التفاسير

< >
عرض

وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي ٱلأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ
١٠
وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ
١١
قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ
١٢
قَالَ فَٱهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَٱخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّاغِرِينَ
١٣
قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
١٤
قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ
١٥
قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ
١٦
-الأعراف

تفسير كتاب الله العزيز

قوله: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ}. قال الحسن: يعني المشركين بعد الماضين، فجعلناكم خلائف بعدهم. {وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} أي: أقلكم الشاكرون، يعني أقلكم المؤمنون، أي أقلكم من يؤمن.
قوله: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} أي الخلق الأول: آدم من طين، ونسله بعده من نطفة {ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ} أي: بعد خلق آدم، قبل خلقكم من النطف {اسْجُدُوا لأَدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ}.
قال بعضهم: خلق الله آدم من طين، ثم صوّرناكم في بطون أمهاتكم. وقال مجاهد: ثم صورناكم في ظهر آدم.
وقال الكلبي: خلقناكم من نطفة، ثم علقة ثم مضغة ثم عظماً ثم لحماً، ثم صورناكم، أي العينين والأنف والأذنين واليدين والرجلين صوراً نحوا من هذا. ثم جعل حسناً وقبيحاً، وجسيماً وقصيراً وأشباه ذلك. ثم رجع إلى قصة آدم عليه السلام فقال: ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين. قال بعضهم: كانت الطاعة لله والسجود لآدم.
قوله: {إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ}. وقال في آية أخرى:
{ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجِنِّ } [الكهف:50]. ذكروا عن ابن عباس أنه قال: لو لم يكن من الملائكة لم يؤمر بالسجود. وقال بعضهم: كان من الجن وهم جنس من الملائكة يقال لهم الجن. وقال بعضهم: جن عن طاعة ربّه.
وقال الحسن: إن إبليس ليس من الملائكة وإنه من نار السّموم، وإن الملائكة خلقوا من نور الله، وإن الله أمر الملائكة بالسجود لآدم وأمر إبليس أيضاً بالسجود له، فجمع المأمورين جميعاً.
قوله: {قَالَ: مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ. قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا} يعني في السماء {فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ. قَالَ أَنظِرْنِي} أي أخِّرني {إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ} وقال في آية أخرى:
{ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ } [سورة ص:81] أي إلى النفخة الأولى. وأما قوله ها هنا: {إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ} ففيها إضمار: إلى يوم الوقت المعلوم.
{قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي} أي: فبما أضللتني. وقال الحسن: فبما لعنتني {لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المُسْتَقِيمَ} أي: فأصدّهم عنه.
ذكروا عن الحسن قال: ليس من هذا الخلق شيء إلا وقد توجه حيث وجه. ولولا أن ابن آدم قعد له على الطريق، أي الشيطان، فيخبل له حتى عدله، مضى كما مضى سائر الخلق. يعني أن بني آدم ابتلوا بما لم يُبتل به غيرهم من الخلق.