التفاسير

< >
عرض

مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوۤاْ أُوْلِي قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ
١١٣
وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ
١١٤
وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
١١٥
-التوبة

تفسير كتاب الله العزيز

قوله: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الجَحِيمِ}.
ذكر بعضهم قال: كان أنزل في سورة بني إسرائيل:
{ وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً } [الإِسراء:23-24]؛ ثم أنزل الله في هذه السورة: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى...} الآية؛ فلا ينبغي [للمسلم] إذا كان أبواه مشركين أن يستغفر لهما، ولا يقل: ربّ ارحمهما؛ وكذلك إذا كانا منافقين.
قال الحسن: {مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الجَحِيمِ} أي: ما توا على الكفر والنِّفاق. وقال بعضهم: كان يقال: ليقل: اللهم اهده، ولا يقل: اللهم اغفر له.
قوله: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ}.
في تفسير ابن عباس والحسن: فلما مات تبيّن له أنه عدوٌّ لله. وكان إبراهيم يرجوه ما كان حيّاً، فلما مات تبيّن له أنه عدوّ لله، لأنه مات على الكفر.
وقال الكلبي: إن النبي عليه السلام سأل: أيّ قرابته أحدث به عهداً، فقيل: أمك. فأراد أن يستغفر لها، وقال استغفر إبراهيم لأبويه، وهما مشركان. فلما همّ أن يستغفر لأمه جاءه جبريل وقال: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ}. يقول: فلما مات علم أنه لا توبة له، فتبرأ منه.
وقال بعضهم: ذكر لنا أن رجلاً قال لنبي الله عليه السلام: إن من آبائنا من كان يُحسِن الجوار، ويصل الأرحام، ويفي بالذِّمم، أفلا نستغفر لهم. قال:
"بلى، فوالله إني لأستغفر لهم، يعني والديه، كما استغفر إبراهيم لوالديه" . فأنزل الله هذه الآية: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ}. وقال في قوله: {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ} أي: لما مات على شركه {تَبَرَّأَ مِنْهُ}.
قوله: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} قال بعضهم: الأوّاه: الرحيم. ذكروا عن عبد الله بن مسعود أنه قال: الأوّاه: الرحيم. وبعضهم يقول: هو الدَّعَّاء. [وقال ابن عباس: الأوَّاه: الموقن].
قوله: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}.
بلغنا أن أناساً من أصحاب النبي عليه السلام ماتوا قبل أن تفرض الفرائض أو بعضها، فقال قوم من أصحاب النبي: مات إخواننا قبل أن تفرض هذه الفرائض، فما منزلتهم، وقد كانوا مؤمنين بما فرض عليهم يومئذٍ، فأنزل الله هذه الآية، فأخبر أنهم ماتوا على الإِيمان.