التفاسير

< >
عرض

بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ
١
ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ
٢
ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ
٣
مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ
٤
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
٥
ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ
٦
صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ
٧
-الفاتحة

هميان الزاد إلى دار المعاد

{الْحَمْدُ لِلَّهِ} - أل: فى الحمد للاستغراق، وكأنه قيل كل فرد من أفراد الحمد لله. وإن قلت فالاسم بعده نكرة، إذا قلت: بل معرفة فإن أل لتعريف الجنس، بغير كونه مراد به استغراق أفراده، تلك هى الحقيقة، واختصاص الجنس على هذا الوجه لا يستلزم اختصاص جمع الأفراد، فيظهر أن الحمل على الجنس محافظة على الجنس محافظة على مذهبه، إلا أن يقال: إنه يمكن اختيار الاستغراق، بناء على تنزيل ما عدا محامده - تعالى - منزلة العدم، إذ لا يعتد بمحامد غيره - تعالى - بالقياس إلى محامده. فلا فرق إذاً بين اختصاص الجنس والاستغراق، فى أنهما ينافيان ظاهرا طريقة الاعتزال فيه قاعدة خلق الأعمال وأن منافاتهم تندفع بأحد الجوابين المذكورين فلا ترجيح لاختيار أحدهما على الآخر من هذا الوجه.
وقال ابن عبد السلام: هى للعهد أى لتعريف الشىء المعهود. وأجازه الواحدى على معنى: أن الحمد الذى حمد الله - سبحانه وتعالى - به نفسه، وحمده به أنبياؤه مختص به تعالى. وبحث بأن الحمد الذى حمد به نفسه وحمده به من ذكر من لازمه أنه مختص به، فلا حاجة إلى دلالة الجملة عليه ولا فائدة فيه، إذ لا يتصور إضافته لغيره. وأجيب بأن الذى هو من لازمه الاختصاص الوقوعى، والمقصود الدلالة على الاختصاص الاستحقاقى تأمل والعبرة بحمد من ذكر، فلا فرد من الحمد لغير الله تعالى وأولى الأقوال أنها للجنس لأن فيه سلوك طريق البرهان ويزيد بالنسبة للثالث. إن العهد لا يفيد اختصاص الحمد مطلقا. وكما يقال للام التعريف إنها للجنس، يقال إنها للحقيقة وللطبيعة وللماهية المطلقة، والماهية تارة تعتبر بشرط لا شئ، وتارة لا بشرط شئ، والأولى مقيدة بالعدم. وقد تسمى مطلقة كتسمية الماء المقيد بعدم التغير بالماء المطلق. والمراد هذا المطلقة بالمعنى الثانى.
واعلم أن أل إذا دخلت اسم جنس فإما أن يشار بها إلى حصة معينة من مسماه: فردا كانت أو أفرادا، مذكورة تحقيقا أو تقديرا. وتسمى لام العهد الخارجى، ونظيره العلم الشخصى. وإما أن يشار بها إلى مسماه من حيث هو كما فى التعاريف. ونحو قولك: الرجل خير من المرأة، وتسمى لام الحقيقة والطبيعة، ونظيره العلم الجنسى. وإما أن يقصد المسمى من حيث هو موجود فى ضمن الأفراد بقرينة الأحكام الجارية عليه الثابتة له فى ضمنها. فأما فى جميعها كما فى المقام الخطابى لعلة إيهام فىأن القصد إلى بعضها دون بعض، ترجيح لأحد المتساويين على الآخر. وتسمى لام الاستغراق. ونظيره كلمة كل مضافة إلى نكرة، وأما فى بعضها كقولك: ادخل السوق حيث لا عهد، ويسمى معهود ذهنيا، ومؤداه مؤدى النكرة. وأدرج المعاينون العهد الذهنى مع العهد الذكرى، تحت قولهم العهد الخارجى. وجعلوا الذهنى أن تكون الإشارة باللام إلى الحقيقة، ومن حيث وجودها فى ضمن الأفراد كقولك: ادخل السوق واشتر اللحم، حيث لا عهد فى سوق أو اللحم. ومعنى أل مطلقا التعريف، ولام الاستغراق جنسية أيضا فيما ذكر المحققون.. والله أعلم.
والحمد هو الثناء على الجميل الذي ليس باضطرارى من نعمة أو غيرها على جهة التعظيم، وإنما قلت الذى ليس باضطرارى ليشتمل ما هو اختيارى وما لا يصدق عليه أنه ضرورى، والاختيارى كصفات الله الذاتية فإن إطلاق الضرورة عليها محال لاقتضاء أنه مغلوب مقهور، تعالى عن ذلك وعن كل نقص، ولاقتضائه حدوثها فإن المقهور به حادث أحل فى المقهور وإطلاق الاختيار عليها محال أيضا لاقتضائه حدوثها، وأنه أحدثها بعد أن لم تكن ولا يصح إطلاقه عليها إلا بمعنى مجرد نفى الضرورة أو بتنزيلها منزلة الاختيارية إذا انتفى عنها الاضطرار. وإن قلت الثناء يكون باللفظ فلا حمد مما لا يوصف باللفظ، ونحن لا نشك فى أن الله عز وجل حمد نفسه، ولا فى قوله وإن من شئ إلا يسبح بحمده. قلت: المراد إنما هو تعريف الحمد اللفظى، بل لا مانع من جعل حمد الله اللفظى مثل أن يخلق اللفظ فى الهواء، أو فى لسان جبريل، أو زيد مثلا، أو حيث شاء، وأن يخلق اللفظ مستقلا كالذات. والفرق بين الحمد المخلوق على لسان جبريل مثلا، وبين حمده هو لله، أن الأول يجرى على لسانه من غير قصد إليه وإلى تأليفه المخصوص. وأيضاً الغالب فى الحمد أن يكون باللفظ ويبحث بقوله تعالى:
{ ما نفدت كلمات ربى } }. ويجاب بأن المراد الغالبية فى القول الحمدى، وأيضاً يصح أن يقال: أريد بالثناء ما عدا ما يكون بالجنان والأركان. وعبرنا بالثناء لأن الغالب حمد باللفظ، وحاصل التعريف أنه ثناء يكون باللسان غالبا، ولا يرد عليه أنه يلزم دخول ما بالجنان والأركان فى الجملة. لأن المراد أن الحمد هو الثناء على وجه يكون ذلك الوجه غالبا باللسان، أو الحاصل أنه الثناء بغير الجنان والأركان. والمراد بالثناء الإتيان بما يدل على الجميل من قول ونحوه، وإن لم يكن باللسان فيكون حمد الله تعالى نفسه مثلا الدلاله على الاتصاف وإثبات القول اللفظى قائماً بذاته منزها به عن الترتيب والحدوث والزوال والكلام النفسى، أى المعنى لا اللفظى يفضى إلى التشبيه بجعله محلا. وإذا أوجد الله سبحانه لفظا فى محل أو فى الهواء، فقد صح صدور القول وما يدل على الاتصاف من غير الجنان والأركان، فيكون حامدا وليس من شرط إطلاق كل مشتق حقيقة لن يقوم المبدأ بمن أطلق عليه حقيقة. ألا تراهم يقولون: حداد ولبان وتمار، ولابن وتامر، وليس الحديد واللبن والتمر حادثة منه حدوث أفعاله منه، فيجوز كون الحمد من هذا القبيل، فيكون حمد الله لنفسه حقيقة، وهو حامد حق ويدل لذلك أن كل كمال يجب ثبوته له، ومن الكمال أن يكون محمودا حق الحمد، وغيره لا يقدر على حق الحمد. وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم: "سبحانك ما عرفناك حق معرفتك" وورد عنه صلى الله عليه وسلم: "لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" . وإن قلت من الكمال أن يعبد حق عبادته، ولبس معبودا حقها، قلت الفرق ظاهر، لأن عبادة الشئ نفسه غير معقول، بخلاف حمد نفسه، فلا يكون هذا نقضا. وأما قوله تعالى: { وإن من شئ إلا يسبح بحمده } فمجاز، ولكل شئ كلام إذا أراد الله أسمعه من شاء، كما سلم الحجر والشجر على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولك أن تقول: ما فى الكتاب والسنة مما يخالف التعريف السابق. ما أول مصروف عن الظاهر، فقول الله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} إخبار باستحقاق الحمد، أو رجوع المحامد، أو ثبوت كماله، أو اختصاص الحمد، أو أمر بالحمد أو الإخبار، أو مجاز عن إظهار صفة الكمال. وهو بالفعل أقوى، أو هو حمد شرعى، وهو أعم من اللغوى المراد بالتعريف فلا يلزم ما فى المجاز المحض من البعد والمنقول الشرعى أكثر من أن يحصى، والنقل والاصطلاح لا يثبتان بالاحتمال، لكن ثبت الدليل الظنى من الثقات أن الحمد اللغوى إنما يكون بالآلة. وقد ثبت فى الشرع الحمد ممن تنزه عن الآلة. وكلام الشارع محمول على الحقيقة بحسب الإمكان. فالظاهر أن له فيه اصطلاحا، والحمد حينئذ حقيقة عرفية. وهذا القدر بل دونه يكتفى به فى الظنيات، أما ترى أن الوضع الشرعى غالباً لم يثبت إلا بالإمارات، واحتمال شهرة المجاز موجود فى الكل أو الحل، ورجح بعض من خشى على المطول أن الحمد مما ليس له لسان مجاز، وقال: لما ثبت النقل الصريح أن الحمد فى اللغة لا يكون إلا فى اللسان، تعين أن يكون الحمد إذا أطلق على ما لا يكون باللسان مجاز. انتهى.
ويبحث بأن النقل إنما يوجب الجزم واليقين لو لم يكن قابلا للتأويل لما جاز التأويل بالصرف عن الظاهر وبأنه حقيقة شرعية لم يتعين المجاز أصلا، وإن أراد بالتعيين كما للترجيح والأولوية مبالغة لأن المسامحة فى التعريف بعيدة جدا، ففيه أن حمل نص الكتاب والسنة على المجاز فى مواضع عديدة أبعد، وقد تقرر أن الحمل على المجاز لا يجوز إلا عند المانع من الحقيقة والمسامحة فى التعريف، ولا سيما فى العلوم النقلية والمعانى اللغوية عند قيام القرينة شائعة وإطلاق الحمد والثناء فى كلام الله تعالى ورسوله والبلغاء والعرب العرباء على ما ليس باللسان قرينة تامة والأرجح حمل مثل ذلك التعريف على المسامحة بالتأويل فى كلام الله ورسوله والبلغاء، وأما ما مر من كونه حمدا شرعنا فلا يدفع البعد بالكلية، والمسامحة فى التعريف أولى وأقرب من ترك الظاهر والحقيقة اللغوية من غير داع، إذ قل ما يوجد تعريف تام خال من المسامحة والتكليف بالكلية على أنه إذا دار الأمر بين الوضع الجديد والمسامحة فى التعريف، فلعل الثانى أولى لما اشتهر من أن المجاز خير من الاشتراك، وما نحن فيه يشبه ذلك. ومعنى قولنا على الجميل لأجل الجميل بأن يكون الثناء بالجميل بإزائه ومقابله، بمعنى أن المحمود لما كان له ذلك الشىء ذكر جميله وأظهر كماله فهو لأجل حصوله له، ولولاه لم يوصف أى لم يتحقق ذلك الوصف، فهو كالعلة الباعثة للواصف على الوصف، كما فى حمد الله تعالى، إذ لا باعث فى حقه تعالى. أو هو العلة كما فى حمد الخلق، وإنما وجب فى المحمود عليه أن يكون جميلا، وكمالا لأنه لا يكون غير الكمال سببا لإظهار الكمال والتعظيم. ويحتمل أن يكون أعم من الكمال فى ذاته، أو فى زعم الحامد أو المحمود كما فى المحمود به، إذ لا فرق بين المحمود عليه والمحمود به فى ذلك، وقد يفرق بأن الباعث على التعظيم لا بد أن يكون أمرا عظيما عند المعظم، وكون الشىء عظيما عند غيره مع نقصه عنده، لا يصير سببا للتعظيم بخلاف المحمود به، فإنه فى الحقيقة ما يظهر بإجرائه على الموصوف إذ الواصف يعظمه. ولا يبعد أن يظهر ذلك بما هو عظيم عند من يظهر له، وهو المحمود بأيه يفهم منه فى الجملة الكمال وقصد التعظيم. ومن هنا تحقق أن المحمود عليه يجب أن يكون جميلا فى اعتقاد الحامد. وإنما قلت على الجميل يشمل ما هو فعل الفاعل وما ليسه..
وقال الفخر والسعد والدوانى: الفعل الجميل يعنى أن فعلا صادرا عن المحمود، كما صرح به الفخر فقال: لا يحمد إلا الفاعل المختار على ما صدر عنه بالاختيار، فلا يكفى أن يكون للمحمود دخل فى صدوره عن الغير على وجه الفاعلية، لأن التعظيم حينئذ من جهة تعلق الفعل به لا من جهة كونه فعلا، فيضيع اشتراط كونه فعلا. فإن قلت من الجائز أن يكون للذات اختيار فى حصول صفة، ولا يكون فاعلا لها، فلا يلزم من التقييد بالاختيار أن يكون المحمود فاعلا، قلت هذا لو جاز عقلا لكن النقل يخالفه. وأما الجواب بأن المراد أنه يلزم أن يكون فعلا، وإن لم يكن ذلك محمودا عليه، وذلك لازم من التقييد فهو بعيد عن التحقيق، لأن المحمود عليه يجب أن يكون فعلا للمحمود. فان قلت: كثيراً ما يحمد على العلم والكرم والأخلاق العلية النفسانية. قلت: المدح يجوز على صفات الذات كالعلم وصفات الفعل كالعطاء. والحمد لا يجوز إلا على صفات الفعل كالخلق والرزق، ولكن ظاهر تحقيقات المتأخرين: أن المراد الفعل عرفا، والعرف يعد ذلك أفعالا، تقول: علمت وحلمت، كما يقال: أكرمت وأعطيت، وهو كلام النحاة. وقد صرح السيد الشريف وغيره، بكون الكيفيات النفسانية تعد أفعالا، فالحمد حقيقة على الإنعام لا النعمة، إذا النعمة ليست فعلا حقيقة ولا فعلا بالعرف. ولذا قال التفتازانى: النعمة بمعنى الإنعام، ولكن قوله فى المطول: الحمد على الإنعام أمكن من الحمد على النعمة، يدل على جواز الحمد على النعمة، وهى غير فعل لا تحقيقا ولا عرفا. فلعله أراد جواز الحمد عليها من حيث تعلقها بالمحمود بالصدور عنه لا لذاتها. فيرجع ذلك إلى الحمد على الإنعام والحمد على الإنعام لذاته فكان أمكن. فلا شبهة لعاقل فى أن المحمود عليه يجب أن يكون أمرا فى المحمود، فإن الأمر الأجنبى عن شخص لا يكون سببا لثناء ذلك الشخص وتعظيمه، وإلا كان ممكنا أن يحمد زيد على ما لم يتعلق به من فعل بكر وغيره. وقولى: على جهة التعظيم، معناه على جهة التعظيم ظاهرا وباطنا، فيندفع ما قد يقال: الكون على جهة التعظيم لا يقتضى حتما أن يكون التعظيم موجودا، لأن الأعم لا يستلزم الصدق بأخص المعين. وتعلم من إطلاقى أنه لا يلزم أن يكون الحمد فى مقابلة إحسان إلى الحامد، وخرج بذكر التعظيم الثناء على الجميل استهزاء أو تقريعا على زعم الموصوف، نحو:
{ ذق إنك أنت العزيز الكريم } وتمليحا أن إتيانا بالشئ المليح للإضحاك أو غيره، أو إخبارا بالواقع. هكذا يقال فى مثل ذلك التعريف، وقد يقال: لا حاجة فى خروج الاستهزاء والتقريع إلى ذكر التعظيم، لخروجه بقولهم على الجميل، لأن المحمود عليه. فإن المعنى أن الجميل الاختيارى باعث على الثناء وسبب فيه. ولا يكون الجميل الاختيارى باعثا على الثناء وسببا فيه، إلا على جهة التعظيم. ولا يتصور ثناء متسبب من جميل اختيارى حقيقة على وجه الاستهزاء أو التقريع، إلا أن يقال: قولهم على الجميل يشمل ما كان لأجله، بحسب ما يدل عليه اللفظ أو السياق، وإن لم يكن بحسب الحقيقية. وقد يقال: يتصور ذلك كما فى إعطاء شئ حقير وإن قلت المستهزئ لم يرد الوصف بالجميل بل بنقيضه، قلت: إن إريد الجميل حينئذ مستعمل فى غير ما وضع له تجوزا. فهو ممنوع، فإن القائل بمنزلة من يعلم كذب كلامه، وإلا فقد وجب قيد آخر على أنه لا يجرى فى التقريع. والإيضاح مقصود فى التعريف والتعظيم قسمان: ظاهر وباطن، فالظاهر يشعر به اللفظ على أن يكون فى قوله أو فعله مد يدل على التحقير والهزء، والباطن مطابقة الاعتقاد، فإن كان ما يدل على ذلك أو لم يطابق الاعتقاد اللفظ لم يكن حمدا، وكذا إذا قصد مجرد الإخبار، وقد يبحث فيه بأنه لا يعد فى أن يكون الدلالة على التعظيم كافية فإن الوصف الحسن إذا لم يقترن بالمخالف يعد حسنا عرفا، ولا يعد الواصف مستهزئاً غير أنه قد صرح الثقات: كأبى سليمان داودرحمه الله باشتراط التعظيم، وإن قلت اشتراط كون المحمود عليه جميلا دال على اشتراط قصد التعظيم إذا الجميل لا يكون سببا لغيره. قلت: إن سلمنا ذلك فليكن ذكره للإيضاح وبيان الواقع، فإن المأتى به فى الحدود لا يخلو من ثلاثة أحوال: إما الإدخال، وإما الإخراج، وإما بيان الواقع. وليس ذكر الشئ فى التعريف لبيان الواقع حشوا، مع أنا لا نسلم ما قلت وإنما الظاهر أنه لا يكون سببا للاستهزاء والتحقير، وإن نوقش فيه أيضا كما فى إعطاء شئ حقير. وإما أن يستلزم قصد التعظيم فلا لجواز قصد الإخبار أو التخييل أو التصوير أو الحكاية، أو رعاية خاطر الموصوف، أو غيره من المقاصد الحسنة سوى التعظيم. فلم يظهر قول كثيرين أن تقييد المحمود عليه بالجميل يغنى عن ذكر التعظيم، وأن بعضا حذفه لذلك، إلا أن يريدوا أنه يشعر به إشعارا لا يكتفى به فى التعاريف، وكأنهم ظنوا أن ذكر التعظيم لمجرد الاحتراز عن الهزء، وهو لا يصح، فالحذف إنما هو للاعتماد على الشهرة، مع ذلك الإشعار، ولا يخفى أن مدار استحسان الوصف على التعظيم ودلالته عليه، فلم نجعل مجرد الدلالة على التعظيم بدون قصده معتبرا، وإنما نعتبر ما يتحقق معه التعظيم الباطن، وهو مدلول اللفظ، وما عداه ملحق بالهزء فى عدم الاعتداد، وعدم العد من الحمد، وإن لم يكن هزءاً حقيقة ولا عرفا، وإن قلت فإن قصد