التفاسير

< >
عرض

وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
١٣٥
أُوْلَـٰئِكَ جَزَآؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ
١٣٦
قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ
١٣٧
هَـٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ
١٣٨
وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ
١٣٩
إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّالِمِينَ
١٤٠
-آل عمران

تفسير كتاب الله العزيز

قوله: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ} في أنفسهم وعلموا أنه سائلهم عن ذلك فخافوه وتابوا إليه من ذلك. {فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ} ثم قال: {وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ}. وكان جابر بن زيد إذا قرأ هذه الآية: {ومن يغفر الذنوب إلا الله} قال: لا أحد يغفرها غيرك يا الله.
ذكروا عن أبي موسى الأشعري قال: جلست إلى رجل من المهاجرين فسمعته يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"أيها الناس، استغفروا الله وتوبوا إليه، إني لأستغفر الله كل يوم مائة مرة" . ذكر بعض السلف قال: ما جاور عبداً في قبره خير له من الاستغفار.
قوله: {وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا} أي من المعصية {وَهُمْ يَعْلَمُونَ}.
ذكروا عن ابن عباس قال: كل ذنب أقام عليه العبد حتى يموت فهو كبيرة، وكل ذنب تاب منه العبد قبل أن يموت فليس بكبيرة. وقال بعضهم: كان يقال: لا قليل مع الإِصرار ولا كثير مع الاستغفار.
قوله: {أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} قد فسّرناه قبل هذا الموضع. {خَالِدِينَ فِيهَا} أي لا يموتون ولا يخرجون منها {وَنِعْمَ أَجْرُ العَامِلِينَ} أي الجنة.
قوله: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ} يعني ما عذب الله به الأمم السالفة حين كذبوا رسلَهم. وقال في آية أخرى:
{ سُنَّتَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ } [غافر:85] والتي قد خلت من قبل في الكفار أنهم إذا كذبوا رسلهم أَهلكهم الله.
قال: {فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ}. كان عاقبتهم أن دمّر الله عليهم، ثم صيّرهم إلى النار؛ يحذّرهم ذلك.
قوله: {هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ} قال بعضهم: هذا القرآن بيان للناس عامة {وَهُدًى} يهديهم الله به {وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ} أي: خصّهم الله به.
قوله: {وَلاَ تَهِنُوا} أي لا تضعفوا عن قتال المشركين {وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ} أي وأنتم الظاهرون عليهم والمنصورون. إنهم لما انكشفوا يوم أحد، فصعدوا الجبل علاهم خالد بن الوليد من فوق الجبل وجاءهم أبو سفيان، فقال الله: {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ} {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}.
وأمر رسول الله أصحابه بطلب القوم، فكرهوا ذلك وشكوا إليه الجراح، فأنزل الله: {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}. أديل المؤمنون يومَ بدر عليهم، فقتلوا سبعين وأسروا سبعين، وأديل المشركون عليهم يوم أحد، فقتلوا سبعين من أصحاب النبي وجرحوا سبعين.
قال: {وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا} أي: ليعلم الله من يطيعه ممن يعصيه، وهذا علم الفعال. {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} أي المشركين. قال الحسن: فيها تقديم؛ يقول: وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ. وقال: قد مسّ القومَ قرح مثله يوم بدر. والقرح الجراح.
وقال مجاهد: جراح وقتل. وقال بعضهم: القرح الجراح، وذلك يوم أحد، وقد فشا في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ القتل والجراحات، فأخبرهم الله أن القوم أصابهم من ذلك مثل ما أصابكم، [وأن الذي أصابكم] عقوبةٌ قال: وتفسير تلك العقوبة بعد هذا الموضع.
قوله: {وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}، قال: لولا أن الله جعلها دولاً بين الناس ما أوذي المؤمنون، ولكن قد يُدال الكافر من المؤمن، ويُدال المؤمن من الكافر.