التفاسير

< >
عرض

يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىۤ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا فَعِنْدَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذٰلِكَ كُنْتُمْ مِّن قَبْلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً
٩٤
لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ وَٱلْمُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَٰهِدِينَ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَٰعِدِينَ دَرَجَةً وَكُـلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَٰهِدِينَ عَلَى ٱلْقَٰعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً
٩٥
دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً
٩٦
-النساء

تفسير كتاب الله العزيز

قوله: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىۤ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً} ذكر بعضهم أنهم نزلت في شأن مرداس رجل من غطفان.
ذكر لنا أن نبي الله بعث جيشاً عليهم غالب الليثي إلى أهل فدك، وبه أناس من غطفان. وكان مرداس منهم؛ ففر أصحابه، فقال لهم مرداس: إني مؤمن وإني غير متابعكم. فصبَّحته الخيل غدوة. فلما لقوه سلّم عليهم، فقتلوه، وأخذوا ما كان معه من متاع؛ فأنزل الله: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىۤ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً}. لأن تحية المؤمنين السلام، بها يتعارفون، وبها يلقى بعضهم بعضاً، وهي تحية أهل الجنة.
{تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ}. وذلك في تفسير الحسن أن رجلاً من المشركين لما غشيه المسلم في سيره، ومعه متاع له فرغب فيه وهو على حمار له فذهب ليقتله فقال: إني مسلم فلقيه فقتله، فأخذ متاعه فأنزل الله هذه الآية: {فَعِندَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ} يعطيكموها... إلى آخر الآية.
{كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ} أي ضُلاَّلاً {فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ} بالإِسلام وهداكم له.
وقال الحسن: كذلك كنتم من قبل مشركين مثلهم فأعطيتم ما أعطاكم فقبل منكم، فهلاَّ قبلتموه منهم. {فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً}.
قوله: {لاَّ يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرَ أُولِي الضَّرَر وَالمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بَأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ}. ذكروا عن البراء بن عازب قال: لما نزلت هذه الآية:
"لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله جاء ابن أم مكتوم إلى النبي عليه السلام فقال: يا رسول الله، أنا كما ترى، كان أعمى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ادعوا لي زيداً وليأتني باللوح أو الكتف. فأنزل الله: {غَيْرُ أُوْلي الضَّرَرِ}" ، فأنزل الله عذره.
وقال الحسن: هو كقوله:
{ لَّيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى المَرِيضِ حَرَجٌ } [الفتح:17].
قوله: {فَضَّلَ اللهُ المُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى القَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ} أي المجاهد والقاعد {وَعَدَ اللهُ الحُسْنَى} والحسنى الجنة. وعد الله المجاهدين من المؤمنين الجنة. وهذه نزلت بعد ما صار الجهاد تطوّعاً.
{وَفَضَّلَ اللهُ المُجَاهِدِينَ عَلَى القَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَّحِيماً}.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" من أقام الصلاة وآتى الزكاة ومات لا يشرك بالله فإن حقاً على الله أن يغفر له، جاهد أو قعد" .
وفي قوله: {فَضَّلَ اللهُ المُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى القَاعِدِينَ} ذكروا عن عطاء أنه قال: من جهَّز غيره بمال في سبيل الله كان له بكل درهم سبعمائة ضعف، ومن خرج بنفسه وماله كان له بكل درهم سبعمائة ضعف وبكل ضعف سبعون ألف ضعف، و { إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقِينَ } [المائدة:27].