التعظيم بالقصد مع أن الإثناء بما لا يعتقده المعظم المثنى فهل يكون ذلك حمداً، قلت: هو حمد عند الجمهور، وذلك كالقصائد المشتملة على وصف الممدوح بما يعلم انتفاؤه. وإن قلت لا نسلم أن الوصف عند مخالفة الاعتقاد لما يدل عليه اللفظ من التعظيم، أو عند مخالفة الجوارح استهزاء، بل الاستهزاء فعل الأركان، إلا إذا علم أن الواصف قصد بفعل الأركان صرفه عن التعظيم، إلا إذا لم يعلم ذلك، ولا سيما إذا كان فعل الأركان لمصلحة فلا يتم الإطباق. قلت: لا شك أن بيان الكمال دال على التعظيم، والعظمة والتعظيم وبيان العظمة أمران مستحسنان فاستحسنوهما، ولو علم أنه لم يرد بوصفه وبيانه تعظيمه، بل أراد تحقيره، لصار مذموماً وعد هزءا، وكذا ما لم يعرف وإن كان فى نفس الأمر كذلك، لأنه لم يكن فى الحقيقة حسناً، فإذا خلا الوصف عن موانع التعظيم، حمل على ظاهره وعد حسنا. وإذا اقترن بما ينافى التعظيم فحينئذ جاز عقلا أن يعد كل من الوصف والفعل بما يقتضيه. فيعد الوصف حمداً وتعظيماً والفعل تحقيرا وهزءا، لأنهم لم يعتبروا ذلك الوصف وعدوه أيضا هزءا، لأن اللفظ قد يكون للهزء والتحقير، فهو ذا محلين فحيث وجدت قرينة صارفة للفعل على المحل الآخر جمعاً بين مدلولى القول والفعل، ولم يعكس لأن الفعل المذكور لا يحتلم التعظيم، وكونه لمصلحة غير التحقير بعيد عن الفهم، فكذا لا يتبادر إلى الفهم إلا التحقير، وإذا لم يتبادر منه إلا ذلك فكأنه نص فى التحقير، فحمد المحتمل على ما هو كالمقطوع به، على أنه يكفى فى ترجيح مدلول الفعل على القول أن هذا الفعل لا يكون للتعظيم قطعا ويتبادر منه التحقير، وهذا اللفظ كثيرا ما يكون للهزء لا للتعظيم، ولم يحمل كل منهما على مدلوله، لأن التعظيم والتحقير من شخص واحد فى آن واحد لا يجتمعان، ولو اجتمعا فى التعظيم فى غاية الضعف، فلم يعتبرا ولأن الهزء والتحقير فى القبح والذم إثم، وأشد من الحمد والتعظيم فى الحسن والقبول والكمال، ولذا ترى أن أدنى ما يوهم الهزء يترتب عليه الذم والنكال. وقد لا يترتب على الحمد والذم الصريحين ما يناسبهما. ولما كان كذلك أسقطت الدلالة على الهزء وذلك الحسن الضعيف الذى فى مجرد الوصف عن درجة الاعتبار. والحاصل أن قولهم: إذا اقترن الوصف بالجميل لمخالفة الجوارح صار استهزاء معناه: أنه صار ذلك عندهم وفى اعتبارهم، فإن العرب وأهل اللغة يعدون ذلك الوصف مستهزءا محقرا، لا حامدا معظماً تغليبا لجانب الهزء ولما مر فلا بد من قصد التعظيم.
قال السيد: وإنما اشترط كون الوصف على جهة التعظيم ظاهرا وباطنا، لأنه عرى عن مطابقة الاعتقاد أو خالفه أفعال الجوارح لم يكن حمداً حقيقة بل استهزاء وسخرية، والظاهر أن المراد بالمطابقة أن يعتقد الواصف اتصاف المحمود بالمحمودية، فيطابق اعتقاد ما يفهم من الوصف من اتصافه به، سواء كان إنشاء أو خبرا أو نعتا نحويا، ويؤيد ذلك قول بعض المتقدمين: لو لم يطابق لكان كذبا واستهزاء على ما قررناه ولا يرد أن مطابقة الاعتقاد والكذب لا يصح ولا يحتمل إذا لم يكن الوصف على وجه الإخبار وذلك لما مر من أنه يفهم منه على التقادير أن المحمود متصف بالجميل المذكور، ويتجه على ما مر عن السيد وغيره أمران:
الأول: أن السلاطين وغيرهم كثيرا ما يحمدون ويوصفون بأوصاف بعلم قطعا عدم اتصافهم بها فى الواقع، بل فى زعم الواصف، وقد أراد بها تعظيمهم، وهم يقبلون ذلك ويجزونهم جميلا، ولا توهموا فيها أدنى شائبة هزء لعاقبوه أشد العقاب، فلا يكون استهزاء ولا معدودا منه عرفا. فما مر عن السيد من أنه لو لم يطابق فهو استهزاء يقدح فيه سواء أراد الهزء حقيقة أو عرفا بل اشتراط تلك المطابقة فى حيز المنع كما سيجئ تفصيله، وإنه يستلزم خروج تلك الأوصاف مع قصد التعظيم: وأجيب بجوابين الأول أن الواصف يعتقد اتصاف المحمود بما ذكر ويرده أن مما يوصف به المحمود ما يعلم كل عاقل أن اتصاف المحمود به ممتنع أو غير واقع فكيف يعتقده فحول الشعراء والأذكياء وذلك كما يقال زيد فرسه من الفلك وهو أظهر من الشمس.
الثانى: أن الواصف يريد معانى مجازية واعتقد اتصاف الموصوف بها ورد الدوانى الجوابين بأن الأول خلاف البديهة والثانى خلاف الواقع، واعترض بمصدر الأفاضل بأن الأول لو كان خلاف البديهة لم تقصد العقلاء إفادته فلم يكن اللفظ فى معناه الحقيقى مستعملا. والثانى لو كان خلاف الواقع لم يكن اللفظ مستعملا فى معناه المجازى فيلزم ألا يكون اللفظ حقيقة ولا مجازا، ثم إنه يبحث بأن حاصل الرد الأول إنما ذكره من اعتقد الاتصاف بديهى البطلان، إذ يعلم كل عاقل أن عاقلا لا يعتقد اتصاف أحد بما تذكر الواصفون المبالغون، بل هم معترفون به عند السؤال فمقتضى الجواب فاسد قطعاً، فحينئذ لا يتجه ما ذكر إذ لا يلزم من عدم الاعتقاد عدم الإفادة، كما أن المتكلم قد يعتقد أن الخبر كاذب، وهو يعيده ويذكره، وكأنه حمل التضعيف على أن مضمون الوصف خلاف البديهة، فلا يحمل حال العقلاء على اعتقاده فأورد عليه ما ذكره، ثم إنه لو سلم أن المراد ذلك فالملازمة التى ذكرها بقوله: لو كان خلاف البديهة لم يقصد العقلاء إفادته ممنوعة بل فاسدة، ألا ترى أن المخيلات الشعرية مع أن أحسنها أكذبها مستحسنة مقصودة بالإفادة عند البلغاء؟ ومضمونها الحقيقى ربما يكون خلاف البديهة؟ فمن الجائز أن يكتفوا بالقصائد والأثنية يمثل ذلك أى الوصف الحسن على سبيل التخييل أو ادعاء المبالغة، وتحقيق ذلك المقام أن اللفظ قد يقصد به إفادة الحكم أى الوقوع أو لا وقوع اعتقادا. وقد يقصد به تخييل المعنى وتصويره. ومنه المجاز العقلى، وبعض الاستعارات عند الجمهور، فلا يكون كذبا لأنه إنما يريد به التصوير لا الحكم، ومنه الأخبار الواقعة فى الأشعار، لما علم عرفا انه لم يقصد بها إيقاع السامع فى الغلط. وإفادة التصديق بأن الأمر كما ذكره فى نفس الأمر، بل أريد بها تخييل ذلك وترتيبه على الوجه المقرر بينهم. فهى ليست بكذب مذموم فى العرف، بل مستحسنة مقبولة، لما اعتبر فيها من جهة حسن النظم والتخييل واللفظ مستعمل فى الموضوع له لتخييله. وإذا كان ذلك جائزا بل واقعاً على ما صرحوا به فى المجاز العقلى، فليجز أن يكون المقصود بأوصاف السلاطين. والمحبوب فى القصائد ويغرها كما فى سائر الأشعار، إفادة المعانى الوضعية منها لأجل التخييل والتعظيم، وإن كان تحققها فى نفس الأمر بديهى البطلان، وجرى العرف على ذلك واستحسنها وقد علم أنها أريد بذلك التعظيم والوصف الحسن صارت مطبوعة مقبولة، وجوزيت بالجميل، وقوبلت بالجزيل، فظهر أنه لا يلزم من بداهة عدم تحقق الحكم أو الوصف ألا يقصدها العقلاء أصلا. وإن أراد أنه لا يقصد حينئذ إفادتها على وجه الحكم والتصديق فمسلم. ولكن لا يلزم منه ألا يكون اللفظ مستعملا فى معناه الحقيقى، وإن قلت الكلام موضوع لإفادة الحكم فلو لم يرد به ذلك لم يكن مستعملا فى المعنى الحقيقى. قلت: إفادة الحكم أعم من أن تكون لأجل التخييل أو الاعتقاد والإيقاع والانتزاع، على أنه لا يجرى في الإنشاء والأوصاف، وإن علم، فمن الجائز أن يكتفى فى الحامد فى السلاطين بادعاء الأمر والمبالغة فيكون حقيقة، وإن كان المعنى بديهى البطلان. وأما الجواب عن احتمال كونها مجازات، فتوضيحه أنه خلاف الواقع والمعلوم بالتتبع، فإنا لو تصفحنا عن القائلين، علمنا أنهم لم يقصدوا معنى مجازيا صحيحا بحسب ما اعترفوا به، ولأنهم ربما يذكرون أمورا لم يقدروا على أن يحصلوا لها معانى صحيحة يفهمونها بعد التأمل والتدبر، فضلا عن أن يقصد من اللفظ ذلك بادئ الرأى عند التكلم، وإذا كان الجواب خلاف الواقع والتحقيق، فلا ينبغى أن يعتمد عليه، وإن كان محتملا عند العقل على أنه يبقى الكلام حينئذ فيما إذا لم يقصد به معنى مجازى صحيح. بل أرادوا الادعاء والتخييل، فيلزم خروجه عن الحمد، وأن يكون استهزاء وفيه ما فيه، ثم مدائح السلاطين إن وردت على وجه النقص والاعتراض، فيمكن أن يدفع بأنا لا نسلم أنها جمل، وإن كانت أثنية مقبولة كالوصف على غير الاختيارى. ولعل معنى قول السيد وغيره: لو لم يطابق الاعتقاد كان استهزاء أنه لما شابه الاستهزاء فى عدم الاعتقاد وقصد إفادته أخرج عن الحمد كالاستهزاء فى كثير من المواضع أو الأكثر لم يتعبروا فى الحمد إلا الوجه الكامل. وإن وردت سندا لمنع الاشتراط أو لأجل تحقيق المقام، وأنه لا دليل على خروجها من الحمد، مع أنها من مستحسن مقبول، متضمن للتعظيم فى العرف الخاص والعام، غير معدود من الاستهزاء عرفا وعقلا، فهو كلام قوى مقبول، إن لم يضعفه نقل صريح صحيح.
الأمر الثانى: أنه اعتقد الواصف اتصاف المحمود، ولكن لم يقصد بالكلام تعظيمه، بل محض الإخبار أو الحكاية أو نحوها فليس بحمد. وإن سلم ذلك فلا شك فى أنه مع ذلك الاعتقاد يجوز أن يقصد بالكلام الهزء، عنادا ومكابرة، كما كان لبعض الكفرة الفجرة، وذلك الكلام ليس بحمد قطعاً، فلا يكفى فى الحمد والتعظيم الباطنى المعتبر فيه مجرد ما ذكر من مطابقة الاعتقاد، بل لا بد من اعتبار أمر آخر هو قصد التعظيم. اللهم إلا أن يقال عدم قصد الهزء، فهم من باعثيه الجميل كما مر، وذلك مع استلزام لاكتفاء بالدلالة الالتزامية فى التعريف. وألا يكون قيد التعظيم الباطنى لإخراج الاستهزاء. والله أعلم.
وذكر السيد وغيره: أن اللازم فى الحمد قصد التعظيم بالوصف لا الاعتقاد، فلو أريد بالثناء تعظيم الموصوف بشرطه، صار حمدا وإن لم يعتقد أنه موصوف بما يذكر ولا يعد فيه كما توهم. ويبحث فى اشتراط التعظيم بعض من حشى على (المختصر للسعد) بأن التعريف إن كان للحمد اللغوى، فالتعظيم الظاهرى غير معتبر فيه، فضلا عن قصد التعظيم، ألا ترى أن الحمد فى كتب اللغة الفارسية إنما فسروه بستودون وإن كان للحمد العرفى فكذلك أيضا لأن مدح الأكابر يعد حمداً عرفا وإن لم يكن للحامد تعظيما إلا أن صدر منه تحقير لم يعد حمدا. ويرده أن الثقات نقلوا أنه لا يصح الحمد إلا بتعظيم، فكأنهم نقلوه عن اللغويين، فقوله: لم يعتبر فيه التعظيم لا يقبل، لأنه شهادة نفى، وقد علم أن شهادة الإثبات ولا سيما من المحققين. مقدمة على شهادة النفى، مع أنه لا ينبغى أن يصدر ذلك النفى إلا بعد الاستقراء التام لنصوصهم، وأما منع صحة وطلب تصحيح النقل منهم، فله وجه مقبول عن أرباب النقول وأصحاب العقول. أما ترى الفقهاء والمحدثين والنحاة وغيرهم، إذا نقل جلهم وجليل منهم عن إمام، فلا اعتبار عندهم لمنع عدم صحة النقل وطلب التصحيح؟ ولو فتح ذلك الباب لم يبق اعتماد على ما فى الكتب، ولم يصح التعويل عليهم، ولا ينبغى التعرض لذلك إلا لموجب يعارض المنقول، وإلا فلا يفيده فائدة، وأما الإسناد لما فى بعض الكتب الفارسية بل العربية، فلا تأييد فيه على وجه يعتد به. لأنه إن سلم أنه أعم فثبوت الأعم لا ينافى ثبوت الأخص، لجواز الاشتراك والنقل والتعريف بالأعم، ومن تتبع كتب اللغة علم أن كلا من هذه الأقسام فى غاية الشيوع، ولا يكاد يوجد كتاب يستوعب معانى الألفاظ، ولهذا لو فسر ثقة لفظاً بغير ما فسر به آخر لجمع بينهما بأحد الأمور الثلاثة، ولا يحكم بالفساد فهؤلاء العلماء الأعلام، لم يكونوا فى مرتبة واحدة من مصنفى كتب اللغة، على أن شأن كتب اللغة الإجمال والتعبير بلفظ أشهر بالحد والرسم، فمن أين لا يعتبر فى ستودون فى أصل الوضع أو فى عرف التعظيم ومجرد الاحتمال لا يعبأ به فى القدح فى التعاريف كما حقق فى محله، مع أن بعض العلماء استدل بذلك التفصيل عن قصد التعظيم، وهو دليل على أنه يفهم منه التعظيم ولو فى عرف، ثم إنه إن سلم التنافى بين النقلين، فحمل القصور على مصنف أو مصنفين فى اللغة أخرى من جمل الخطأ على العلماء المحققين المشهورين. ومما ذكرنا علم أن حال ما ذكره فى العرف، وانتقاده بحمد السلاطين، لا قوة له أصلا، فإن الغالب أنهم يريدون به تعظيمهم، فمن أين علم بهم لا يقصدون التعظيم الباطنى ولا الظاهرى، بمعنى عدم مخالفة الجوارح. مع أنه اعترف بأنه إذا صدر منه التحقير لم يعد حمداً، فيلزم اشتراط التعظيم الظاهرى بالمعنى المراد فى المقام. والله أعلم.
وخرج بالثناء الحمد النفسى، وهو اعتقادك أن المحمود متصف بصفات الكمال، وخرج به أيضاً الذكر بغير الجميل، بناء على الصحيح من أن الثناء الذكر باللسان بالجميل لا غير، واستعماله فى غير اللسان وفى غير الجميل مجاز، ولذلك لم أذكر قولك باللسان ولا قولك بالجميل، وأما قولنا على الجميل فلا يغنى عنه لفظ الثناء، لأن الثناء إنما يغنى عن الجميل المحمود به لا الجميل المحمود عليه. وقال الجوهرى: الثناء حقيقة فى الخير والشر، وعليه فلا بد من ذكر قولك بالجميل، إلا أن يقال ذكر قولك على الجميل يغنى عنه، لأن الذكر على الجميل لا يتصور إلا بالجميل فى العادة الجارية فى لغة العرب وغيرهم. وإن قلت فما بال بعضهم يذكر قولك باللسان؟ قلت: يذكره بناء على أن الثناء قد يكون بغير اللسان كالاعتقاد، وقد تكلمت عليه فى حاشية أبى مسألة أو بيانا للواقع والحد، ولو كان يصان عن الحشو والتطويل، وما كان لبيان الواقع ليس حشوا وتطويلا، وإنما الحشو والتطويل ما جئ به للإدخال ولا للإخراج ولا لبيان الواقع، لكن يجب فى المأتى به لبيان الواقع فى الحد أن يكون له نوع تعلق بنفس الحد، كما فى ذكر قولك باللسان ولا سيما أنه قد قيل إن الثناء يكون أيضاً بغير اللسان، فيدفع بذكر اللسان، ثم إن القيود لا يجب أن يقصد بها الإخراج، بل القصد الأصلى بها شرح الحقيقة، إذا كانت تلك القيود من أجزاء الحقيقة، وأما ما كان من عوارضها كما هنا، فإن المقصود بها الانتقال منها إلى الحقيقة وإذا كفى بالبعض فى الانتقال إليها، كان الباقى زائداً وإن لم يكن لبيان الواقع وإيضاحه. ويجوز أيضا أن يكون ذكر باللسان دفعاً لتوهم الجمع بين الحقيقة والمجاز عند مجيزه كالشافعى، فإن إطلاق الثناء على غير اللسان مجاز على القول بأنه حقيقة فى اللسان. ووجه من منع الجمع بينهما أنه يكون جمعاً بين المتنافيين، حيث أريد باللفظ الموضوع له وغير الموضوع له، ويجاب بأنه لا منافاة فى ذلك. وإن قلت: توهم الجمع المذكور غير ممكن، فلا يجوز عنه لأنه إذا أريد المجاز مع الحقيقة فلا بد من قرينة للمجاز. قلت: قد تكون القر ينة خفية أو حالية، لم يطلع عليها المخاطب أو غيره، وأيضا عدم القرينة يوجب عدم الإرادة، لا عدم احتمال الإرادة وصلاحيتها. وخرج بالاختيارى المدح، فإن المدح يعم الثناء الذى على الجميل الاختيارى وغير الاختيارى، فالثناء عل الجميل الاختيارى كما يسمى حمداً يسمى مدحا، والذى على غير الاختيارى لا يسمى حمداً، بل مدحا، فيمتنع أن تقول حمدت اللؤلؤة على حسنها، وحمدت زيدا على رشاقة قده، إذا أردت الحمد على الحسن والرشاقة، لأنهما غير اختياريين. ويجوز مدحهما على ذلك. وقال بعض: المدح مرادف للحمد فلا يقال إلا على الاختيارى، وإن قولك مدحت اللؤلؤة على حسنها لم تتكلم به العرب. ومدحت زيدا على رشاقة قده باطل غير صواب. فان صح عن العرب فانما يكون مدحا بسبب أنه يدل على فعل اختيارى، كما يقال حسن الصورة يدل على حسن السيرة، لا من حيث كونه رشيق القد. وهذا القول ظاهر قول علمائنا - رحمهم الله - لو صح مذهب المجبرة لبطل المدح والذم والثواب والعقاب. وعلى هذا فذكر الاختيارى البيان الماهية لا للاحتراز عن المدح، لأنه مراد دخوله. وقيل: إن الاختيارى لا يشترط فى الحمد ولا فى المدح، بدليل قوله تعالى:
{ عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً } وفى الحديث المأثور عنه صلى الله عليه وسلم: "وابعثه المقام المحمود" وقول الشاعر:

