التفاسير

< >
عرض

وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ ٱلْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ
٧
-هود

هميان الزاد إلى دار المعاد

{وهُو الَّذى خَلَق السَّماواتِ} مع ما فيهن، أو أراد بالسماوات بها ما فى جهة العلو والسمو {والأرْض} مع ما فيها، أو أراد بها ما فى جهة السفل {فى سِتَّةِ أيامٍ وكانَ عَرْشُه عَلى الماءِ} قبل خلقهن، وذلك من كمال القدرة، إذ جعل الماء حاملا للجسم العظيم وهو العرش.
روى أن الله خلق ياقوتة خضراء فخشعت بأمر الله فصارت ماء، وخلق الريح وجعل عليه الماء، ثم العرش وجعله على الماء، ثم خلق السماوات والأرضين من دخان من ماء، ثم القلم وكتب ما كان قبله وما يكون، ومجد ذلك الكتاب ألف عام، ثم سائر الخلق، وقيل: خلق العرش قبل الريح، وليس خلقه ذلك احتياجا إليه تعالى، بل كلما ازدادت الأجرام كانت أحوج إليه وإلى إمساكه.
وروى أنه كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وعرشه على الماء، ثم خلق السماوات والأرض.
"وسأل أبو زين العقليى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين كان ربنا قبل أن يخلق الخلق؟ فقال: كان فى عمى" بالقصر وهو ماخفى، يعنى كان ولا شئ معه، فضلا عن أن يكون فيه تعالى عن الحلول والحيث والأين، فما ليسه بثبات فهو عمى عن الخلق، لكونه ليس شيئا، ويجوز أن يكون المراد: أين كان عرش ربنا؟ فأجابه بأنه كان فى عمى، أى فى غير شئ، ثم خلق الماء فجعله عليه، وأجابه بأنه كان فى عماء بالمد وهو السحاب الرقيق أو الكثيف أو الضباب، والمعنى أن عرشه كان عليه قبل خلق الماء، ثم كان على الماء، أو المعنى أنه تعالى على ذلك، أى مستول عليه خالق له.
{ليَبْلوكُم} متعلق بخلق، وقيل: بأعلم محذوفا، أى أعلمكم بذلك: والأول أولى، أى لم يخلقهن عبثا، بل ليفعل بكم فعل من يختبر أحوالكم، وقد علمها، ولكن ليقطع معاذركم، ففى الكلام استعارة تمثيلية تبعية، شبه حال المكلف الممكن المختار مع تعلق علم الله بأفعاله، بحال المختبر، ثم استعير لجانب المشبه {ليبلوكم} الخ موضع "ليعلم أيكم" الخ، والقرينة أن الله لا يخفى عنه شئ.
{أيَّكُم أحسَنُ عَملاً} أطوع لله فى الاستدلال بهن على وجوده، وكمال قدرته، واشكر لنعمه التى منهن كالماء والنجوم، والشمس والقمر، والنبات والسكون، والجملة مفعول ليبلو معلق عنها بالاستفهام، لأنه بمعنى العلم من حيث إنه طريق إلى العلم، وكما يكون التعليق عن المفعولين يكون عن المفعول، فيبلوا متعدٍ لاثنين، لأنه بمنزلة يعلم هنا، فعلق عن الثانى بمعنى أنه عطل عن أن يكون ثانية مفردا، هذا تحقيق المقام.
ولم يذكر عمل الشر، مع أن الابتلاء والاختبار عم المؤمن والكافر إعراضا عن المعصية، وتنبيها على أنه لا سبيل لأحد إلى شئ ما منها، وقال: أحسن بصيغة التفضيل، ولم يقل حسن بصيغة الصفة المشبهة تحضيضا على معاطاة المقام الأعلى فى العمل الشامل لعمل الجوارح، وعمل اللسان، وهو التكلم بخير، وعمل القلب وهو اعتقاد الغير، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"أيكم أحسن عقلا، وأورع عن محارم الله، وأسرع فى طاعة الله" .
{ولَئن قُلتَ} يا محمد لكفار قومك {إنَّكم} وقرئ بفتح الهمزة لتضمن القول معنى الذكر، أو إن بمعنى لعل، أى ولئن قلت لعلكم {مبْعُوثونَ} توقعوا بعثكم وظنوه واقعا، ولا تقطعوا بإنكاره {مِنْ بَعْد الموتِ} للعقاب إن أصررتم، وللثواب إن تبتم {لَيقولنَّ الَّذينَ كَفَرُوا} الأصل ليقولن بضم اللام مع إسقاط الذين كفروا، ووضع الظاهر موضع الضمير ففتحت اللام، أو الخطاب فى إنكم لجميع الكفرة من أنكر البعث ومن لم ينكره كأهل الكتاب، أو للناس مطلقا فلا يكون من وضع الظاهر موضع المضمر، بل يكون المعنى: ليقولن الذين كفروا بالبعث، أو الكفار المعهودون وهم قومك.
{إنْ هَذا} أى قولك بالبعث، أو البعث أو القرآن الناطق بالبعث {إلا سحرٌ مُبينٌ} واضح أى كالسحر فى الخديعة، أو البطلان، وقرأ حمزة والكسائى هنا وفى الصف وفى المائدة إلا ساحر بألف وكسر الحاء على أن الإشارة إلى القائل.