التفاسير

< >
عرض

وَإِذْ قُلْتُمْ يَٰمُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ
٥٥
ثُمَّ بَعَثْنَٰكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
٥٦
وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقْنَٱكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
٥٧
-البقرة

تفسير كتاب الله العزيز

قوله: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ} أي لن نصدّقك. {حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً} أي عياناً {فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ}. يعني أنهم أُميتوا عقوبة ثم بُعِثوا ليستكملوا بقية آجالهم.
وقال الكلبي: بلغني أنهم هم السبعون الذين اختار موسى من قومه فذهبوا معه إلى حيث كلمه ربه، فقالوا: يا موسى، لنا عليك حق؛ كنا أصحابك، لم نختلف ولم نصنع الذي صنع قومنا، فأرنا الله جهرة كما رأيته أنت. فقال لهم موسى: ما رأيته، ولا كانت مسألتي إياه أن أنظر إليه بالمجاهرة كما سألتم. وتجلَّى للجبل فصار دكّاً، وخررتُ صعِقاً. فلما أفقتُ سألت الله واعترفت بالخطيئة. فقالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فأخذتهم الصاعقة فاحترقوا عن آخرهم. فظن موسى أنما احترقوا بخطيئة أصحاب العجل فقال موسى لربه:
{ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ. أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِي مَن تَشَاءُ } [الأعراف:155]. فبعثهم الله من بعد موتهم لعلهم يشكرون. أي: لكي يشكروا الله. فلما قدم نبي الله المدينة، فكلّمته اليهود، ودعاهم إلى الله وإلى كتابه، فكذّبوه وجحدوه، أنزل الله { أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } [البقرة:75]. قال الحسن: هو ما حرّفوا من كلام الله.
قوله: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ المَنَّ وَالسَّلْوَى}. ذكروا أن مجاهداً قال: الغمام غير السحاب.
قال الكلبي: لما سلكوا مع موسى أرض التيه والمفاز ظلّل الله عليهم الغمام بالنهار، يقيهم حر الشمس، وجعل لهم بالليل عموداً من النار يضيء لهم مكان القمر، وأنزل عليهم المنّ والسلوى.
قال بعضهم: المنّ صمغة تسقط عليهم من السماء. وكان ينزل عليهم المنُّ في محلّتهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. وكان أشد بياضاً من الثلج، وأحلى من العسل؛ فيأخذ أحدهم ما يكفيه يومه، وإن تعدّى ذلك فسد ولم يبق عنده. حتى إذا كان يوم سادسهم، يعني يوم الجمعة، أخذوا ما يكفيهم ذلك اليومَ ويومَ سابعهم، يعني السبت، فيبقى عندهم، لأن يوم السبت إنما كانوا يعبدون الله فيه، لا يشخصون لشيء من الدنيا ولا يطلبونه. قال: والسلوى السُّمَانَى، طير إلى الحمرة كانت تحشرها عليهم الجنوب، فيذبح الرجل ما يكفيه يومَه، فإن تعدّى ذلك فسد ولم يبق عنده، إلا يوم الجمعة فإنهم كانوا يذبحون ليومهم والسبت.
قوله: {كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} يعني بالطيبات المن والسلوى {وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} أي بمعصيتهم. وقال بعضهم يضرّون أنفسهم. وقال بعضهم ينقصون أنفسهم، وذلك تعدّيهم في المن والسلوى.