أرى الصبر محمودا وعنه مذاهب

وقول الآخر:

والصبر يحمد فى المواطن كلها

وقيل: الجود فى ذلك بمعنى الرضا، فإنه يأتى فى اللغة كذلك، وإن قلت: الحمد فى ذلك إنما هو على الوصف المجازى وصفا له بوصف صاحبه، كالكتاب الكريم، والأسلوب الحكيم، قلت: ذلك صرف عن الظاهر، بل لفظ الكريم يطلق لغة على كل حسن فى صنعه، حتى الشجاعة، تقول: زيد كريم فى الحرب والعلم، تريد أنه شجاع. علامة على أن من يقول: يكون الجميل مأخوذا فى الحمد، إنما ينزل بكونه مأخوذا فيه بحسب العقل. ولا فرق فى ذلك بين الحمد والمدح. وإن قلت: قد اعتبر فى الحمد فعل الجنان والجوارح فينا فى ما مر من اعتبار كونه باللسان، وما تقرر من كون مورده اللسان، قلت: ما تقدم من تناول الظاهر والباطن، ومن أنه إذا تجرد الثناء على الجميل عن مطابقة الاعتقاد، أو خالفه أفعال الجوارح لم يكن حمدا بل استهزاء أو تمليحا، لا يستلزم دخول الجوارح والجنان فى التعريف، لأنهما اعتبرا فيه شرطا، وهو خارج عن الماهية لا شطراً وهو داخل فيها وأيضا لنا جواب آخر سلمنا أنه جزء الحمد لاعتباره جزءا من المعرفة، فتعريفه يتوقف عليه وإن لم يكن جزءا من حقيقته، وهذا كما فى تعريف العمى بأنه عدم البصر عما من شأنه البصر، فقد وقع البصر جزءا من مفهوم العمى لاعتباره جزءا من معرفة، إذ العمى ليس العدم مطلقا، ولا بد من البصر فى تعريفه، وإن لم يكن جزءا من حقيقة العمى وذاته، وكما فى تعريف الضحاك بأنه ذات له الضحك. فان الضحك قد وقع جزءا من المفهوم، مع أنه ليس جزءا من حقيقة الضاحك وذاته، وهو الحيوان الناطق. وحاصل الجوابين أنه إذا كان شرطاً للحقيقة خارجاً عنها فهو جزء من المفهوم.
قال السيد: المضاف إذا أخذ من حيث إنه مضاف، كانت الإضافة داخلة فيه، والمضاف إليه خارجا عنه، وإذا أخذ من حيث ذاته كانت الإضافة خارجة عنه أيضا. ومفهوم العمى هو العدم المضاف إلى البصر، من حيث هو مضاف، فتكون الإضافة إلى البصر داخلة فى مفهوم العمى، ويكون البصر خارجا عنه. والله أعلم. ثم إن المحمود به يكون اختياريا وغير اختيارى، بخلاف المحمود عليه فإنه يكون اختياريا على ما مر وتقدم الكلام على الحمد على صفات الذات، وتفسير الاختيار فى حقها. وذكر زكريا والشنوانى أن صفات الذات واردة على من اشترط الاختيار فإنها غير اختيارية، أما ما تتوقف الإرادة عليه كالعلم والحياة فظاهر، وأما ما لا تتوقف عليه فلأن المسبوق الإرادة حادث، والحادث لا يقوم بذاته، والصفات السلبية كعدم الشريك، يمتنع أن تكون حاصلة بالإرادة والاختيار، فيلزم ألا يكون الثناء على صفات الذات حمدا مع أنه حمد، وأجيب بأنا لا نسلم ثبوت الحمد عليها، وإنما الثابت الحمد بها. ورد بأن الثعلبى وغيره صرحوا بثبوت الحمد عليها. والأظهر أنه يجوز أن يعظم الله ويثنى عليه ثناء على الذاتيات، ولا جهة لإخراجه من الحمد بحسب ولا نص بحسب النقل فلعله ليس حمدا لغة، فيكون حمده منحصرا فى صفات الأفعال، ولا مانع عقلا من الحمد على الصفة الذاتية. ويرده أن المنع إنما أخذوه من منع حمد اللؤلؤة ونحوها، وليس منصوصا عليه مع أن بين اللؤلؤة وبين ذات الله تعالى فى الصفات، ولو كان ممنوعاً لزم ألا يكون ثناء الله بإزاء الذات الكاملة، مع قطع النظر عن الصفات حمداً وهو بعيد، فإنه كما يجوز أن تعبد الله - جل وعلا - لذاته لا لجهة يتبادر أن يجوز أن نحمده لذاته بل الحمد من جملة العبادة وهو عبادة لسانية، ويدل له قول السعد فى المطول: تعرض - يعنى القزوينى - للإنعام بعد الدلالة على استحقاق الذات، تنبيها على تحقيق الاستحقاقين. وإن قلت: لا معنى لكمال الذات إلا أنه إن له صفات كاملة قلت: لا شك أن صفات الكمال فى حد ذاتها كالعلم شريعة كاملة، بخلاف صفات النقص كالجهل لا لصفة لها. وإلا لزم التسلسل، وصفات الذات اقتضاؤها كمال الذات، وليست شيئاً زائدا على الذات حالا فيها، سبحانه عن ذلك. هذا ما عند الموفقين الإباضية الوهبية، وذكر الفخر: أن ذاته لم تحتج إلى شيء من صفاته الذاتية الموجودة وإنما اقتضاؤها كمال الذات، وتحقيقه أن كمال الصفات الكاملة دون الأخرى وإذا كنت الصفات دليلا على كمال الذات ولولا أن للذات كمالا فى ذاتها، دون الذات المتصفة بصفات النقص، لاتصفت تلك بالصفات الكاملة دون الأخرى. وإذا كانت الصفات مقتضى الذات فالأمر أجلى. فلولا أن ذاته منحث هى أكمل من غيره لما اقتضت تلك الصفات. واقتضتها الذوات الناقصة، وليس اقتضاء الكمال عين كمال الذات، وإن كان ذلك من كمالها فهو دليل على كمالها، وذكر بعض الروم - أعنى الترك - أنه اعتبر فى مفهوم الحمد مقابلة الجميل لم يستقم ما اشتهر من أنه تعالى يستحق الحمد لذاته وأجاب ذلك الرومى: بأن معنى استحقاقه لذاته استحقاقه لصفاته الذاتية، فإنها لكونها ليست غير الذات. ويبحث فى ذلك بأن الجميل إن ترك على الظاهر شمل الذات أيضا، لأنها من حيث هى فى غاية الجمال وقد نص اللغويون على أنه يطلق على الذوات، وإن أريد به الفعل الجميل أو قيد بالاختيارى، فعما تخرج منه الذات تخرج الصفات الذاتية، وإذا عمم بالحقيقة والحكم، فكما تدخل فيه الصفات تدخل فيه الذات، وإن أراد بالحكم معنى لا يشمل إلا الصفات فهو حكم لا سند له، وكلام غير مقبول ولا منقول، ويبحث أيضاً بأن معنى الاستحقاق ليس ما ذكره عند المحققين، وإنما يناسب لو لم يكن للكمال الذاتى معنى صحيح غير كمال الصفات. وأما إذا ثبت له معنى صحيح فلا جهة لما ذكره، إذ هو كما يستحق الحمد لكمال الصفات يستحق لكمال الذات. وإن قلت: ينفصل بجعل الثناء على الذات، والصفات الذاتيات غير حمد، قلت: قيل لا سند لذلك ولا دليل إلا القياس على اللؤلؤة، ورشاقة القد، وصباحة الخد، والفرق واضح. وعلى اشتراط الاختيار أجاب بعض أيضا: بأن الاختيارى يتناول الصفات الذاتية تبعا، ويبحث فيه بأن الصفات الذاتية إذا وقع الوصف عليها تبعا، هل الوصف عليها من الإفراد حقيقة أو لا، وهل يشملها لفظ الاختيارى أو لا؟. فإن قال من الإفراد حقيقة ولا يشملها لفظ الاختيارى، فالحمد عليها وارد على التعريف. وإن قال يشملها، فهو ممنوع. وإن قال ليس الوصف عليها من أفراد الحمد، فلا ورود. وقضية ذلك الجواب امتناع الحمد عليها استدلالا، وأجيب كما مر أيضا بأن الصفات الذاتية مختارة له تعالى حكما، لا بمعنى إيجاده لها، لأن المراد بالاختيارى ما يكون حاصلا بالاختيار حقيقة، أو يكون فى حكمه. وعلى هذا فكل منهما حمد حقيقة، لأن مفهومه الحقيقى يشملهما. وليس كما قيل إن الثناء على الاختيارى حكما حمد حكما. ومعنى كونه مختارة له أن ذاته اقتضت وجودها، ولا أول لذلك ولا سابق للذات عليها، ولا حلول ولا زيادة لها فى الذات - تعالى الله - بل بمعنى أن ذاته يستحيل عليه عدم تلك الصفة الموجودة، على ما هى عليه فى الواقع. ومعنى قولى فى كتبى: فى الواقع، أو فى نفس الأمر، واحد، وهو علم الله. وإن شئت ذكرته، وعنيت به اللوح المحفوظ، أو المبادىء أو ما يجده العقل لضرورة أو دليل أو نفس الشىء. وعليه اقتصر السيد إذ قال: وأما نفس الأمر فهو نفس الشىء ومعنى كون الشىء موجودا فى نفس الأمر أنه موجود فى حد ذاته ليس وجوده وتحققه وثبوته بفرض فارض أو اعتبار معتبر. وأجيب أيضا بأن الصفات الذاتية مبدأ أفعال اختيارية، بمعنى أنه يترتب عليها أفعال اختيارية، فالشىء إذا حصل منه آثار اختيارية، جعل فى حكم الاختيارى، وذكر بعضهم: أن المراد فى كلامهم بالاختيارى أن يكون منسوباً إلى من يفعل فى الحملة باختياره وإن لم يكن المحمود عليه مما حصل بالاختيارى، ويبحث فيه بأن الأمر الاختيارى بهذا المعنى غير مستعمل، ومع كونه فى كمال البعد عن الفهم لم تقم عليه قرينة تدل عليه، فلا يجوز استعماله فى التعريف.
وقد علم أن المراد للفعل ولو جعل الاختيارى أعم من الحكمى، وأراد بالحكمى ما كان الموصوف مختارا فى الجملة لكان له وجه قريب، وإن كان هو أيضا بعيدا، ويبحث أيضا بأنهم اختلفوا فى أن المحمود به يجب أن يكون اختياريا أولا كما مر، ولو أريد بالاختيارى ما ذكره لم يبق للخلاف معنى أو فائدة معتد بها، فان المحمود عليه إذا كان صفة لمن له اختيار، فالمحمود به أيضا كذلك ضرورة أنهما متعلقان بشىء واحد، فمع اختياره المحمود عليه لا يمكن ان يكون المحمود به غير اختيارى بالمعنى المذكور. ويبحث أيضا بأنه إن أراد حمل كلام القوم الذين قيدوا الجميل بالاختيارى على ذلك فقد مر عن الفخر والسيد التصريح بخلافه.
وإن أراد حمل كلام اللغوين وتخطئة من خالفه، فلا يخفى أن العدول فى النقليات عما ذكره الثقات المحققون بمجرد احتمال عقلى لا يعبأ به، ويبحث أيضا بأن السعد صرح فى حاشية الكشاف بأن منهم من قيد المحمود عليه بالاختيارى، لأنه يقال: مدحته على صباحه خدمة، ولا يقال حمدته، وفى تفسير القاضى تقول حمدت زيدا على كرمه، ولا تقول حمدته على حسنه، ولو كفى ما ذكره لصح المثالان فافهم.
وإذا ثبت أنه صح الحمد على الصفات الذاتية لأنها مبدأ أفعال اختيارية، فالمحمود عليه اختيارى فى المآل، وأجيب أيضا بأنه تعريف بالأخص بناء على صحة التعريف به على ما صوبه السيد، إذ قال: والصواب أن المعتبر فى العرف كونه موصلا إلى تصور الشئ، إما باللكنة أو بوجه ما، سواء كان مع التصور الذى يميزه عن جميع ما عداه أو عن بعض ما عداه. انتهى.
ثم إنه لا يقال: الجمع بين لام الحمد وتعريفه يستلزم تعريف المعرف واللازم باطل، فكذا الملزوم لأنا نقول: اللام تدل على تعيينه فى ذهن المتكلم والتعريف يصور ماهيته فى ذلك السامع فأيها أحدهما من الآخر. ولا يقال: بل اللام للدلالة على تعينها الحاصل فى ذهن السامع، معناه أن اللام لا يجوز إدخالها إلا على لفظ حصل معناه فى ذهن السامع، لأنا نقول على تسليم هذا لا يلزم المحذور لجواز كونه معلوما له من وجه، مجهولا من آخر، فاللام للأول والتعريف للثانى، بل ذلك فى لام العهد وهذه للجنس، ولئن سلمنا أنها للعهد لنمنعن أن إدخالها لا يجوز إلا على الحاصل فى ذهن السامع، لجواز إدخالها على المظنون حصول معناه فى ذهنه، ولا يكون ذلك الظن مطابقاً للواقع، ولئن سلمناه لنقولن لا يجوز أن يكون دخول اللام عليه لتعيين اللفظ فقط، ويكون معناه هذا اللفظ معناه ذلك الشىء، فإن قيل المراد اللام فى الحمد إما للاستغراق فالمعنى كل فرد ولا شئ من كل فرد صادق على فرد، فلا شىء من الحمد صادقا على فرد، وتعريفه صادق على فرد، فتبطل المساواة بينهما، وإما للجنس فهى لتعيين الماهية فى ذهن المتكلم، وقد ضاع لأن كل حال فيه معين او لتعيينها فى ذهن السامع، وقد حصلت فيه، فيضيع أو لم تحصل فيكون معينا فى ذهنه ما لا حصول له وهو محال، لا يقال لم لا يجوز أن يكون هو المحصل والمعين وهو محال؟ لأنا نقول ما لم يحصل فى ذهن السامع لو أدخل فى لفظ أل لم يحصل وهو بين، ولأنه يبطل تعريفه إذا لصدقه على غير المعرف، لأن كل فرد مغاير للجنس من حيث هو، وإما للعهد فهو للإشارة إلى فرد ذهنى أو خارجى، ولا يجوز أن يكون المراد من الحمد الفرد وإن ذهبت إلى أن المعهود نفس الماهية، يرجعك ما ذكرناه آنفاً قهقرا، فالجواب أنها للجنس، ونقول لام الجنس دال على تعيين الماهية الحاصلة فى ذهن المتكلم مطابقة، والثناء على الماهية والثناء إن دل على ذلك دل بالالتزام، ونقول صدق التعريف على غير المعرف، إنما يضر لو لم يصدق على ذلك الغير وهو ممنوع، لأنه تعريف للماهية لا بشرط شئ إلا للماهية بشرط لا شىء، فلا يرد ما ذكرنا من أنه بطل تعريفه لصدقه على غير المعرف، وإن قلت الحمد مبتدأ والثناء خبر فهى قضية مهملة فى قوة الجزية، والمراد الكلية لأن المهملة حمل ثناء باللسان إلى آخره وإلا لم يكن التعريف جامعاً.
قلت لا نسلم أنها مهملة فان المهملة على ما هو الحق هى التى حكم فيها على أفراد موضوعها بدون أن يتعرض لكميتها، وهى ليست كذلك فان التعريف للحقيقة لا للأفراد سلمناه، لكن لا نسلم أنها لو لم تكن كلية لم يكن التعريف جامعاً لجواز كونها طبيعية مستلزمة للكلية، فان قيل الحمد محكوم عليه، والثناء باللسان محكوم به، فلا شئ من الحمد بثناء باللسان آخره وهذا باطل، فالجواب: أن مغايرة الشىء للشىء باعتبار ما، ووضع ما غير مناف لكونه إياه من حيث الحقيقة، فإن الحيوان الناطق يغاير الإنسان من حيث الإجمال والتفصيل، وليس غيره من حيث الحقيقة. وقولك الإنسان حيوان ناطق لا يقتضى مغايرة الثانى للأول من حيث الحقيقة مع تغايرهما من حيث الوضع والحمل. والله أعلم.
والمدح لغة الثناء على الجميل اختياريا أو غير اختيارى على جهة التعظيم، وعرفاً ما يدل على اختصاص الممدوح بنوع من الفضائل، والشكر لغة فعل ينبئ عن تعظيم المنعم لكونه منعما على الشكر وغيره سواء باللسان أم بالجنان أم بالأركان، وذلك هو الحمد عرفاً، وقيل هما مقابلة النعمة قولا أو عملا أو اعتقادا، والشكر عرفاً صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه من سمع وبصر، إلى ما خلق لأجله، وقد أطلت الكلام على ذلك فى حاشية أبى مسألة، وذكرت بحثا فى استدلالهم أو تمثيلهم بقوله:

