التفاسير

< >
عرض

وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ فَمَا ٱسْتَكَانُواْ لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ
٧٦
حَتَّىٰ إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ
٧٧
وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنْشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ
٧٨
وَهُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
٧٩
وَهُوَ ٱلَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ ٱخْتِلاَفُ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ
٨٠
بَلْ قَالُواْ مِثْلَ مَا قَالَ ٱلأَوَّلُونَ
٨١
قَالُوۤاْ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ
٨٢
لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَآؤُنَا هَـٰذَا مِن قَبْلُ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ
٨٣
قُل لِّمَنِ ٱلأَرْضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
٨٤
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ
٨٥
قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلسَّبْعِ وَرَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ
٨٦
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ
٨٧
قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
٨٨
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ
٨٩
بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ
٩٠
مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ
٩١
عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ فَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ
٩٢
-المؤمنون

تفسير كتاب الله العزيز

قوله: {وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ} يعني ذلك الجوع في سبع سنين. {فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ} يقول: لم يؤمنوا، وقد سألوا أن يرفع ذلك عنهم فيؤمنوا. فقالوا: { رَّبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا العَذَابَ } [الدخان: 12] وهو ذلك الجوع {إِنَّا مُؤْمِنُونَ}. فكشف الله عنهم فلم يؤمنوا.
قال: {حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ} يعني يوم بدر؛ أي: القتل بالسيف، نزلت بمكة قبل الهجرة، فقتلهم الله يوم بدر. قال: {إذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} أي: يئسون [يئسوا من كل خير].
قوله: {وَهُوَ الذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ} يعني سمعهم وأبصارهم وأفئدتهم {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} أي: أقلّكم من يشكر، أي: من يؤمن.
قوله: {وَهُوَ الذِي ذَرَأَكُمْ} أي: خلقكم {فِي الأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} أي: يوم القيامة.
قوله: {وَهُوَ الذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلاَفُ الّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} يقوله للمشركين، يذكّرهم نعمته عليهم؛ يقول: فالذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة، والذي يحيي ويميت، والذي له اختلاف الليل والنهار قادر على أن يحيي الموتى.
قال: {بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُونَ}. ثم أخبر بذلك القول فقال: {قَالُوا أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ. لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَءَابَآؤُنَا هذَا مِن قَبْلُ} أي: وعدنا أن نبعث نحن وآباؤنا فلم نبعث، كقوله:
{ فَأتُوا بئَابَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } [الدخان: 36]. قوله: {إِنْ هذَآ إِلآ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ} أي: كذب الأولين وباطلهم. فأمر الله نبيّه أن يقول لهم:
{قُل لِّمَنِ الأَرْضُ وَمَن فِيهَآ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} وقال: {سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُل} أي: وإذا قالوا ذلك فقل {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} فتؤمنوا وأنتم تُقِرّون أن الأرض ومن فيها لله.
ثم قال: {قُل} لهم يا محمد {مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ} قال: {سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} فإذا قالوا ذلك {قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ} وأنتم تقرون أن الله خالق هذه الأشياء، وهو ربها. وقد كان مشركو العرب يقرّون بهذا كله.
ثم قال: {قُلْ} لهم يا محمد {مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ} {مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} أي: ملك كل شيء وخزائنه. {وَهُوَ يُجِيرُ} من يشاء، فيمنعه فلا يوصل إليه {وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ} أي: من أراد أن يعذّبه لم يستطع أحد منعَه {إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}.
ثم قال: {سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} فإذا قالوا ذلك {قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} أي: عقولكم، يشبّههم بقوم مسحورين، ذاهبة عقولهم. ثم قال: {بَل أَتَيْنَاهُم بِالْحَقِّ} أي: بالقرآن، أنزله الله على النبي عليه السلام {وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}.
{مَا اتَّخَذَ اللهُ مِن وَلَدٍ} وذلك لقول المشركين: الملائكة بنات الله. قال: {وَمَا كَانَ مَعَهُ مِن إلهٍ}. وذلك لما عبدوا من الأوثان واتخذوا مع الله الآلهة قال: {إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إلهٍ بِمَا خَلَقَ} [يقول: لو كان معه آلهة إذاً لذهب كل إله بما خلق] {وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} أي: لطلب بعضهم هلاك ملك بعض، حتى يعلو عليه كما يفعل ملوك الدنيا.
{سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ} ينزّه نفسه عما يكذبون. {عَالِمِ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} قال الحسن: الغيب ها هنا ما لم يجئ من غيب الآخرة، والشهادة ما أعلم العباد. {فَتَعَالى} أي: ارتفع الله {عَمَّا يُشْرِكُونَ} رفع نفسه عما قالوا.