التفاسير

< >
عرض

لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُمْ مِّن فَضْلِهِ وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ
٣٨
وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّـٰهُ حِسَابَهُ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ
٣٩
أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ
٤٠
-النور

تفسير كتاب الله العزيز

قوله: {لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا} أي: ثواب ما عملوا، [يجزيهم به الجنة] {وَيَزِيدَهُم مِّنْ فَضْلِهِ} فأهل الجنة أبداً في مزيد.
ذكروا عن كعب قال: وجدت في التوراة أن بيوتي في الأرض المساجد، فمن توضأ في بيته ثم زارني في بيتي أكرمته، وحق على المزور أن يكرم زائره، ووجدت في القرآن: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالأَصَالِ رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَآءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ وَالأَبْصَارُ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّنْ فَضْلِهِ}.
قال: {وَاللهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [تفسير بعضهم يقول: لا أحد يحاسبهم بما أعطاهم الله].
ذكروا عن أسماء بنت يزيد بن السّكن الأنصارية قالت:
"سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا جمع الله الناس يوم القيامة: الأولين والآخرين جاء مناد فينادي: سيعلم الجمع من أولى بالكرم، أين الذين {لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ}؟ فيقومون، وهم قليل، إلى الجنة بغير حساب. ثم ينادي المنادى بصوت له رفيع يسمع الخلائق كلهم: سيعلم الجمع من أولى بالكرم؟ أين الذين {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}؟ فيقومون وهم أكثر من الصنف الأول إلى الجنة. ثم يرجع المنادي فينادي: سيعلم الجمع اليوم من أولى بالكرم، أين الحامدون الله في السراء والضراء الذين يحمدون الله على كل حال، فيقومون وهم أكثر من الصنف الأول إلى الجنة، فيحاسب من بقي من الناس" .
قال: {وَالذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بقِيعَةٍ} وهذا مثل المنافق. والقيعة القاع، وهو القرقر. {يَحْسَبُهُ الظَّمْئآنُ} أي: العطشان {مَآءً حَتَّى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيئاً} يقول:
إن المنافق أقرّ بالله ربّاً، وبمحمد نبيّاً، وبما جاء به حقّاً، ولم يعمل لله شيئاً بما أقرّ له به، واعتمد على الإِقرار دون الوفاء بالأعمال، حتى إذا صار إلى الآخرة لم يجد ثواب عمله إذ لم يكمل لله فرائضه، وحسب أن الله يُثيبه على الإِقرار دون الوفاء بالأعمال؛ فكان مثله مثل العطشان الذي رأى السراب فظنَّ أنه ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً. وهو كقوله:
{ مَثَلُ الذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ البَعِيدُ } [إبراهيم: 18]. والعطشان مثل المنافق والسراب مثل إقراره يحسب أنه أغنى عنه شيئاً، حتى يأتيه الموت، فإذا جاءه الموت لم يجد إقراره أغنى عنه شيئاً إلا كما ينفع السّرابُ العطشانَ.
قوله: {وَوَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ} أي: ثواب عمله السيء وهو النار. {وَاللهُ سَرِيعُ الحِسَابِ}.
ثم ضرب الله مثل المشرك فقال: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ} فهذا مثل آخر للكافر المشرك، أي: مثل قلب المشرك في بحر لجي [أي: عميق قعير أي: غمر] {يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ} ثم وصف ذلك الموج فقال: موج {مِّنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ} أي: ظلمة البحر وظلمة الموج وظلمة السحاب وظلمة الليل، فكذلك قلب المشرك مظلم في صدر مظلم في جسد مظلم. قال: {إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} أي: من شدة الظلمة {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ}.
فهذه ثلاثة أمثال مثلها الله في هذه السورة: مثل المؤمن، ومثل المنافق، ومثل المشرك، بيّنة واضحة معقولة. قال:
{ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ العَالِمُونَ } [العنكبوت: 43].