أفادتكم النعماء منى ثلاثة يدى ولسانى والضمير المحجبا

وعنه صلى الله عليه وسلم: "الحمد رأس الشكر" يعنى الحمد اللفظى، لأن حقيقة الشكر إشاعة النعمة وإظهارها، وفى إشاعتها وإظهارها دعاء إلى المشكور وجلب إليه، فيعرف ويذعن لأحكامه وهو المقصود، فمن لم يثن بلسانه فليس بشاكر شكراً حقيقيا، ولو أتى بالعمل والاعتقاد، وذلك أن الحمد أظهر إشاعة للنعمة وأدل على مكانها، لخفاء الاعتقاد واحتمال إتعاب الجوارج أن يكون شكرا وأن يكون حظا من حظوظ النفس أو غير ذلك.
والحمد مبتدأ والله متعلق بمحذوف خبر لا بالحمد، والأصل نصب الحمد على المفعولية المطلقة واللفظ بعده معمول له، أو للفعل الناصب المحذوف، وقد قرئ بالنصب على ذلك فى غير السبع، بل فى غير العشر، أى أحمد لله الحمد، أو حمدت لله الحمد، حذف العامل وأخر لله واللام فيه للتبيين، وإنما أخر بعد أن أصله التقديم، لأنه لما حذف العامل قام الحمد مقامه، فكأنه العامل فى الله فأخر عنه، بل قال بعض: إنه محمول للحمد واللام للتقوية، وإنما قدرنا الفعل لأن المصدر نسبة تتعلق بمحل، والأصل فى بيان النسب والتعلقات الأفعال، وإنما عدل عن النصب إلى الرفع فى قراءة الجمهور ليدل بالجملة الاسمية على الثبوت، بخلاف الفعلية فإنها للتجدد والحدوث، وأما عموم الحمد أو عهده أو حقيقته فتفيده أل، سواء فى المبتدأ وفى المفعول المطلق، ولا مانع من إدخالها في المفعول المطلق كما رأيت فى قراءة النصب، وقد قيل الأصل حمدت أو أحمد حمداً لله، فحذف الفعل اكتفاء بدلالة المصدر عليه، ثم عدل إلى الرفع لقصد الدلالة على الدوام والثبوت، فصار حمد لله ثم أدخلت أل لقصد الاستغراق.
وظاهر كلام كثير أن الجملة الاسمية مطلقا تفيد الثبوت وليس كذلك عندى، ولو كان محتملا بتكلف كما مر، بل إذا كان الخبر فعليا متصرف الفعل، أو وصفا يدل على المضى، أو الاستقبال أو على الحدوث فى الحال لا تدل على الثبوت، وإذا كان ظرفا احتمل تقدير الفعل والوصف، وأصالة الإفراد فى الخبر لا تقاولها أصالة الفعل فى العمل عندى، فتقدير الوصف أولى، وقد عينه السعد إذا قال فى أواخر باب المسند: إن الاتصاف أن المفهوم من قولنا زيد فى الدار ثابت أو مستقر لا ثبت أو استقر، وأما الوصف الذى لا يدل على الحدوث وهو الصفة المشبهة واسم التفضيل فالجملة التى هو خبرها دالة على الثبوت.
وقال السيد: اسم الفاعل إنما يدل على الثبوت دون التجدد، وأطلق، وعن السكاكى: أن زيداً فى الدار يحتمل التجدد والثبوت بحسب تقدير حصل أو حاصل، فينضم إلى الثبوت الدوام بحسب معونة المقام، وليس دال على الثبوت فى الجملة الاسمية بمعونة المقام، ثم اعلم أن الذى يدل على التجدد هو المضارع بمعونة المقام لا مطلقا ولا بنفسه استقلالا، وأما الماضى والأمر فيدلان على الحدوث، ومرادى بالثبوت هو الدوام، وأما السعد فأراد به فى كلامه المذكور وغيره، ومعنى دلالة الاسمية على الثبوت عدم دلالتها وعلى الدوام بالعقل، إذ الأصل فى كل ثابت دوامه، ويبحث فى هذه العلة بأنه يلزم دلالة الفعل على الدوام، لأنه ثابت والأصل فى الثابت الدوام، ومرادهم بالثبوت وجود الإيجاب أو السلب، وقرأ الحسن البصرى الحمد لله بكسر الدال توفيقاً بينه وبين اللام بعده، وإن شئت فقل إتباعاً بمعنى توفيقاً وتجنساً لها، وقرأ إبراهيم ابن أبى عبلة: الحمد لله بضم اللام إتباعا للدال، وهى أولى من التى قبلها لأن الإعراب أشرف فهو أحق أن يتبعه غيره، وضمة الدال إعراب فاتبعت لها حركة اللام، ولأن الدال سابقة فحق لها أن تأخذ ما لها، فإن شاء المتكلم اتبع لها بعدها ولام لله للاختصاص، وليس معنى الاختصاص الذى تفيده اللام حصرا، فان اللام ليست أداة حصر، بل معناه التعلق الخاص، هذا ما ظهر لى، ثم رأيته للدوانى والحمد لله، ومرادى هنا بالاختصاص الملك، قال ولو كان قولك المال لزيد والمفتاح للدار إلا على قصر المال والمفتاح لكان قولك ما المال إلا لزيد وما المفتاح إلا للدار مفيداً لحصر المال والمفتاح فى صفة الانحصار لا لحصر المال فى زيد والمفتاح فى الدار، ولكان قولك لله الحمد مفيداً لقصر الحمد على الاختصاص بالله عز وجل لا لقصره على الله، وقد صرح جار الله بأن تقديم الحمد فى له الحمد للحصر وهو مفيد أن الحصر لم يكن فيه بدون التقديم، وإلا لم يكون التقديم مفيداً له، وإن قلت إن قولنا ما المال إلا لزيد وإنما كان لحصر المال فى زيد أيضا، لأن حصر الشىء فى الشىء يقتضى ثبوته له، ولو وجد المال لغير زيد لم يكن للمال صفة الاختصاص فلا يصح قولكم لا لحصر المال فى زيد، قلت لا يصح هذا لأن المراد أنه لو كان معناه الاختصاص الحصرى لكان معناه المطابقى ومفهومه الصريح المبادر منه ذلك الذى ذكرناه لا الآخر، وهو فاسد قطعاً، وذلك فى غاية الصحة والظهور، ولسنا نريد أنه لا يفيد ذلك ولو التزاماً فضلا عن أن يرد علينا ذلك مع أنه كلام على السند، وقد كان ظاهر كلام الدوانى دعوى واستدلالا، فتعرض بعض للجواب بالمنع وأنت تعمل أنه يمكن أن يكون مراده منعاً فى صورة الدعوى مبالغة، فإنه طريقة معروفة بين المحققين، وما ذكره فى صورة الدليل فهو سند المنع فلا يفيد المنع ولا الإيراد على السند، فإن إبطال السند غير المساوى لا يفيد دفع المنع على ما حقق فى محله من الكتب الموضوعة فى أدب المناظرة، ثم إن هذا البعث منعاً كان أو دعوى قد يقال فيه، وإنما يتجه لو كان المراد أن اللام إنما تدل على الاختصاص الحصرى بالوضع وهو غير متعين ولا ظاهر، بل يجوز أن يكون مرادهم أن اللام وإن وضعت للتعلق الخاص لكن الاختصاص والتعلق الذى على وجه الحصر هو الكامل، فحمل عليه اللام فى مقام الثناء والمبالغة، كما صرح بعضهم من أن اللام هنا للاختصاص، بمعنى أنه لا محمود إلا هو تحقيقاً أو مبالغة، وأن أل للجنس أو الاستغراق وتفيد بمعونة لام الاختصاص اختصاص جميع المحامد به تعالى، فإن اختصاص الجنس يستلزم اختصاص الأفراد، أو المراد اتحاد الجنس مع الثابت لله تعالى فتفيد الحصر بلا معونة لام الاختصاص، كأنه قال جنس الحمد هو الثابت لله تعالى، وفيه بعد ومن وادى الوجه الذى قبله حمل الباء على الملابسة على وجه التبرك لمناسبة التبرك للمقام، وقد ذكر السيد أنه دل بلامى الجنس والملكية على الاختصاص، فتراه أخذ الاختصاص من اللام الموضوعة للملك، ولم يجعل اللام موضوعة له، وأما نحو المال لزيد والمفتاح للدار فليبحث فيه بأن اللام فيه محمولة على مجرد معناها الوضعى، غاية الأمر أنه يجوز حملها على الاختصاص الحصرى عند مساعدة المقام، ولما كان التقديم أظهر إفادة للحصر إذ لم يحتج إلى تكلف، حمل الزمخشرى اللام على الأصل، وجعل التقديم للحصر، ولا يقال لو كان المعنى حصر المحامد فلا معنى لقولهم الحمد لله على ما أنعم أو على التصنيف أو نحوه، إذ ليس جميع الأفراد أو الجنس المختص، لأنا نقول هو مختص بالمحمد المفهوم الحاصل من الحصر، كأنه قال حمدى هذا على ذلك، وأما اختصاص المحامد بالله تعالى فقد يقال إنه ادعائى وعلى سبيل المبالغة لصحة الحمد ووقوعه على أفعال الخلق من حيث كسبهم واتصافهم بها، ويكفى فيه انتسابها إليهم بالاختيار والإرادة وإن لم تكن مؤثرة، لكن جعل كالعدم فى جنب محامده تعالى، والذى كنت أقول به إن اختصاص المحامد به تعالى حقيق، لأن كل نعمة أو جميل، ولو جرى لك أو لغيرك على يد مخلوق فالله تعالى هو المجرى إياه إليك، والخالق له لك والميسر له والاختيار الحقيقى لله تعالى لقوله عز وعلا: {ما كان لهم الخيَرَة} وإن اكتفيت بالانتساب فالاختصاص ادعائى. والله أعلم.
ثم إن الوصف فى مفهوم الحمد، هو الحمد وهو ذكر ما يدل على اتصاف المحمود بالمحمودية وهو قسمان:
الأول: ذكر يفهم منه جميل مخصوص بخصوصه أو عمومه أو إطلاقه.
الثانى: ذكر يفهم منه الجميل المطلق من غير تعيين، كما إذا قيل أنت متصف بالجميل. وكل منهما إما أن يفهم منه صريحاً أو التزاماً لزوماً قطعيا أو عرفياً أو ظنيا، كما إذا قيل كثير الرماد مراد به كثير الضيف، وهل يعتبر يزوم ظاهر وأعم منه ومن الخفى غاية الخفاء، والضعيف كل ضعف أو أعم منه، ومن الوسط فيه تردد.
وبهذا التعميم السابق صار قولنا: أحمد الله والحمد لله ونحوهما حمداً للدلالة على الاتصاف بالمحمودية المفهوم من ثبوت الحمد، ولما كان ذلك مجملا لم يعلم منه أن الله تعالى متصف بأى صفة من المطلق أو العام أو المخصوص، سموها دلالة إجمالية باعتبار أن المدلول مجمل، فالدلالة أعم من أن تكون إجمالية أو تفصيلية، ولك أن تقول حمد إجمالى فهو بمنزلة أنت متصف بالجميل المطلق لا يفيد الإطلاق فيساوى أحمد الله، وقد عرفت أن قولك الحمد لله وأحمد الله حمداً للدلالة على الاتصاف بالكمال، وقد يبحث بأنا لا نسلم دلالته على الاتصاف فلا يكون وصفاً بالجميل، إذ الوصف لا يدل على الاتصاف، لأنه فعل الواصف، والواصف قد يصف الشئ بما ليس متصفاً به، بخلاف الاتصاف فإنه قبول الوصف والمطاوعة بأن توجد الصفة، فقولك أنت متصف بالكمال لا يصدق إلا بوجود الصفة، فإن قولك الحمد لله أو أحمد الله إن ثبت مضمونه تلزم منه دعوى الاتصاف وذكره لا نفسه، وقولك أنت متصفاً يلزم الاتصاف من ثبوت مضمونه، وقد يجاب بأن الحمد لا بد فيه من قصد التعظيم، فكأنه قيل أعظمك ذا كمال، وهو يدل عرفاً على أن أنت متصف بالكمال، فإن الشخص لا يكذب نفسه، فكأنه قيل أنت متصف فيصدق المخاطب بمعونة الثقة بالمتكلم، فإنه إنما يصدق بمضمون أنت متصف بمعونة الثقة بالمتكلم، فإن اللفظ إنما يفيد تصوير المعنى والتصديق أمر حادث بمعونة القرائن كما صرح به أئمة الحكمة، وقد يجاب أيضاً بأن هذه العبارة تطلق عرفاً بمعنى أنه متصف، وقد يجاب أيضاً بأن قولك نصفك يدل على صدور القول الدال على الاتصاف، وذلك القول يدل على الاتصاف فيكون دالا عليه، بالواسطة فتحصل أن الدلالة ليست وضعية صرفية ولا عقلية قطعية، بل إنما يفهم من ثبوت الحمد ثبوت الجميل بمعونة الوضع ومقدمات عقلية، أو العرف فإنه إذا قيل إنه محمود، فقد فهم الوصف بالجميل الذى كان أو يكون، ويلزم من صحته ثبوت المحمودية للمحمود، وإذا فهم الوصف فهم الاتصاف لأنه دعوى الاتصاف، فثبت أن الحمد لله لفظ دال على الاتصاف فى الجملة، فيكون حمداً، وما قيل من أن الوصف إنما يدل على مطلق القول الشامل للصادق والكاذب، وذلك لا يدل على الاتصاف ليس بشئ، لأن جنس الكلام أعنى الماهية من حيث هى دال على ثبوت مضمونه فى الواقع، فإذا سمعه المخاطب فهم منه الاتصاف، وأما التصديق بمضمونه فمن القرائن بل الخبر الكاذب أيضاً دال بالوضع على ثبوت مضمونه، والكذب احتمال عقلى، وذكر الدوانى تلك الأجوبة وسمى الثانى جواباً بطى المسافة، فيحتمل أن يريد بالطى أن قولك الحمد لله بمنزلة أنت متصف، وبمعناه وحينئذ يلزم أن يكون الحمد لله مجازاً، مع أنه لا يجرى فى أحمد الله إلا بالتكلف التام، والأظهر أن المراد إن اعتقدك متصفاً مستعمل فى دعوى الاتصاف، فالطى بمعنى ترك دعوى أن الأول دال على الاتصاف، والدليل عليه متنقل إلى دعوى نقلى وهو أنه مستعمل بمعنى أنت متصف عرفا. ثم إنه لا يخفى أن ما ذكره من أن الشخص لا يكذب نفسه، إنما يجرى فى حمدت أو أحمد لا فيما إذا قيل أنت محمود أو لك الحمد مما لا يتضمن دعوى، اعتقاداً لمتكلم وحمده إياه حتى يقال إن المرء لا يكذب نفسه، فلا يكون الجواب حاسماً لمادة الشبهة، وإن أراد أن دعوى الحامد اعتقاد الكال بمنزلة دعوى كماله، فغاية ما يلزم من ذلك أن يكون القائل ناقلا دعوى الاتصاف وهو لا يدل على الاتصال، فتأمل جدا وإلا فى ثبوت دعوى ظهر الاعتقاد أن الحمد إنما يتحقق إذا تحقق المحمود عليه وهو الكمال الاختيارى للمحمود، فإذا قال أحمدك أو أنت محمود فكأنه قال أنت متصف بكمال الاختيارى، وصار منشئاً للوصف، وإذا اكتفى فى المحمود عليه باعتقاد الحامد بثبوته له فقد تضمن دعوى اعتقاد ثبوت الجميل الاختيارى، والاختيارى كمال ولا يحتاج إلى دعوى أن التعظيم فرع اعتقاد الكمال، ثم قول اعتقاد العاقل ثبوت كمال الشخص بالاختيار فرع كمال فيه عرفاً أو حقيقة، أقله صلوحة لأن يعتقد فيه جميل باختياره، وهذا نوع كمال أو مستلزم لكمال مفقود فى من لم يكن صالحا لأن يعتقد فيه كمال، بأن تكون الكمالات وصلاحية اتصافه بما منفية عنه، ولك أن تقول وصف المرء بالجميل وتعظيمه واعتقاده ثبوت الجميل له أمور جميلة عرفاً بذاتها ولو فى الجملة. فإذا ادعى ثبوت جميل غير المحمود وبالجملة كون المرء محمودا أمر حسن بالنسبة إلى كونه محقرا غير معتقد فيه الكمال، فإثبات الحمد إثبات لكمالات ثلاثة، فتتم الدلالة من غير احتياج إلى كثرة دقة، ثم السؤال إنما يتوجه فى الحمد لله ونحوه إذا لم يلاحظ معنى اللامين، وأما إذا لوحظ اختصاص الجنس والإفراد أو الفرد الكامل وإلا كمل، فدلالته على الاتصاف بالكمال التام غير خفى، لأن اختصاص ذلك فرع غاية الكمال.
