهل النار. كقوله:
{ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً مَّدْحُوراً لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ } [الأعراف:18] أي: من كلا الفريقين ممن عصى الله وارتكب الكبائر.