التفاسير

< >
عرض

وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ فِيۤ آيَاتِنَا قُلِ ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ
٢١
-يونس

هميان الزاد إلى دار المعاد

{وإذا أذقْنا النَّاسَ} مطلقا أو كفار مكة {رحْمةً} فى البدن والمال {مِنْ بَعْد ضرَّاء} شدة ضارة بهم كقحط ومرض {مسَّتْهم} أصابتهم حتى أحسوا بسوء أثرها فيهم، كما يحس الجسم جسم الآخر، والجملة صفة ضراء.
{إذا} للفجاءة رابطة لجواب إذا الشرطية {لَهم مَكرٌ فى آياتِنَا} احتيال فى دفعها بما أمكنهم، وقيل: استهزاء وتكذيب به، قال الحسن، ومجاهد: قيل قحط أهل مكة سبع سنين وكادوا يهلكون، ولما رحمهم الله بالمطر والخصب شرعوا يقدحون فى آيات الله سبحانه وتعالى، ويكبدون رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقيل: الآيات رحمته الدالة عليه، ومكرهم قولهم سقينا بنوء كذا، والأنواء منازل القمر، تنسب العرب كالمنجمين الكفرة المطر والريح إليها، فبعض العرب ينسبها للطالع لأنه نئ أى ظهر، وبعض للغارب الساقط لأنه نئ أى بعد، وذلك كفر شرك لا كفر نعمة، كما زعم بعض، ونسبتهما إلى ذلك باعتبار العادة مكروه، وقيل: حرام، ويأتى كلام إن شاء الله فى سورة الفتح.
{قُلِ اللهُ أسْرعُ مَكراً} جزاء فى خفية، أو كيداً باستدراج، أو جزاء مكركم، قال الحسن: إذا أراد الله أن يهلك قوما كان عذابهم أسرع من لمح البصر، وذلك فى الدنيا، كوقعة بدر، أو يوم القيامة، وعلى كل حال هو أسرع من مكرهم، من حيث إنه واقع لا محالة، ومكرهم لا يدرون أيتأثر أم لا، أو من حيث إنهم فى مقدمات مكر الله من وقتهم ذلك، أو من حيث إن الله عز وجل دبر عقابهم قبل أن يدبروا كيدهم.
وإنما قال أسرع بصيغة التفضيل، لأن كيدهم أيضا سريع كما ينص عليه لفظ الفجاءة، وترتيب المكر على أول طعم الرحمة المعبر عنه بالذوق، أو أسرع اسم تفضيل خارج عن معنى التفضيل، فهو بمعنى سريع، وعلى كل حال فصوغه من سرع الثلاثى لا من أسرع الرباعى، وأجاز بعضهم بناء اسم التفضيل من الرباعى المبدوء بالهمزة لغير التعدية، كأسرع وبعض ولو للتعدية.
{إنَّ رُسُلنَا} قال أبو حاتم: خفف الحسن، وابن أبى إسحاق، وأبو عمرو السين بالإسكان وهم الحفظة {يكْتُبون ما تمْكُرونَ} لتجازوا به، فليس مكركم بخفى عن الحفظة، فضلا عن الله، فهذا تحقيق للانتقام، وهذه الجملة تقوى أن يكون المراد بالمكر فى قوله:
{ الله أسرع مكراً } المكر فى الآخرة، وقرأ يعقوب فى رواية روح، والحسن، والأعرج، وقتادة، ومجاهد: يمكرون بالتحتية، ليوافق الغيبة فى قوله: {وإذا أذقنا الناس} الخ، وهو رواية ضعيفة عن نافع، وليست قراءة الفوقية بالتفات، لأنها فى كلام آخر مستأنف فى قوله: {قل} وهى قراءة الجمهور، قال أيوب بن المتوكل، فى مصحف أبىّ: يا أيها الناس إن الله أسرع مكراً، إن رسلنا لديكم يكتبون ما تمكرون.