وقيل الحمد لله وأحمد الله ونحوه حمد شرعى لا لغوى، أعنى أنه وضع للإنشاء كما وضع بعت واشتريت لإنشاء العقد، فيترتب عليه فوائد الحمد اللغوى، وإن لم يصدق التعريف عليه، وهذا على الاحتمال غير بعيد، وأما على الاعتماد والظن فلا يكونان إلا عن دليل، والذى يعلم من الشرع أنه اكتفى به فى مقام الحمد، ومنهم من قال الحمد ها هنا بمعنى المحمود به، فكأنه قيل الكمال لله، ولا يخفى أن ذلك إنما يظهر فى الجملة الاسمية، وأما إذا قيل أحمد الله فمعناه أنسب الكمال إلى الله وأصفه به فلا يفيد إلا دعوى الفصل فيرد عليه الإشكال السابق، وجعل المصدر بمعنى المحمود به ما أشفى العليل ولا أروى الغليل إلا أن يكون لإنشاء النسبة، وقيل لم يرد بذلك إلا إظهار محمودية الله وحامدية العباد ولا يلزم أن يكون حمداً وهو المراد حيث أمر به الشارع وهو منسوب إلى الشيخ عبد القاهر، ويلزم من ذلك فى نحو أحمد وتحمد أن يكون هناك حمداً جزاء ويكون فى اللفظ تجوز بعيد. والله أعلم.
وجملة الحمد خبرية لفظاً إنشائية معنى، لأن الإنشاء ما قارن لفظه معناه أو تبقت الحرف الأخير منه على الخلاف فى ذلك، والقصد من هذه الجملة إنشاء الحمد، ولا شك أن المراد من الإتيان بجملة الحمد لم يكن موجوداً قبل وجودها من الحامد حتى يكون مخبراً بذلك، ولهذا اشتق له اسم الحامد، ولو كان مجرد خبر لم يشتق له من متعلق إخباره اسم، إذ من لم يقم به الوصف لا يشتق له من لفظ ذلك الواصف وإن تلفظ به فلا يقال لنم قام زيد أو زيد له القائم قائم بخلاف الناطق بجملة الحمد فإنه قام به وصف الحمد المراد من تلك الجملة، وإن كان الأصل فى القصد بالخبر إعلام المخاطب بالحكم الذى هو مضمون الخبر، وقد يقصد به إعلام المخاطب بأن المخبر عالم بذلك والأول يسمى فائدة الخبر. والثانى لازمها كما فى علم المعانى، وكل مهنهما ليس مراداً بمجرده من جملة الحمد، وظاهر كلام المصنف أنه يتعين أن تكون إنشائية، ولكن تقدم أنه يجوز أن تكون خبرية لفظاً ومعنى مع حصول الحمد بطريق اللزوم، إذ الإخبار عن الحمد بأنه مملوك أو مستحق لله يستلزم نسبة مالكية الحمد واستحقاقه إليه، وذلك جميل قطعا، فيكون الوصف به حمداً لا بطريق المطابقة ولعله مراد من دل كلامه على عدم حصول الحمد على تقدير الإخبار، وحينئذ يشكل تعليل شيخ الإسلام كون الجملة خبرية لفظا إنشائية معنى بحصول الحمد بالتكلم بها مع الإذعان لمدلولها، لأنه لا ينتج الإنشائية معنى لحصوله مع الخبرية إلا أن يريد حصول الحمد لها بنفسها، وأما ما قيل من أنه لا بد فى تحقيق الحمد من الإذعان لمدلول الجملة والإخبار لا يستلزمه فلا يتحقق حمد على تقديره، ففى الغاية السقوط لأنه إنما يأتى على أن المراد بالتعظيم الباطنى الاعتقاد، ولأنه لا وجه للفرق فى عدم استلزام المذكور بين الإخبار والإنشاء، وقد علم تحقيق الإنشاء مع عدم الادعاء، بل مع إذعان العدم، ولأن اعتبار الإذعان وعدم لزومه للإخبار لا يسوغ إطلاق منع الإخبار وعدم حصول الحمد على تقديره، بل وزانه وزان سائر المعتبرات فى الحمد كالتعظيم ظاهراً، فغاية الأمر توقف تحقق الحمد على تحققه، وبالغ بعضهم فى إنكار كون الحمد لله إنشاء لما يلزم عليه من انتفاء الاتصاف بالجميل قبل حمد الحامد ضرورة أن الإنشاء يقارن معناه لفظه فى الوجود، وبحث فيه الكمال ابن الهمام بأن الحمد ثابت بلا شك والحامدون كذلك، وبأنه لا يصاغ لغة للمخبر عن غيره من متعلق إخباره اسم، فلا يقال لقائل زيد له القيام قائم، فلو كان الحمد إخبار معنى كما هو لفظ لم يقل لقائل الحمدلله حامد ولا انتفى الحامدون، واللازم من مقارنة معنى الإنشاء للفظة انتفاء وصف الواصف المعين لا الاتصاف، لأن الحمد إظهار الصفات لا ثبوتها، نعم قد يقال يلزم كون كل مخبر منشأ حيث كان واصفاً للواقع ومظهرا له، لكن يدفع هذا بأن الحمد يؤخذ فيه مع ذكر الواقع كونه على وجه ابتداء التعظيم، وهذا لس جزء ماهية الخبر، فاختلف الحقيقتان كظهر أن منشأ الغلط هو الغفلة عن اعتبار هذا القيد جزء ماهية الحمد، إذ بالغفلة عنه ظن أنه إخبار لوجود خارج يطابقه وهو الاتصاف بالجميل ولا خارج للإنشاء، وأنت علمت أن هذا خارج جزء المفهوم وهو الوصف بالجميل وتمامة وهو المركب معه من كونه على وجه ابتداء التعظيم لا خارج له بل هو ابتداء معنى لفظة علة له. والله أعلم.
وتقدم أن الحمد مختص بالله ومن حصر فيه تحقيقاً أو مبالغة، لأن كل جميل فهو له ومنه، خلقاً وتمكيناً وتيسيرا، ويبحث بأن أفعال العباد ترجع إلى الله تعالى من جهة الخلق والإقدار وتحصيل الأسباب والتوفيق، ولكن ترجع إلى العبد أيضاً من جهة المباشرة والكسب بعد الإرادة سواء قيل إنه غير مؤثرة، كما هو مذهب أبى الحسن الأشعرى والزاعمين أنهم أهل السنة لو قيل مؤثرة، وهذه الجهة وإن رجعت إلى الله تعالى لأنه خلق القدرة والإرادة وتحصيل الأسباب ورفع الموانع، لأنه ترجع إلى العبد أيضاً لأنه شخص خلق الله تعالى فيه الجميل ومكنه من مباشرته بعد خلق الإرادة وبإرادته ومباشرته يمدح ويثاب ويذم ويعاقب، فيجث بالضرورة أن ترجع إلى العبد بوجه ما يخص به فيحمد باعتبار هذه الجهة، فرجوع الحمد إلى الله تعالى لا يقتضى حصر الحمد فيه.
وإن قلت لو رجع الحمد إلى الله تعالى باعتبار المذكور لرجع لمصالح وحكم ومنافع لا يرعف تفصيلها إلا العليم الحكيم، وهو وإن تضمن شرا بالنسبة إلى شخص فجهات خيريته أتم أكثر فهو خبر، وإنما المذموم مباشرة المكلف له وإرادته، قال صلى الله عليه وسلم:
"والشر ليس إليك" أى ليست شريته من جهة راجعة إليك بالله كالخلق والأقدار. وقيل المراد حصر الاستحقاق والسؤال بحاله والأشكال على منوال، لأنه إذا رجع إلى العبد بوجه فقد استحقه بالجملة ولو كان ضعيفاً وأكثر المتأخرين الناظرين على أن الحصر مبالغة وادعاء. قال بعضهم: وبه صرح السعد فى حاشية الكشاف، والمراد: أن الأفعال لما رجعت إليه وكذا المحامد، أمكن ادعاء الحصر فيه، ويحتمل أن يكون فسر اختصاص الحمد فى الكشاف بأنه لا أحق منه، والمراد أنه أحق من غيره، فالمراد حصراً حقيقة الحمد، لكن القاضى لما قال ذلك أعقبه بقوله: بل لا يستحق فى الحقيقة الحمد غيره، وقال فى له الحمد دل على اختصاصه به فى الحقيقة فعاد الإشكال، ثم إنه قال فى قوله الحمد فى الآخرة: إن النعم الدنيوية قد تكون بواسطة من يستحق الحمد لأجلها، وهو صريح فى أن العبد يستحق الحمد فى الدنيا، فقيل فى رفع المنافاة بين كلاميه أن المنفى الاستحقاق، وبمعنى أنه لازم له لو ترك يكون ظلماً وتجاوزاً عما يجب، فالعبد لا يستحق الحمد عند التحقيق، كما أنه لا يستحق الثواب بطاعته، وإنما ذلك من فضل الله الرحمن الرحيم، فإذا أثبتنا للعبد حمداً أو ثواباً وقلنا باستحقاقه، فعلى معنى تأهله لذلك بمقتضى وعد الله وكون الله - عز وجل - لا يضع الشئ فى غير موضعه، وليس استحقاقاً واجب الأداء شرعاً أو عقلا، بل مناسبة واستحسان، وزعمت المعتزلة أن الثواب لازم وكلا الاستحقاقين حقيقان، فلا حاجة إلى قول القاضى بالحقيقة، اللهم إلا إن أراد بها أن استحقاق العبد للحمد كعدمه، لأن الله هو مولى الخير والجميل، ويحتمل أن يكون قد حمل الاستحقاق فى الحقيقة على ما لم يكن للغير دخل فيه، وهذا ليس إلا لله، فإن كل حمد لغيره فلله الجهة العليا منه وفيه بعد، وتحصل من ذلك أنه يجوز أن يكون غير الله محموداً، لكن الله تعالى هو الكامل فى المحمودية، وقال الدوانى: القصر على الحقيقة فلا محمود حقيقة إلا الله، والإشكال مندفع لأن الحمد مختص بالفعل الاختيارى ولا اختيار لغيره تعالى حقيق، وإنما العبد مضطر فى صورة مختار على ما صرح به السعد فى شرح المقاصد، فيلزم اختصاص الحمد اللغوى، إذ المحمود عليه يجب أن يكون بالاختيار ونسبة الفعل إلى العبد ولو كانت حقيقة، لكن يعتبر فيه الكسب لا التأثير والاختيار الذى هو أنه لا يقع إلا ما أراد، والمعتبر فى مفهوم الحمد الاختيار لا الكسب، فلا يلزم إطلاق الحمد على ما يتعلق بالعبد، والجميل فى قولهم على الجميل صفة للفعل، كيف والمحمود عليه يجب أن يكون وصفاً للمحمود والقائم بالعبد كالصلاة مخلوق لله - عز وجل - لا فعل له ولا مخلوق للعبد، بل فعل للعبد وليس اختياراً له بمعنى أنه لما أراده استحال ألا يقع، لكنه لا يخفى أن الاختيار إما بمعنى أنه لا يصير إلا ما أراد المريد، من حيث إنه إرادة وهو مختص بالله عز وعلا، وإما بمعنى صدور الشئ بعد الإرادة وهو مستعمل فى العرف ومتبادر عند الإطلاق، إذ قيل فعل فلان باختياره أو فلان مختار، والمراد به نفى الخبر والاضطرار وليكن هذا هو المأخوذ فى تعريف الحمد وهو شائع فى اللغة، وشاع فيها حمد غير الله سبحانه، وليس الاختيار بذلك المعنى مجازاً بل حقيقة لغوية وإلا فلا أقل من أن يقال عرفية، والتعريف للمتأخرين المستنبطين لا اللغويين، فلا يقال كيف يستعمل المجاز فى التعريف، بل لو كان مجازاً لم يمتنع التعريف به لأنه مشهور أو لأنه حقيقة عرفية، فليس الحمد معتبرا فيه الاختيار المختص بالله تعالى.
وأما كون الجميل صفة للفعل، ففيه أن الفعل يجوز إطلاقه على ما ينافى الكسب، ولا يقتضى إلا المباشرة وهو المعنى بقوله تعالى:
{ وعملوا الصالحات } وهو شائع فى عرف اللغويين وغيرهم، فلا بعد فى إرادته فى التعريف ولا سيما إن أريد الفعل عرفاً، ثم إن الفعل كثيراً ما يطلق على الحاصل من الفعل فيحتمل أن يكون المراد الأعم بعموم المجاز يدل له ما ذكر السعد: أن الحمد على الإنعام أمكن، وهو أيضاً يدل على أن المحمود عليه لا يجب أن يكون وصفاً حقيقياً، ثم إنهم صرحوا بأن الفعل الاختيارى أعم من أن يكون حقيقة أو حكما، وزعم الاختصاص مدع لكن يبقى النظر فى قوله تعالى: { له الملك وله الحمد } والظاهر منه الاختصاص حقيقة، ولو لم يكن الاختيار بالمعنى الحقيقى لم يصح الحصر، إذ ليس فى التعريف شئ آخر يقتضى الاختصاص، كذا قيل. ولا يخفى أنه بعد تسليم أنه ليس هنا شئ آخر حقيقة، إنما يتم إذا كان اللام فى الحمد للجنس أو للاستغراق، وكان التقديم للحصر والاختصاص، وكل منهما ممنوع عند النزاع، وكون ذلك هو الأظهر الذى لا ينبغى أن يعدل عنه يحتاج إلى دليل وتفصيل، ولا سيما وقد اشتهر أن الشئ عند الإطلاق يصرف إلى الفرد الكامل، والتقديم ما يكون لتقوية الحكم والاتصاف أن المتبادر من السوق الحصر، وحيث لم يكن عهدا ظاهرا فالمتبادر الجنس أو الاستغراق، والحق أن لا جزم بأحد الوجهين ولا الترجيح التام، ولكل وجه وجهة، أما الحمل على المعنى الحقيقى الأصلى فلأنه المتبادر عند الإطلاق، أى إذا لم يطلق على المتعلق بالعبد، بل من حيث هى ويؤيده قيود التعريف محمولة على الظاهر، وأنه لا يعدل عن المتبادر الظاهر فيها ما لم يمنع عنه مانع، وحينئذ يظهر الاختصاص والاختيار، وإن كان أعم من الحكمى، إلا أنه لما فسر بأن يكون منشأ لفعل اختيارى يلزم ثبوت الاختيار، فلا يصح ممن ليس له اختيار أصلا، وهو الاختيار الذى لا محيد عن مقتضاه، والعبد ليس له هذا الاختيار. وأما المعنى الثانى العرفى فلأنه الشائع الذائع بين أهل اللغة والعرف العام، ويؤيده أن التعاريف اللغوية يكتفى فى قيودها بما هو الشائع لا ينظر إلى التدقيقات الحكمية، وأنه قد شاع بين الجمهور حمد غيره تعالى، والمتبادر الحقيقة لا المجاز، وحينئذ لا يتم الاختصاص بمعنى الحصر الحقيقى.
وأما ما قيل من الثانى فى قوة الخطأ ولا يحمل عليه إلا لضرورة، فهو مبالغة لا تعويل عليه، فإن قلنا بالاختصاص الحقيقى فالوجه فى دفع التناقض بين كلامى القاضى أن يقال الاستحقاق والحمد الحقيقيان، وإن اختصا بالله تعالى لكن فى الدنيا قد يرى للعبد أفعال يستحق أن يحمد عليها مجازاً ظاهرا، أو يراد حمده مجازا، أو يراد حمد الله بسبب ما جرى على يده، وبالجملة لما كان له فى الجملة دخل ما فى ظهور المحمود عليه ناسب أن يكون له دخل فى الحمد، وأما فى الآخرة فيظهر أن لا دخل لغيره تعالى، فلا يستحق ذلك القدر العبد، و يقال لما اعتبر فى الحمد الاختيار وليس لغير الله تعالى اختيار حقيقة بل ظاهرا، هذا كله إذا أريد زيادة المناسبة وشدة الخصوصية، وهو الذى يقتضيه لام الاختصاص كما فى قولك الجل للفرس، فلا إشكال فى المقام، لأن الجنس للحمد وكذا لا إفراده خصوصية بالله تعالى لا تكون لغيره، إذا كل كمال أو جمال مضمحل فى جماله ويرجع إليه بوجوه عائدة، وكل اختيار لغيره يعود إلى اضطرار وظاهره يرجع إليه، وكل معظم هو مستحق لما فوقه وذلك يعود إليه، وله تعالى محامد يستقل بها، فللجنس والإفراد زيادة خصوصية، وتعلق به تعالى ولله الحمد أولا وآخرا ظاهرا وباطنا.
{رَبِّ العَالَمِينَ}: أى مالكهم أو سيدهم أو مصلحهم أو مربيهم أو خالقهم أو معبودهم أو مدبرهم أو جابرهم أو صاحبهم أو ثابتهم، أى الثابت لهم وقريهم، أى القريب إليهم وجامعهم فى أنفسهم وآمرهم أو محيطهم كذلك، أو كثير الخير لهم أو مولى النعم لهم. فهذه خمسة عشر معنى، كلها تدل على معنى الحفظ والتربية، وكلها صفات فعل، إلا المالك والسيد والثابت فصفات ذات، وليس لفظ رب مشتقاً من التربية لكنه بمعناه كما علمت، فإن لامه باء موحدة ولامها ياء مثناة تحتية، وهى تبلغ الشئ إلى كماله شيئاً فشيئا.
وإن قلت كيف يدل المالك وما ذكر على التربية والحفظ؟ قلت التزاماً لا مطابقة ولا تضمنا، فإن من شأن من يملك الشئ أن يسعى فى حفظه ونمائه وكذا ما ذكر، ولا يطلق رب على غير الله تعالى إلا مقيداً كقوله تعالى:
{ ارجع إلى ربك } وقول الأندلسي:

فسل ربهم أعنى العظيم برومة لماذا أجازوا الغدر بعد أمانة

ولا يقال الرب بأل لغير الله تعالى، ولو لم يكن لبس لقرينة تأدباً وحوطة، ولو جاز بالنظر إلى اللغة وجاز إطلاقه على غيره مجموعاً، كما تقول رب الأرباب، قال الله سبحانه وتعالى: { أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار } ولفظ رب فى الأصل مصدر وصف به للمبالغة، كالصوم والعدل وهى مبالغة نحوية وهى الكثرة، وفى ذلك أيضا بلاغة، على ما مر، ولا تنافى المصدرية المعانى السابقة، لأنه استعمل فيها بعد إخراجه عن معنى مجرد ما وضع له، فوصف به حتى كأنه اسم فاعل أو صفة من الصفات، فهو محتمل للضمير، وقيل لا وكذا كل ما ليس صفة إذا جعل نعتاً أو جرياً مجرى النعت، فبطل ادعاء بعضهم المنافاة، وقيل صفة مشبهة من ربه يربه فهو رب كنم الحديث ينمه فهو نم، فوزنه لعل - بفتح الفاء وإسكان العين - يقال ربه بمعنى ساسه وقام بتدبيره، وهو من باب نصر ينصر، ومجئ الصفة المشبهة من هذا الباب عزيز، وإن قلت: كيف تصاغ الصفة المشبهة منه وهو متعد؟ قلت: صيغت منه بعد جعله لازما بنقله إلى فعل - بضم العين - أو بتنزيله منزلة اللازم، بقطبع النظر عن تعلقه بالمفعول وعدم ملاحظة له، لفظاً ولا معنى، إذ لم يذكر ولا نوى حين قيل: هو رب أو نحو ذلك، وقيل اسم فاعل أصله راب بالألف حذفت الألف لكثرة الاستعمال، كما يقال فى بار: بر، لالتقاء الساكنين، لجواز التقائهما إذا كان الأول ألفاً أو واواً أو ياء والآخر مدغماً، وضعف لأنه خلاف الأصل ولا دليل عليه، واختيار بعضهم أن لفظ رب مشترك بين المصدر والصفة لجواز اشتراك اللفظ بين المصدر والصفة، فتحمل الآية ونحوها على المصدر أو على الصفة، فأحد وجهيها الصفة المشبهة أو اسم الفاعل.
والعالم اسم لما يعلم به كالخاتم والقالب، فيقال لما تنظر فيه المرأة حيضها عالم كما يقال لها علم، وكذا يقال لما يقاس عليه النعل ونحوها ثم غلب على ما يعلم به الصانع - سبحانه وتعالى - وهو ما سواه من جسم وعرض، فان الأجسام والأعراض تدل على وجوده لإمكانها وافتقارها إلى مؤثر واجب لذاته، ومعنى إمكانها أن وجودها جائز لذاتها، ولو وجب بمقتضى قضاء الله وقدره والصانع يعرف بصنعته، لأن الصنعة تدل على الصانع وكل شئ لله سبحانه وتعالى. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"إن الله صانع كل صانع وصنعته" والعالم مشتق من العلم - بكسر العين وإسكان اللام، لأن الصانع يعلم به وليس كما قال بعض العلماء مشتق من العلامة، من أن تلك الأشياء علامة على الله تعالى، لأن العلامة نفسها مشتقة من العلم - بكسر فسكون - اللهم إلا إن أريد التقرب للأفهام.
وإن قلت: إذا كان العالم اسماً لما سوى الله تعالى فما فائدة جمعه؟ قلت: يطلق العالم على كل فرد فرد وجزء جزء، فزيد عالم وبكر عالم، وكل جزء منهما وإن دق عالم فيجمع ليشمل كل الأفراد والأجزاء، ويطلق العالم على كل نوع نوع، فالناس عالم، والملائكة عالم، والجن عالم، والنمل عالم، والخيل عالم، والجبال عالم، والأرضون عالم، والسماوات عالم، وهكذا فيجمع ليشمل الأنواع، ويطلق ويراد به ما سوى الله عز وجل جميعاً، فيجمع تنصيصاً على الأنواع، فمعنى العالم ما سوى الله جميعاً من غير تعرض للأنواع، ومعنى العالمين جميع الأنواع كالجلوس يدل عن النوع التزاماً، والجلسة يدل عليها مطابقة وتصريحاً، هذا ما تراه منى ولا تراه لغيرى والله أعلم.
وإن قلت ليس علماً لعاقل ولا صفة له، فكيف يجمع جمع سلامة لمذكر؟ قلت: جمع شذوذا من حيث فقد العلمية والوصفية، وقد يقال: اعتبر فيه معنى الدال، فكان كوصف فساغ جمعه قياساً بالتغليب، أو إذا كان العاقل، وأما جهة العقل فقد يقال فيها إنه جمع تغليباً للعاقل على غيره، أو يقال إنه جمع للعالم الذى هو عاقل كالملائكة والناس والجن، وأن أنواع العقلاء هى المرادة فقط، فهذه كما يطلق قائم على العقال ويطلق على غير العاقل، ولا يجمع على قائمين إلا المطلق على العاقل، أو المطلق عليه والمطلق على غيره معاً تغلبياً، هذا ما يظهر لى.
وذكر أبو حيان أن أل للاستغراق وأنه جمع سلامة لعالم الذى هو اسم جنس، وقياسه ألا يجمع وشذ جمعه جمع السلامة المذكور، لأنه ليس علماً ولا صفة ولم يناف ما ذكرته، وقال وذكر ابن مالك فى شرح التسهيل: إلى أن عالمين اسم جمع لمن يعقل وليس جمع عالم، لأن العالم عام للعقلاء وغيرهم، والعالمين خاص بهم، ويعنى الجمع يجب أن يكون أعم من مفرده لا أخص ولا مساوياً. قلت يرده أن عموم العالم كعموم قائم فى العقل وغيره، والمأخوذ فى الجمع هو المستعمل فى العاقل أو فيه مع المستعمل فى غيره معاً تغليباً، كما وعمومه بدلى وعموم العالمين كعموم الرجال شمولى، والعموم الشمولى هو المعتبر فى الجمع، فإذا أخذت العالم فى العاقل وجمعته كان العقلاء الذين شملهم الجمع أكثر من الذين شملهم العالم، وكذا فى التغليب بل أعظم، فاذا فهمت عنى ظهر لك أنه لا حاجة إلى جواب بعض بأن كون الجمع أعم أغلبى، وبأنه يجوز كونه مساوياً، بل ذلك باطل والحق كونه أعم أبدا، وقد قيل المراد فى الآية ذووا العلم فقط الملائكة والإنس والجن، وتناوله لغيرهم على سبيل الاستتباع، وقيل المراد فيها الإنس فقط، لأن كل واحد منهم عالم من حيث إنه يشتمل على نظائر فى العالم الكبير من الأجسام والأعراض يعلم به الصانع كما يعلم بما أبدعه فى العالم، ولذلك سوى بين النظر فى الإنس والعالم الكبير، إذ قال:
{ وفى أنفسكم أفلا تبصرون } ووجه ذلك أن الإنسان يشتمل على ما فى غيره من الكمال ويزيد عليه بالتمكن والاستنباط والإمداد بالمعارف، واكتساب الخصال الحميدة، وإنما جميع العالم بالياء والنون مع أن الجمع بذلك جمع قلة تنبيهاً على أن الأجناس والأنواع وإن كثرت قليلة فى جنب عظمة الله وكبريائه ومراعاة لأنواع العقلاء وأجناسهم، لأنها قليلة ولو كثرت أفرادهم.
واختلف فى العوالم فقيل ألف عالم أربعمائة فى البر وستمائة فى البحر، وقيل ثمانية عشر ألف عالم، عالم الدنيا كلها عالم واحد، وقيل أربعون ألف عالم، الدنيا واحد منها، وقيل ثلثمائة وستون عالماً، ثلثمائة حفاة عراة لا يعرفون خالقهم، وستون يلبسون الثياب والريش، وقيل ثمانون ألف عالم، أربعون فى البر وأربعون فى البحر.
وقال كعب الأحبار: لا يحصى عدد العالم إلا الله تعالى:
{ وما يعلم جنود ربك إلا هو } وقيل المراد فى الآية كل ذى روح دب على الأرض.
وقيل المراد سكان أرض بيضاء مثل الدنيا ثلاثون مرة مملوءة بخلق الله سبحانه، لا يعرفون آدم ولا إبليس.
وقيل المراد ملائكة الأرض وهم ثمانية عشر ألف ملك فى كل ناحية منها أربعة آلاف وخمسمائة، مع كل واحد منهم عدد من إنس وجن، وبهم رفع الله سبحانه العذاب عن أهل الأرض، وقيل رهط من الملائكة فى الجهات الأربع مع كل منهم من الأعوان ما لا يعلم عدتهم إلا الله سبحانه وتعالى، ومن وراء تلك الجهات أرض بيضاء كالرخام، عرضها مسيرة الشمس أربعين يوماً مملوءة بملائكة الله، يقال لهم الروحانيون، لهم زجل بالتسبيح والتهليل، لو كشف عن صورة أحدهم لهلك أهل الأرض من صورته، ومنتهاهم إلى حملة العرش.
وذكر بعض فى الأخبار: أن بنى آدم عشر الجن، وبنى آدم والجن عشر حيوانات البر، وحيوانات البر عشر الطير، والطير عشر حيوانات البحر، وحيوانات البحر عشر ملائكة الأرض، وملائكة الأرض عشر ملائكة السماء الدنيا، وهكذا كل سماء عشر ما فوقها، وملائكة السابعة عشرة ملائكة سرادق واحد من سرادقات العرش التى عددها مائة ألف طول كل منها كعرض السماوات والأرض وما بينهما وما فيهما، وما مقدار شبر من ذلك إلا وفيه ملك ساجد أو راكع أو قائم لله تعالى، له زجل بأنواع التسبيح والتهليل والتقديس، وكلهم فى الذين يحومون حول العرش كقطرة فى بحر، والعالم الكبير إما ظاهر محسوس وهو ما ظهر للحواس، ويقال له عالم الملك، وهو يكون بعضه من بعض، وإما باطن معقول كعالم الملكوت، وهو ما أوجده الله بالأمر الأزلى بلا تدريج، وبقى على حال واحدة بلا زيادة ولا نقصان، وإما عالم الجبروت، وهو ما بين العالمين مما يشبه أن يكون فى الظاهر من عالم الملك، فجبر بالقدرة الأزلية بما هو من عالم الملكوت، والإنسان ينقسم إلى ظاهر محسوس كالعلم، وإلى باطن كالروح والعقل والإرادة، وإلى ما هو مشابه، وإلى مشابه لعالم الجبروت كالإدراكات الموجودة بالحواس والقوى الموجودة بأجزاء البدن.
ورب نعت للفظ الجلالة أو بدل، وليس البدل أبداً هو المقصود بالحكم، بل هذا غالب، والآية من غير الغالب، بل معنى كونه المقصود بالحكم عندى أنه يقصد تارة بوجه من الوجوه، كقصده هنا ليناسب الحمد، لأن دلالته لبادئ الرأى على الجميل أظهر من دلالة لفظ الجلالة، ويقصد تارة بالحكم وحده بحيث لا يكون الأول إلا تمهيداً له، وليست الآية من هذا، ويجوز كونه عطف بيان للمدح، وقرأه زيد بن على بالنصب على المدح، كذا قال القاضى عطف بيان للمدح، وقرأه زيد بن على بالنصب على المدح، كذا قال القاضى وجار الله، ومثلهما من المحققين، والذى يظهر أن مرادهم أنه منصوب بأمدح محذوف أو بأعنى أو بأخص، وأن وجه المدح على تقدير أعنى إثبات العناية والإعلام بها ولو محذوفة، ولكن المعنى عظيما يعلم ما وصف به وأعلق باسمه، ولو حذف ذلك الذى كان وصفاً أو علق به أو على النداء، أى يا رب العالمين على طريق الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، أو فعل محذوف دل عليه الحمد، أى أحمد رب العالمين.
وفى قوله {رَبِّ الْعَالَمِينَ} دليل على أن الأشياء محتاجة إلى إبقائه إياها بعد حدوثها، كما احتاجت إلى إحداثها قبل وجودها، فلولاه لم تبق بعد حدوثها، كما أنه لولاه لم تكن، ووجه الدلالة أن الرب بمعنى المربى، أو غير ذلك من معانيه، هو القائم بإبقاء الشئ وإصلاحه حال بقائه.
{الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}: إنما كررها لتعليل استحقاق الحمد، كما وصف برب العالمين لذلك. وكما وصف لذلك بقوله: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} كأنه قيل إن الله حقيق بالحمد لا أحد أحق به منه، ولا يستحقه على الحقيقة سواه، لكونه موجداً للعالمين، مبقياً لهم حال بقائهم، منعماً عليهم بالنعم كلها ظاهرها وباطنها، عاجلها وآجلها، ملكا لأمورهم يوم الثواب والعقاب، فإن ترتيب الوصف على الحكم يشعر بكون الوصف علة للحكم، فالوصف بالربوبية والرحمة والملك بعد الحمد يشعر بأنها علة الحمد فيفهم، ذلك أن من لا يتصف بتلك الصفات لا يكون أهلا للحمد، فضلا عن أن يثبت له الحكم بالعبادة والاستعانة به المذكورين بعد، فالوصف بالربوبية بعد ذكر الحمد لبيان ما أوجب الحمد وهو الإيجاد والتربية والإبقاء، وبالرحمة للدلالة على أنه متفضل بالإيجاد والتربية والإبقاء، مختار فى ذلك لا مضطر ولا موجب عليه ذلك بالذات، ولا يعارض كأعمال الخلق، بل فضل يستحق عليه الحمد.
وعن سليمان: أن الله تبارك وتعالى خلق يوم خلق السماوات والأرض مائة رحمة، كل رحمة منها طبقاها السماوات والأرض، فأنزل منها رحمة واحدة فيها يتراحم الخلائق حتى ترحم البهيمة بيهمتها، والوالدة ولدها، فإذا كان يوم القيامة جاء بتلك التسعة والتسعين، ونزع تلك الرحمة من قلوب الخلائق، فأكملها مائة رحمة، ثم يصبها على خلقه، فالخائب من خاب من تلك المائة.
وعن الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"والذى نفسى بيده لا يدخل الجنة إلا رحيم قالوا: يا رسول الله كلنا رحيم، يرحم الرجل نفسه وولده ويرحم أهله. قال: لا حتى يرحم الناس جميعاً" ، والوصف بملك يوم الدين لتحقيق الاختصاص، فإنه لا يشاركه أحد بوجه ما من الوجوه فى كونه ملك يوم الدين، ولتضمين الوعد للحامد والوعيد للكافر المعرض عن، الحمد، وقيل كرر الرحمن الرحيم لأنه لم يذكر فى البسملة من أنعم عليه، وهنا قد ذكره وهو العالمون فى قوله: {رَبِّ العَالَمِينَ}، وقوله: {الَّذِين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} وليس هذا منافياً لما ذكرته أولا من أنه كررها لتعليل استحقاق الحمد وخصهما بالتكرير تنبها، على غلبة رحمته غضبه، وعلى أن العناية الرحمة أكثر منها بسائر الأمور، فلذلك كررهما دون لفظ الجلالة ولفظ رب ولفظ ملك، وذلك خمسة أسماء مذكورة فى السورة: الله والرب والرحمن والرحيم والملك، كأنه قال خلقتك أولا فأنا إله، ثم ربيتك بإسباغ نعمتى فأنا رب، ثم عصيت فسترت فأنا رحمان، ثم تبت فغرت فأنا رحيم، ولا بد من إيصال الجزاء فأنا ملك يوم الدين، أى ملك يوم الجزاء كقوله تعالى فى بعض كتبه: "يا ابن آدم كما تدين تدان" وصيرته العرب مثلا وورد فى الحديث عنه صلى الله عليه وسلم فهو حديث قدسى.
وقول الشاعر:

واعلم وأيقن أن ملكك زائل واعلم بأنك كما تدين تدان

وقول الشاعر:

ولم يبق سوى العدوا ن دناهم كما دانوا

يقال دانهم الله بفعلهم ديناً بكسر الدال وفتحها، وإضافة ملك على ظاهرها يعنى أن يوم الجزاء وهو يوم البعث فى ملكه يحضره إذا شاء، ويجوز أن تكون من إضافة الوصف إلى الظرف إجراء له مجرى المفعول به على الاتساع بعد حذف المفعول، والأصل ملك الأمور يوم الدين، وهو يوم لما يحضر نزل منزلة الحاضر أو الماضى، كذا قيل. والظاهر عندى أنه لا حاجة إلى هذا التنزيل، لأن ملك صفة مبالغة للاستقبال، أو لأن المعنى ثبت له من الأزل أو من اليوم، كما من الأزل أنه ملك يوم الدين، فإنه قد ملك ما سيخلقه كما يملك الإنسان ما غاب عنه تعالى الله، وقيل إنه نزل يوم الدين لتحقق وقوعه منزلة الواقع فتستمر مالكيته فى جميع الأزمنة، فتكون الإضافة حقيقة تسيغ نعت المعرفة بملك، فان إضافة الوصف الاستمرارية حقيقة بالنسبة إلى ما مضى ولفظية بالنسبة إلى ما حضر وما استقبل، ونعت المعرفة قرينة على اعتبار جانب المضى، وقيل الدين الشريعة وقيل الطاعة، ويقدر مضاف فيهما أى يوم جزاء الشريعة أو يوم جزاء الطاعة، والمعنى الجزاء عليهما وقيل الدين القهر، يقال دنته فدان أى قهرته فذل، وقال ابن عباس: الدين الحساب، وقرأ عاصم والكسائي ويعقوب مالك بالألف، ويعضده قوله تعالى: { يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله } فإنه لا مبالغة فى مالك، كما أنها لم تكن فى تملك، وإنما اختلفا فى إثبات أن الله مالك وغيره غير مالك فى ذلك اليوم، والمختار ملك بدون ألف، لأنها هى قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الغالب، وقراءة أهل الحرمين، وقيل لقوله تعالى: { لمن الملك } لأن المراد فيه باليوم يوم الدين، وقد ذكر فيه الملك بضم فإسكان المأخوذ منه الملك بفتح فكسر، وهذا التعليل مبنى على أنه ليس ملك بفتح فكسر صفة مبالغة، بل صفة للمتصرف بالأمر والنهى فى المأمورين، بل هو بمنزلة قولك سلطان ولو كانت فى الأصل صفة مبالغة، واختيرت هذه القراءة أيضاً لما فيها من التعظيم، والمالك بالألف هو المتصرف فى الأعيان المملوكة كيف يشاء، فبين المالك والملك عموم وخصوص من وجه، لأن الملك بدون ألف هو المتصرف فى الأعيان المأمورة مملوكة أو غير مملوكة، والمالك بالألف هو المتصرف فى الأعيان المملوكة مأمورة أو غير مأمورة كذا قيل، والأوجه أن بينهما عموماً مطلقا، فكل مالك بالألف ملك بدون الألف ولا عكس، لعموم ولاية الملك بدون ألف، وإن اعترض بأنه يقال مالك الدواب والأنعام والوحوش والطيور بالألف، ولا يقال ملكها بدون ألف، أجيب بأن ذلك ليس من جهة عدم شمول حياطته لذلك، بل من جهة أنه إنما يضاف عرفاً إلى ما فيه انقياد وامتثال، وينفذ فيه التصرف بالأمر والنهى، وقيل المالك بالألف أعم، فكل ملك دون ألف مالك بألف ولا عكس، وهو قول من يعترض بذلك الاعتراض المذكور، وحجته ما ذكرته مما اعترض به، وقد مر الجواب.
وقيل ملك يوم الدين بدون ألف صاحب ذلك اليوم الذى يكون فيه الجزاء، وقيل هو القادر على اختراع الأعيان من العدم إلى الوجود، ولا يقدر على ذلك غير الله عز وجل، ويرده استعماله فى غير الله إلا أن يدعى أنه مجاز بحسب الأصل، وقيل القراءتان بمعنى واحد، وقرئ ملك بإسكان اللام تخفيفاً، وقرأ أبو حنيفة ملك بفتحها وفتح الكاف على أنه فعل ماض، ونصب اليوم على المفعولية، أى ملك نفس ذلك اليوم أو على الظرفية، وحذف المفعول أى ملك الأمر فى ذلك اليوم، وقرأ مالكاً بالألف والنصب والتنوين، ونصب يوم على المفعولية أو الظرفية على ما مر آنفاً، ومالكاً فى هذه القراءة حال أو مفعول لمحذوف تقديره: أمدح أو أخص أو أعنى، قيل أو منادى بمحذوف على أنه متصل بما بعده، أى يا مالك يوم الدين إياك نعبد، كأنه قيل إياك نعبد يا مالك يوم الدين، وقرأ مالك بالألف والرفع والتنوين ونصب اليوم على ما مر، ومالك بالألف والرفع والإضافة لليوم، وملك بدون ألف وبالرفع والإضافة، وهاتان القراءتان خبر لمحذوف، أى هو مالك أو ملك، وقرأ أبو هريرة: مالك بالألف والنصب والإضافة، وقرأ بدون ألف وبالنصب على ما مر فيه والإضافة وجملة ملك فى قراءة الفعل محلها نصب على الحال، وقال أبو حيان لا محل لها لأنها مستأنفة، ويدل للأول فيما قيل قراءة النصب على الحال، ويرده أن النصب لا ينحصر فى الحالية بجواز المفعولية لمحذوف كما مر، أو النداء على ما قيل، بل قراءة الرفع تدل قيل على ما قال أبو حيان، لأنه لمحذوف ولا دليل فيه لإمكان فعل الابتداء، والخبر حال، فذلك كله محتمل جائز والإضافة إلى اليوم فى قراءات الإضافة كلها بمعنى اللام، وقيل بمعنى فى على ما مر من أن المعنى ملك نفس اليوم، أو ملك الأمور فيه، واختير الأول، وخص الإضافة إلى اليوم أو نصبه بمالك، مع أنه مالك كل شئ لتعظيم ذلك اليوم أو لتفرده تعالى بنفوذ الأمر فيه، لأن ملك الأملاك يومئذ زائل، فلا ملك يومئذ ولا آمر إلا الله تعالى كما قال:
{ والأمر يومئذ لله } وقال: { لمن الملك اليوم لله الواحد القهار } وقال: { الملك يومئذ الحق للرحمن } وخص يوم الدين من سائر أسماء ذلك اليوم كيوم القيامة من ابتداء النشور إلى ما بعده مما لا نهاية له، ولعظم ذلك اليوم كثرت أسماؤه كيوم الدين ويوم القيامة للفواصل، وللتنبيه على الجزاء ترغيباً فى الخير وزجراً عن الشر، ولبيان العموم لأن الجزاء يشتمل على جميع أحوال يوم القيامة و { يوم لا ينفع مال ولا بنون } و { يوم ينفع الصادقين صدقهم } }، { { يوم تشخص فيه الأبصار } }، { { يوم لا يغنى مولى عن مولى شيئاً } }، { { يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً } }، { { لمن الملك اليوم } }، { { يوم هم على النار يفتنون } }، { { ويوم يحشر أعداء الله إلى النار } }، { { يوم يقوم الناس لرب العالمين } } { { يوم يتذكر الإنسان ما سعى } }، { { يوم الفصل وما أدراك ما يوم الفصل } }، { { يوم يقوم الروح والملائكة صفاً } }، { { يوم ترجف الراجفة } }، { { يوماً يجعل الولدان شيباً } }، { { يوم يخرجون من الأجداث سراعاً } }، { { يوم يكشف عن ساق } }، { { يوم لا يخزى الله النبى والذين آمنوا معه } }، { { يوم يبعثهم الله جميعاً } }، { { يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد } }، { { يوم ترى المؤمنين والمؤمنات } }، { { فاليوم لا يؤخذ منكم فدية } }، { { يوم يدع الداعى } }، { { يوم يسحبون فى النار على وجوههم } }، { { يوم لا يغنى عنهم كيدهم شيئاً } }، { { يوم يدعون إلى نار جهنم دعاً } }، { { يوم تمور السماء موراً } }، { { يوم نطوى السماء } }، { { يوم ينادى المنادى من مكان قريب } }، { { يوم يسمعون الصيحة بالحق } }، { { يوم تشقق الأرض عنهم سراعاً } }، { { يوم تشهد عليهم ألسنتهم } }، { { يوم نبطش البطشة الكبرى } }، { { يوم يعرض الذين كفروا على النار } }، { { يوم تقوم الساعة } }، { { يوم يلقونه سلام } }، { { يوم الحساب } }.. وغير ذلك مما يستخرج بتتبع القرآن والآخبار، وقد ذكرت أكثر من ذلك حاشية شرح الأجرومية، وسمى يوم الدين ويوم الجزاء لأنه يجازى فيه بالجنة والنار وعذاب الموقف، فإن فى الموقف عذاباً على قدر المعاصى والغفلة ويأتى ولو على السعيد.
{إيَاكَ نَعبُدُ وإيَاكَ نَسْتَعينُ}: أى ما نعبد إلا إياك، وما نستعين إلا إياك، فالتقديم للحصر والاهتمام والتعظيم، وزاد إياك نستعين بأن التقديم فيه للمفاصلة أيضاً إذ لا تختم بالنون لو قال ونستعينك لكن يلزم أيضاً أن يقال فى إياك نعبد زيادة على ما مر وهو المناسبة لإياك نستعين المستحق للتقديم.
قال ابن عباس: نعبدك لا نعبد غيرك، ونستعينك لا نستعين غيرك، وليكون أول الكلام ما هو مقدم فى الوجود، وهو الله سبحانه وتعالى وللتنبيه على أن العابد ينبغى أن يكون نظره إلى المعبود أولا وبالذات، ومنه إلى العبادة ثانياً وبعرض، وإنما ينظر إليها من حيث إنها نسبة شريفة إليه، ووصلة بينه وبين الحق جل وعلا، لا من حيث إنها عبادة صدرت عنه، فإن العارف بالله سبحانه وتعالى إنما يحق وصوله إذا استغرق فى ملاحظة جناب القدس، وغاب عما عداه حتى لا يلاحظ نفسه ولا حالا من أحوالها، لا من حيث إنها ملاحظة لجناب القدس، أعنى حق عظمة الله وتنزهه عما لا يليق من حيث إنها منتسبة إلى ذلك الجناب، ولذلك كان قوله صلى الله عليه وسلم كما حكاه مولانا جل وعلا:
{ لا تحزن إن الله معنا } أفضل مما حكى عن موسى عليه السلام: { إن معى ربى سيهدين } إذ قدم فى الأول ذكر الله على المعية، وقدم المعية فى الثانى وشمل الأول الهداية وغيرها، وظهر فيه حصول الهداية وغيرها فى الحال بظاهر العبارة، والثانى ليس فيه إلا الهداية وطلب حصولها فى المستقبل كذا قيل، ويبحث فيه بأنه شامل لغير الهداية، وهى الحفظ، وأما الطلب فليس المراد أنه أفادته السين، بل أفادته عبارته بقرينة الحال، وما ذكرت من أن التقديم للحصر ولما ذكر هو الحق كما اشتهر فى علم البيان، وليس كما قال السبكى: إن التقديم لا يدل على الحصر، وإنه إنما يدل على الاختصاص الذى تفيده لام الجر، ثم لا مانع عندى أن يراد أوجه الحصر كلها فى الآية وحيث أمكن حصر القلب وحصر التعيين وحصر الإفراد، وكأنه قيل نعبدك وحدك ونستعينك وحدك، مخالفين لمن جهل من يعبده ومن يستعينه وتردد، ولا نعبد غيرك ولا نستعينه، كما اقتصر بعض المشركين على عبادة غيرك واستعانته، وإيا: ضمير منفصل مشترك بين المذكر والمفرد والمخاطب، وضد ذلك، فهو بالنظر إلى ذلك كالأسماء الظاهرة المشتركة كالعين والقرء فيما يظهر لى، واللواحق تميز المراد من إفراد وتثنية وجمع، وتذكير وتأنيث، وغيبة وخطاب وتكلم، ومن حروف، فالكاف المفتوحة تدل على أن المراد ما ليس مؤنثاً، وأن المراد ما ليس غائباً ولا متكلما، وهو ما يسمى فى الجملة مخاطباً، ولو صرح بعض أصحابنا بأنه لا يقال: خاطبت الله والواضح عندى الجواز لأنه ظاهر اللغة، ولا مانع لأن معنى: خاطبته ناجيته، ولقوله تعالى: { ولا تخاطبنى فى الذين ظلموا } فإن مفهومه أنه يجوز لك يا نوح أن تخاطبنى فى غير الظالمين، وإذا جاز هذا جاز أن يقال: خاطبته إلا أن يقال المعنى لا تكلمنى فى الذين ظلموا بما تسمونه فى كلامكم خطاباً، والخطاب فى اللغة إلقاء الكلام إلى أحد ولو بصيغة الغيبة، فإذا قلت لك: قام زيد فقد خاطبتك، وما يلحق الكاف يدل على التثنية والجمع، فالكاف حرف يدل على معنى فى الضمير قبله، وما يلحقها حرف يدل على معنى فى الحرف قبله وهو الكاف، والهاء كالكاف ولواحقها كلواحق الكاف، إلا أنها للغيبة، وقال الخليل إيا: ضمير مضاف إضافة عام لخاص إلى ضمير بعده وهو الكاف أو الهاء إضافة تبينه لما حكاه عن العرب، إذ بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشواب بإضافة إيا إلى الشواب، ويرده أن هذا شاذ لا يعتمد عليه، وأنه لم نر ضميرا مضافا، وأنه لا إضافة عام لخاص لازمة، وأن الإضافة توجب الإعراب ولا ضمير مفرد، والمعنى إذا بلغ الستين فيلحذر التعرض للشابات وليحذرنه، فيتميز المنفصل من المتصل، وقيل الضمير هو المجموع، وقيل إيا اسم ظاهر معرب بالتقدير على الألف مضاف لما بعده إضافة عام لخاص لازمة، ويرده أنه لا إضافة عام لخاص لازمة وينسب هذا القول أيضاً للخليل.
وقرئ أياك بفتح الهمزة وهياك بقلبها هاء مكسورة ومفتوحة، وقرئ بكسر الهمزة وتخفيف الياء، وإذا تقرر أن الكاف للخطاب وقد صح أن الأسماء الظاهرة من قبيل الغيبة فتلك الأسماء هنا اسم، اسم الله ورب والرحمن والرحيم وملك، ظهر لك أن فى إياك نعبد التفات من الغيبة إلى الخطاب، ويكون الالتفات أيضاً من الخطاب للغيبة، ومن المتكلم لأحدهما، ومن الالتفات عند السكاكى التعبير بواحد من ذلك، مع أن مقتضى الظاهر التعبير بغيره ولم يتقدم غيره، ومن الالتفات تعقيب الكلام بجملة مستقلة ملاقية له فى المعنى، على طريق المثل أو الدعاء أو نحوهما، كما فى قوله تعالى:
{ وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً } وقوله: { انصرفوا صرف الله قلوبهم } ونحو قصم الفقر ظهره، والفقر من مقصمات الظهر، وقول جرير:

متى كان الخيام بذى طلوح سقيت الغيث أيتها الخيام
أتنسى يوم تصقل عارضيها بفرع بشامة سقى البشام

ومن الالتفات أن تذكر معنى فتتوهم أن السامع اختلجه شئ، فتلتفت إلى كلام تزيل به اختلاجه، ثم ترجع إلى مقصودك، كقول ابن ميادة:

فلا صرمه يبدو وفى اليأس راحة ولا وصله يصفو لنا فنكارمه

كأنه لما قال فلا صرمه يبدو قيل له ما تصنع به؟ فأجاب بقوله وفى اليأس راحة، ذكر السعد ذلك، والواضح عندى إنما ذكر بعد التفات السكاكى يختص بالبديع، وليس من التفات فن المعانى ولو ذكره بعد، وفائدة الالتفات التفنن فى الكلام والنظرية له وتنشيط السامع وإيقاظه للإصغاء إليه، وذلك موجود فى كل التفات، وقد يختص مواقعه بلطائف أخر، كما فى هذه السورة الكريمة: فاتحة الكتاب، فإن العبد إذا ذكر الحقيق بالحمد عن قلب حاضر، يجد من نفسه محركاً للإقبال على ذلك الحقيق بالحمد سبحانه، وكلما أجرى عليه صفة من تلك الصفات العظام قوى ذلك المحرك إلى أن يؤول الأمر إلى خاتمتها، وهى قوله: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} المفيدة أن ذلك الحقيق بالحمد مالك للأمر كله فى يوم الجزاء أو لنفس اليوم، فحينئذ يوجب ذلك المحرك لتناهيه فى القوة والإقبال على ذلك الحقيق بالحمد، والخطاب بتخصيصه لغاية الخضوع والاستعانة فى المهمات. ذكر الخطيب القزوينى ذلك، قال السعد فى شرحه المطول: والمعنى يوجب ذلك المحرك أن يخاطب العبد ذلك الحقيق بالحمد بما يدل على تخصيصه، بأن العبادة وهى غاية الخضوع والتذلل له لا لغيره، وبأن الاستعانة فى جميع المهمات منه لا من غيره وتعميم المهمات مستفاد من إطلاق الاستعانة، والأحسن أن تراد الاستعانة على أداء العبادة، ويكون اهدنا بياناً للمعونة ليلتئم الكلام، وتكون العبادة له لذاته لا وسيلة إلى طلب الجوانح والاستعانة فى المهمات، فاللطيفة المختص بها موقع هذا الالتفات، هو أن فيه تنبيهاً على أن العبد إذا أخذ فى القراءة يجب أن تكون قراءته على وجه يجد ذلك المحرك من نفسه، هذا الذى ذكره المصنف - يعنى القزوينى - جار على طريقة المفتاح، وطريقة الكشاف هى أنه لما ذكر الحقيق بالحمد، وأجرى عليه تلك الصفات تعلق العلم بمعلوم عظيم الشأن، حقيق بالثناء والعبادة، فالتفت وخوطب المعلوم المتميز، فقيل إياك يا من هذه صفاته نعبد، ليكون الخطاب أدل على أن العبادة له لأجل ذلك التمييز الذى لا تحق العبادة إلا به، لأن المخاطب أدخل فى التمييز وأعرق فيه، فكان تعليق العبادة له تعليق بلفظ المتميز ليشعر بالعلية، ويمكن أن يقال إن ازدياد ذكر لوازم الشئ وخواصه يوجب ازدياد وضوحه وتميزه والعلم به، فلما ذكر الله - جل وعلا - توجه النفس إلى الذات الحقيق بالحمد، وكلما أجرى عليه صفة من تلك الصفات العظام ازداد ذلك، وقد وصف أولا بأنه المدبر للعالم وأهله، وثانياً بأنه المنعم بأنواع النعم الدنيوية والأخروية، لتنظم لهم أمر المعاش، ويستعد والأمر المعاد، وثالثاً بأنه المالك لعالم الغيب وإليه معاد العباد، فانصرفت النفس بالكلية إليه لتناهى وضوحه وتميزه بسبب هذه الصفات، فخوطب تنبهاً على أن من هذه صفاته يجب أن يكون معلوم التحقق عند العبد متميزاً عن سائر الذوات حاضر فى قلبه، بحيث يراه ويشاهده حال العبادة، وفيه تعظيم لأمر العبادة، وأنها ينبغى أن تكون عن قلب حاضر كأنه يشاهد ربه ويراه ولا يلتفت إلى ما سواه.
وذكر القاضى أن الله - جل وعلا - بنى أول الكلام على ما هو مبادئ حال العارف من الذكر بالبسملة والحمدلة، ومن الفكر بقوله: {رَبِّ الْعَالَمِينَ} ومن التأمل فى أسمائه والنظر فى نعمه بقوله: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} والاستدلال بصنائعه المشار إليه بقوله: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} على عظم شأنه وباهر سلطانه، ثم اتبع ذلك بما هو منتهى أمره وهو أن تخوض لحة الوصول إلى حقيقة معرفته انتهى بالمعنى.
قال والعبادة أقصى غاية الخضوع والتذلل، ومنه طريق معبد أى مذلل، وثوب ذو عبدة (بفتح العين والباء) إذا كان فيه غاية الصفاقة، ولذلك لا تستعمل إلا فى الخضوع لله تعالى، والاستعانة طلب المعونة، وهى إما ضرورية أو غيرها، والضرورة ما لا يتأتى الفعل دونه كاقتدار الفاعل وتصوره وحصول آلة أو مادة يفعل بها فيها، وعند استجماعها يوصف الرجل بالاستطاعة ويصح أن يكلف بالفعل وغير الضرورة تحصل ما تيسر به الفعل، ويسهل كالراحلة فى السفر للقادر على المشى أو يقرب الفاعل إلى الفعل ويحثه عليه، وهذا القسم لا تتوقف عليه صحة التكليف، يعنى الصحة العقلية، وإلا فالصحة الشرعية قد تتوقف على تلك القدرة، فأكثر الواجبات المالية، وقوله: ومادة يفعل بها فيها.. إلخ، ليس بضرورى فى مطلق الفعل، وإنما هو فى فعل يكون فى مادة والضمير بها للآلة وفى فيها للمادة والعبادة قسمان: عبادة تسخير كما فى قوله تعالى:
{ تسبح له السماوات السبع والأرض } وعبادة بالاختيار كقوله تعالى: { ومن فيهن } باعتبار ما شملته مَنْ مِن العقلاء، فهذه الآية شاملة للقسمين فما تقدم هو للقسم الأول، وقوله: { ومن فيهن } لهما، وذلك لأن من هذه مستعملة فى العاقل وغيره، وإن قلنا إنها استعملت هنا فى العاقل فقط فالآية أيضاً شاملة لهما، وكما فى قوله: { اعبدوا ربكم } ، وقوله {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} وقيل العبادة الفعل الذى يؤدى به الفرض لتعظيم الله تعالى، وتختص بالله سبحانه على التفسير الأول والثانى، لأنه مولى أعظم النعم، وهى إيجاد العبد من العدم إلى الوجود، ثم هدايته إلى دينه أعنى دلالته عليه، سواء أقبل أم أعرض، وأخر الاستعانة مع أنها مقدمة على الفعل للفاصلة، ولأنها ولو كانت مقدمة لكنها مستصحبة أيضاً، فهى أيضاً مع الفعل كالتوفيق والاستطاعة، ولأنها من العبادة فذكرها تخصيص بعد تعميم تعظيما لها، ولأن العبد يشرع فى العبادة ويستعين بالله تعالى على إتمامها، ولأنه إذا نسب العبادة إلى نفسه بقوله: {إِيَاكَ نَعْبُدُ} أوهم تبجحاً واعتدادا بما يصدر منه، فيؤديه إلى الفخر، أو يورثه ذلك رياء أو عجباً، لأنها منزلة عظيمة، فأزال ذلك بقوله: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} لأن الاستعانة تدل على العجز وعدم الاستقلال، وتصرح بأن العبادة مما لا تتم إلا بعونه تعالى، ولأن تقديم الوسيلة على طلب الحاجة أدعى إلى الإجابة، وليعلم من الآية ذلك بإشارة، وذلك كله على أن الواو عاطفة، وأما على أنها للحال فلا إشكال، لأن المعنى: نعبدك مستعينين بك، وهذا على قول بعضهم بجواز أن تقرن الجملة الحالية المضارعية المجردة من النفى، وقد والسين وسوف بواو الحال، وعلى المنع فليقدر المبتدأ، أى ونحن نستعينك، أو قد التحقيقية، وقد نستعينك، وإن قلت كيف تقدر قد مفصوله عن الفعل بإياك مع أنه قيل فصلها بغير القسم؟ قلت: تقدر بعد إياك بناء على جواز تقديم معمول مدخولها عليها، بل لو منع هذا لم يضر هنا لأنها محذوفة فإنما تنوى على تأخير المفعول متصلاً كأنه قيل: وقد نستعينك والضمير المستتر فى تعبد، ونستعين للمتكلم ومن معه من الحفظة وحاضرى صلاة الجماعة او القراءة أو للمتكلم.
وسائر الموحدين أدرج عبادته فى عبادتهم، واستعانته باستعانتهم، لعله يقبل عنه ذلك ببركتهم، ويجاب إليها، ولهذا شرعت الجماعة فى الصلاة، وكرر إياك للتنصيص على أنه المستعان لا غيره، وقرأ ابن حبيش: بكسر نون نعبد ونستعين، وهى لغة تميم يكسرون حرف المضارعة فى الثلاثى والخماسى والسداسى المبنيات للفاعل غير الياء على ما ذكرته فى شرح اللامية.
{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}: أى اعطناه وثبته فى قلوبنا ووفقنا إليه، أو بينه لنا، وذلك دعاء يصح ممن قد هدى، فيكون بمعنى طلب التثبيت والزيادة مطلقاً،أو طلب المراتب المرتبة على ما حصل له من الهداية، ويصح ممن لم يكن على هداية فيكون تحصيلا للثبوت والزيادة، ولا يلزم من ذلك جميع بين الحقيقة والمجاز، أو بين معنين، لأن المراد المعنى الموجود فى جنب كل من الوجهين وهو طلب الكون على الصراط المستقيم بقطع النظر عن كون ذلك الكون طبقاً للتثبيت على ما وجد، أو طلباً لوجود ما لم يوجد. هذا ما ظهر لى فى تفسير الآية، قيل: ويأتى الهدى بمعنى الدعاء كقوله تعالى:
{ ولكل قوم هاد } أى داع، وقوله تعالى: { وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم } وبمعنى الإلهام كقوله تعالى: { أعطى كل شىء خلقه ثم هدى } أى ألهم الحيوانات إلى منافعها، وبمعنى البيان كقوله تعالى: { وأما ثمود فهديناهم } أى بينا لهم. وقال أبو المعالى: دعوناهم. وقوله تعالى: { إن علينا للهدى } أى التبيين، وبمعنى الإرشاد، قلت ذلك كله بمعنى الإرشاد، وإن شئت فقل بمعنى التبيين، والمعنى واحد وذلك أن للهدى معنيين: أحدهما ذلك، والآخر هو الإيصال إلى المقصود وهو المراد فى {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} وكلا المعنيين إنما يكون بلطف، ولذلك لا نستعمل الهداية إلا فى الخير، وأما: { فاهدوهم إلى صراط الجحيم } فعلى إلهكم، وأنواع الهداية لا تنحصر بعد لكنها تنحصر فى أجناس:
الأول: إفاضة القوى التى يتمكن بها المرء من الاهتداء إلى مصالحه كالقوة العقلية، قيل والحواس الباطنة والمشاعر الظاهرة، أعنى أن يفيض الله القوات على الإنسان حتى يتمكن بها من الاهتداء إلى مصالحه كالقوة التى تكون فى القلب يعقل بها، وكالحواس الباطنة، على أن فى الباطن خمس حواس، كما أن فى الظاهر خمساً كذا قيل، وليس كذلك، بل الحواس الظاهرة هى باطنه من حيث إدراكها الأشياء.
الثانى: نصب الدلائل الفارقة بين الحق والباطل، والصلاح والفساد كقوله تعالى:
{ وهديناه النجدين } أى طريق الخير والشر، وقوله جل وعلا: { وأما ثمود فهديناهم } ولذلك جاز بعده، { فاستحبوا العمى على الهدى } فإن المكلف قد يعمل بالدليل فيصل وقد يعرض فيعمى.
الثالث: الهداية لإرسال الرسل وإنزال الكتب وإياها عنى بقوله:
{ وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا } وقوله: { إن هذا القرآن يهدى للتى هى أقوم } }. الرابع: أن يكشف عن قلوبهم السرائر ويريهم الأشياء، كما هى بالوحى أو الإلهام والمنامات الصادقة، وهذا يختص به الأنبياء والأولياء، وإياه عنى بقوله: { أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده } وقوله: { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا } إذا قال العارف: اهدنا الصراط المستقيم، عنى به طلب الإرشاد لطريق السير فى الله ليمحو عنه ظلمات الأحوال الواردة عليه فتزداد معرفته، فيكون بمنزلة من يرى الشئ عياناً، واهدنا دعاء وهو والأمر والالتماس مشتركات لفظاً ومعنى، فلفظ قولك: قم إذا كان أمراً وإذا كان دعاء أو التماساً واحد، وكذا معناه وهو الطلب الجازم الفعلى لا التركى، ويتفاوتان بالاستعلاء والتسفل والالتماس، فإنه إذا كان من الأعلى أمراً ومن الأسفل دعاء أو من المساوى التماس، سواء كان ذلك العلو والتسفل والمساواة حقيقة أو ادعاء، وقيل تتفاوت بالرتبة الحقيقية، فإذا كان ممن هو فى الحقيقة أعلى فأمر، ولو كان متسفلا أو مساوياً دعاء، وإذا كان من متسفل حقيقة فدعاء، ولو كان عليا أو مساوياً دعاء، وإذا كان متساو حقيقة فالتماس، ولو كان عليا أو متسفلا دعاء، والصحيح أنه أمر، مطلقاً سواء كان من عل أو متسفل أو مساو، تخفيفاً أو ادعاء، وأنه يجوز تسميته مطلقاً كذلك دعاء والتماسا. والصراط مفعول به تعدى إليه - اهد - كما تعدى - اختار - فى قوله تعالى: { واختار موسى قومه } وإلا فالأصل أن يتعدى باللام أو إلى، كما أن أصل اختار أن يتعدى إلى القوم فى الآية بمن على أحد أوجه فى الآية، وقال السعد: قد يفرق بأن - هدى - المتعدى بنفسه بمعنى الإيصال، ولهذا يسند إلى الله تعالى خاصة، والمتعدى بإلى أو باللام بمعنى الدلالة، والصراط: لغة قريش وهو الثابت فى الإمام، وهو الطريق يذكر ويؤنث، وجمعه صرط - بضم الصاد والراء - وأصله السراط بالسين من سرط الطعام إذا ابتلعه، كأنه يبلع من يمر به أو يبلعه من يمر به، كما سمى لقما - بفتح اللام والقاف - لأنه كأنه يلتقمهم أو يلتقم المار، وإنما قلبت السين صاداً لتطابق الطاء فى الإطباق والاستعلاء، وقد يشم الصاد صوت الزاى ليكون أقرب إلى المبدل عنه، وقرأ ابن كثير قيل ويعقوب بالسين، وحمزة بإشمام الصاد السين، ذكر أبو عمرو الدانى أن خلفا يقرأ الصراط وصراط باشمام الصاد الزاى حيث وقعا، وخلاد بإشمامها الزاى فى قوله: {الصِراطَّ الْمُسْتَقِيمَ} هنا خاصة، وقيل بالسين حيث وقعا، وقرأ بالزاى حيث وقعا، وقرأ الحسن اهدنا صراطا مستقيما، وقيل الطريق هو ما يطرقه طارق مطلقاً، ولو لم يكن طريقاً قبل، والسبيل ما يطرقه وهو معتاد السلوك، والصراط كالسبيل إلا أنه مستقيم غالباً، فهو أخص الثلاثة، والسبيل أخص من الطريق، وعلى كل حال فالمراد طريق الحق، وقيل ملة الإسلام وهو قول ابن عباس وجابر بن عبد الله، وقيل القرآن هو قول على روى عنه - صلى الله عليه وسلم - الصراط المستقيم: القرآن، ومعنى هدايته تسهيله للحفظ والعمل به، وقيل ما هو عليه جماعة الصحابة من السنة والوحى، وقيل طريق المستحقين للجنة.
وعن ابن مسعود وابن عمر: ترك النبى - صلى الله عليه وسلم - طرف الصراط عندنا وطرفه فى الجنة، ومرجع هذه الأقوال كلها واحد، وقال أبو العالية: الصراط المستقيم محمد - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعمر، ويقدر مضاف، أى اهدنا اتباعهم، وفيه تكلف بعيد وتجوز بتسمية أشخاصهم طريقا، ووجهه: أنهم واسطة إلى الجنة لمن اقتدى بهم ممن أنعم الله عليه، وعلى هذا الأخير يكون الخطاب لغيره - صلى الله عليه وسلم - وغير أبى بكر وعمر رضى الله عنهما، قيل وهو قوى فى المعنى، والمستقيم: المستوى الذى لا عوج به ولا زيغ، وذلك صفة دين الله تعالى، وجملة {اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ} بيان للمعونة المطلوبة، فكأنه قال كيف أعينكم فقالوا: اهدنا الصراط المستقيم: وإفراد لما هو المقصود الأعظم فى الاستعانة، فهى من ذكر الخاص بعد العام لتعظيم ذلك الخاص، وأفضل ما يهدى إليه الإنسان معرفة الله - عز وجل - قال الله عز وجل:
"يا داود اعرفنى واعرف نفسك، ففكر عليه السلام ساعة فقال: إلهى عرفتك بالفردانية والقدرة والبقاء، وعرفت نفسى بالضعف والعجز والفناء، فقال له تعالى: الآن عرفتنى حق المعرفة" . ولذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من عرف نفسه عرف ربه" على معنى أن صفات نفسك على الضد من صفات ربك، فمن عرف نفسه بالعبودية عرف ربه بالربوبية، ومن عرفها بالفناء عرفه بالبقاء، ومن عرفها بالجفاء عرفه بالوفاء، ومن عرفها بالعجز عرفه بالعز، ومن عرفها بالخطأ عرفه بالعطاء، وسئل أبو بكر الصديق رضى الله عنه، بماذا عرفت ربك؟ فقال: عرفت ربى بربى فلولا ربى ما عرفت ربى. فقثيل له فهل يتألى لأحد إدراكه؟ فقال له العجز عن إدراكه إدراك، والخوض فى ذات الله سبحانه إشراك.
{صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}: صراط بدل من الصراط بدل مطابق، ولا يخلو البدل من تأكيد، لأن المبدل منه كالتمهيد للبدل، ولأن البدل على نية تكرار العامل، على المشهور، والتمهيد للشئ، زيادة اعتناء به، والتكرير توكيد، والبدل هو المقصود بالنسبة، وفائدته هنا: توكيد كون المطلوب بالهداية زيادة إليه: هو صراط الذين أنعم الله عليهم، والتنصيص بأن الصراط المستقيم هو صراط المسلمين، الذين أنعم الله الرحمن الرحيم عليهم مطلقاً، وبه قال ابن عباس والجمهور، وانتزعوا ذلك من قوله تعالى:
{ ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيراً لهم } إلى قوله: { رفيقاً } روى ابن جرير عن ابن عباس أن المراد بالذين أنعمت عليهم: الأنبياء والملائكة والصديقون والشهداء، ومن أطاعه وعبده، وعن ابن عباس أيضاً: هم قوم موسى وعيسى الذين سبقوا لم يبدلوا ولم يغيروا، وقيل هم أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - وأهل بيته، وهو قول غير صحيح أو غير جائز، لأنه يؤدى إلى أن الخطاب موجه إلى من عداهم فقط من أهل زمانهم ومن بعدهم، وقرئ صراط لذين بلام واحد مخففة بلا همز قبلها، وهو لغة فى الذين، وقرأ ابن مسعود صراط من أنعمت عليهم، والإنعام إيصال النعمة، وهى فى الأصل الحالة التى يستلذها الإنسان، فأطلقت على الذين لأنه أحق بالاستلذاذ، ولأن الموفق يستلذه، وقد يستلذه الإنسان مطلقاً، والمعنى: صراط من رضيت عنه وغفرت ذنوبه وقبلت أعماله وأنزلته فى أعلى عليين مع الملائكة المقربين أبد الآبدين، وتزكية النفس عن الرذائل وتحليتها بالأخلاق السنية، وهذه النعم المختصة بالمؤمن ويشاركه الكافر فيما عداها، وهى إن كانت لا تحصى لكن تنحصر فى جنسين دنيوية وأخروية، والدنيوية كسبية وغير كسبية، وغير الكسبية إما روحانية كالروح والعقل والفهم والفكر والنطق، وإما جسمانية كالبدن والقوى الحالة فيه، والهيئات العارضة له كالصحة وكمال الأعضاء. الكسبية تزكية النفس وتحليتها المذكورتان. وتزيين البدن بالهيئات المطبوعة والحلى المستحسنة والمال والجاه، ويجوز أن يراد فى الآية جميع النعم المذكورة لاستثناء المغضوب عليهم والضالين بعد، كما يأتى.
{غَيْرَ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولاَ الضَالِينَ}: أخرج أحمد والترمذى وحسنه وابن حيان فى صحيحه عن عدى بن حاتم عنه - صلى الله عليه وسلم - أن المغضوب عليهم هم اليهود، وأن الضالين هم النصارى، وأخرج ابن مردويه عن أبى ذر:
"سألت النبى - صلى الله عليه وسلم - عن المغضوب عليهم قال: اليهود، وعن الضالين قال: النصارى" وكذلك فسر ابن مسعود وابن عباس ومجاهد والسدى وابن زيد والحسن، وذلك واضح من كتاب الله، لأن ذكر غضب الله على اليهود متكرر فى كتاب الله كقوله عز وعلا: { وباءوا بغضب من الله } وقوله: { قل أؤنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله } الآية، وأما النصارى فمذكورون فى الضلال كقوله تعالى: { ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل } وكان محققوهم على هدى حتى ورد شرع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنكروه وضلوا وأضلوا، وأما غير محققيهم فضلالتهم متقررة منذ تفرقت أقوالهم فى عيسى عليه السلام، والمشركون كلهم مغضوب عليهم وكلهم ضالون، لكن اليهود والنصارى يقرءون التوراة والإنجيل، ويزعمون أنهم يدينون بهما وقد حرفوهما وهم على غير هدى، قيل ذكر كلا بما يغلب عليه، وقيل المعنى غير المغضوب عليهم بالبدعة ولا الضالين عن السنة وذلك أعم، فالنبى صلى الله عليه وسلم ينوى التحرز عن البدعة عما أمر الله وعن سنن الأنبياء من قبله التى لم تنسخ، والصحابة ينوون ذلك، والتحرز عن الخروج عما فى القرآن وعما سنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من وحى وغيره، وغير الصحابة ينوون ذلك كله، والتحرز عن الخروج عما عليه الصحابة، ويجوز أن يقال المغضوب عليهم العصاة والضالون الجاهلون، لأن المنعم عليه من وفق للجمع بين معرفة الحق تعالى لذاته والخير للعمل به، فكان المقابل له من اختلت معرفته أو عمله، والمخل بالمعرفة جاهل ضال وهو مشرك أيضا. قال الله تعالى: { فماذا بعد الحق إلا الضلال } والمخل بالعمل فاسق مغضوب عليه منافق أيضاً. قال تعالى فى القاتل عمداً: { وغضب الله عليه } وغير هو بدل من الذين بدل مطابق نظراً إلى معنى أن المغضوب عليهم هم الذين سلموا من الغضب والضلال، وذكر ابن هشام أن البدل بالمشتق ضعيف، ولكن لفظة غير ليست مشتقة، وتأويلها بالمشتق مثل المخالف ومغاير لا يمنع إبدالها ولا يضعفه، فإن الإسمية غالبة عليه وتأويلها فرع ويجوز أن تكون نعتاً للذين مبيناً إن أريد بالذين المؤمنون فقط، ومقيداً إن أريد به كل من أنعم الله عليه بنعمته، ودنيوية أو أخروية، أو بمطلق الإيمان، وعلى كل من الإبدال والنعت بوجهيه يكون المعنى أنهم جمعوا بين النعمة المطلقة، وهى نعمة الإيمان، وبين السلامة من غضب الله والضلال، وإن قلت الذين معرفة وغير لا يتعرف بإضافة، فكيف تنعت المعرفة بالنكرة؟ قلت: التحقيق أنها تتعرف بالإضافة إذا وقعت بين المتضادين، كما هنا، وذلك إن كان الضد له ضد واحد كما هنا، فإنه ليس فى المكلفين إلا المغضوب عليهم والمنعم عليهم، وكما فى قولك الحركة غير السكون، وأما الضدان اللذان لهما أجزاء وأكثر، فلا تتعرف بالوقوع بينهما، نحو البياض غير السواد، فإن هناك صفرة وحمرة وغير ذلك، والتعريف فى ذلك والتعريف فى الآية للجنس، فإن المنعم عليه ليس شخصاً واحداً وكذا المغضوب عليه كما نصت عليه الآية بصيغ الجمع، وأيضاً إذا تقرر أن المراد بالذين الجنس جاز نعته بغير، ولو قلنا إن غير أهو نكرة لجواز نعت المعرفة بأل الجنسية والموصول الجنسى بالنكرة نحو قوله: * فى أنيابها السم ناقع * فنعت السم بناقع ومقتضى الظاهر أن يقوم سم ناقع أو السم ناقع، وبسطت الكلام على هذه النحو، وقد أجازوا فى الجملة بعد ذلك أن يكون نعتاً حالا.
وعن ابن كثير فى رواية شاذة عنه {غَيْرَ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} بنصب غير وهى قيل قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعمر، فيكون حالا من هاء أنعمت عليهم وعامله هو فعل أنعمت، لأن العامل فى الهاء النصب، ولو توصل إليها بالجار أو مفعولا لمحذوف، أى أعنى غير المغضوب عليهم، قيل أو منصوباً على الاستثناء إن فسرنا النعم بما يعم المؤمنين والكافرين، فيكون الاستثناء متصلا، وإن فسرناه بما يخص المؤمنين فمنقطع، ويبحث فى جعل النصب على الاستثناء قسما على حدة بأن غيراً إذا نصب على الاستثناء فقد اختلفوا فيه، فقيل نصبه على الحال، وقيل على التشبيه بظرف المكان، ويجاب بأن ذلك بناء على قول ضعيف، وهو أنه منصوب على الاستثناء انتصاب الاسم بعد إلا، فيكون ناصبه ما قبلها من فعل أو شبهه على الاستثناء، وعليهم نائب عن فاعل المغضوب، وقرأ حمزة عليهم وإليهم ولديهم بضم الهاء فى موضعى الفاتحة، وجميع القرآن، والباقون بكسرها، وابن كثير وقالون بخلاف عنه يضمان ميم الجمع ويصلانها بواو مع الهمزة وغيرها، وورش يضمها ويصلها مع الهمزة فقط، والباقون يسكنونها وحمزة والكسائى يضمان الهاء والميم، اذا كان قبل الهاء كسرة أو ياء ساكنة، أو أتى بعد الميم ألف وصل نحو: يهديهم الله، وإذا وقفا كسرا الهاء وسكنا الميم، وحمزة على أصله فى الكلم الثلاث المتقدمة يضم الهاء منهن على كل حال، وأبو عمرو يكسر الهاء والميم فى ذلك كله وصلا أيضاً، والباقون يكسرون الهاء ويضمون الميم فيه، أو اتفقوا على إسكانها فى الوقف، لكن بعضهم يخلصه، وبعض يشير إلى الضمة والنصب هيجان النفس إرادة الانتقام، وعبارة بعضهم تغير يحصل عند غليان دم القلب لإرادة الانتقام، وقيل هيجان دم القلب لإرادة الانتقام، وذلك كله فى حق المخلوق، وإذا كان مسنداً إلى الله تعالى كما هو المراد فى الآية، فالمقصود لازم ذلك ومسببه وهما الانتقام، وإن شئت فقل العقاب، هذا ما ظهر لى ولا صلة للتأكيد، لأن النفى قد أفادته غير، فمجيئها بعد غير كمجيئها بعد حرف نفى آخر، مثل ما قام عمرو ولا هند، فكأنه قيل لا المغضوب عليهم ولا الضالين. ولكون غير بمعنى لا، جاز تقديم مفعول اسم الفاعل الذى أضيفت إليه غير على غير تشبيهاً بلا، وامتنع ذلك فيما أضيف إليه مثل، قال السعد: يجوز تقديم ما فى حيز ما بعد غير ولا ولم ولن دون ما وإن، لأن ما وإن يدخلان على الاسم والفعل فأشبهتا الاستفهام ولم ولن يختصان بالفعل، ويكونان كالجزء منه، فكأنه لم يكن هناك إلا الفعل فجاز تقديم معموله، ولا حرف متصرف فيه بإعمال ما قبله فيما بعده نحو: أريد أن لا تقصد، وجاء عمرو بلا زاد، فجاز عمل ما بعدها فيما قبلها، انتهى بزيادة منى وإيضاح.
وقرأ بعضهم {غير الضَّالِينَ} بجر غير والضلال العدول عن الطريق السوى عمداً أو خطأ، والجهل فى الدين عمد، فمن خرج عنه جهلا وتقصيرا فقد ضل، فقرأ بضعهم ولا الضالين بهمزة مفتوحة بعد الضاد على لغة من جد فى الهرب من التقاء الساكنين، ولو كان الأول حرف مد والثانى مدغم فيقول دابة ودواب ومضار ونحو ذلك، بهمزة فى موضع الألف، وهى قراءة أيوب السجستانى.
وليس آمين من الفاتحة بعد قوله {وَلاَ الضَّآلِّينَ} بالإجماع، ثم إن أهل الصواب منعوا التكلم به فى الصلاة وغيرها بعد الفاتحة، لأنه يوهم اعتقاد أنه منها، ولأنه من كلام الآدميين، وكلامهم فى الصلاة يفسدها، ولا يخفى أنه يجوز التكلم به بعد الفاتحة فى غير الصلاة من غير اعتقاد أنه مها، حيث لا يتوهم السامع أنه منها ولا يسئ الظن بالمتكلم، وقد قيل يسئ ختم الفاتحة به، وإن قلت فقد روى البيهقى وغيره أنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"علمنى جبريل آمين عند فراغى من قراءة الفاتحة" وروى أبو داود فى سننه أنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه كالختم على الكتاب، أى يمنع الدعاء من فساد الخيبة، كما يمنع الطابع على الكتاب فساد ظهور ما فيه، كما قال على آمين خاتم رب العالمين ختم به دعاء عنده، وروى الدارقطنى وابن حبان وصححاه عن وائل بن حجر أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ ولا الضالين قال آمين ورفع بها صوته، قلت ذلك فى غير الصلاة لحديث: "إن الله حرم الكلام فى الصلاة" ، وحديث: "صلاتنا هذه لا يصلح فيها شىء من كلام الآدميين" ، وحيث لا يتوهم أنه من القرآن لحديث: "لعن الله من زاد فى القرآن" ، وإذا كانت الزيادة فيه محرمة كان إبهام ما ليس منه أنه منه محرماً، وإن قلت: فقد روى عنه صلى الله عليه وسلم: "إذا قال الإمام ولا الضالين فقولوا آمين، ورفع بها صوته، فإن الملائكة تقول آمين، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه" رواه البخارى ومسلم عن أبى هريرة يعنى الصغائر، زاد الجرجانى فى أماليه وما تأخر. قال عبد الرزاق عن عكرمة: صفوف أهل الأرض تلى صفوف أهل السماء، فإذا وافق آمين فى الأرض آمين فى السماء غفر للعبد، وقيل وافقه فى الخشوع والإخلاص، وقيل فى الإجابة، والصحيح الأول عندهم، أعنى فى الوقت، وقيل الموافقة فى أن يدعو لنفسه وللمؤمنين كما تفعل الملائكة، وقيل فى أن يدعو لأخراه فقط لا للدنيا، كما لا تدعو الملائكة للدنيا، وقيل هؤلاء الملائكة، وقيل الحاضرون للصلاة، ويجمع بأنه يقول الحفظة، فالحاضرون فمن فوقهم على مراتب مقاعدهم إلى أن تسمع ملائكة السماء ويقولوه، وخرج مسلم وأبو داود والنسائى عن أبى موسى عنه صلى الله عليه وسلم. "إذا صليتم فأقيموا صفوفكم ثم ليؤمكم أحدكم فإذا كبر فكبروا وإذا قال غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا آمين يجبكم الله" قلت ذلك قبل تحريم الكلام فى الصلاة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "إن لله أن يحدث ما شاء وإن مما أحدث ألا يتكلموا فى الصلاة" ، وأيضاً لا نسلم صحة سند تلك الأحاديث الدالة على ثبوته، وإذا ثبت على التأويل المذكور قالوا صح أنه كان يقوله قبل نسخ الكلام فى الصلاة سراً كما رواه عبد الله بن معقل وأنس، وقد كان أبو حنيفة لا يقوله، وروى أنه كان يخفيه، وعلة إخفائه صلى الله عليه وسلم الحذر من إيهام أنه من الفاتحة، روى الطبرانى فى كبيره عن أبى وائل: أن علياً وابن مسعود لا يجهران به، ولم يصح عنهما ذلك بعد نسخ الكلام فيها، وأخطأ من زعم عدم نسخ آمين فيها، وزعم بعض أن الراجح أنه - صلى الله عليه وسلم - يجهر به لرواية الدارقطنى وابن حيان عن وائل بن حجر السابقة، إذ قال فيها ورفع بها صوته، ولا دليل فيه لجواز أن يكون رفع صوته غير داخل فى الأمر، فإن كثيراً من الأمور المسرور بها يأمرهم بها جهراً برفع صوت. والله أعلم.
وإذا ختمت السورة فلك وصل آخرها بالبسملة، والبسملة بأول السورة الأخرى المتصلة بها أو المنفصلة عنها، أو الأولى بنفسها إن أردت العود فيها، ولك أن تقف على آخرها وعلى البسملة، ولك أن تقف على آخرها وتصل البسملة، وليس لك أن تصل آخرها بالبسملة وتقف على البسملة، ويجوز فى مذهب ورش أن تصل السورة بسورة من غير قطع، ويتبين الإعراب، وأن تسكت بين السورتين سكتة خفيفة تمييزاً بين السورتين، لأنه لا يبسمل بين السورتين فى جميع القرآن، وإنما يبسمل إذا ابتدأ بسورة فقط غير براءة، وهو خطأ لا يتابعه عليه إلا جاهل مقلد. والله أعلم.
وصل اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.