التفاسير

< >
عرض

حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْأَسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَآءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَآءُ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ
١١٠
-يوسف

هميان الزاد إلى دار المعاد

{حتَّى إذا اسْتيأسَ} أى ضجروا ضجرا شديدا من طول تأخير النصر شبيها بالإياس، وحاشاهم أن ييأسوا من شئ وعده الله لهم، وهذه لا يتصور ممن صدق إيمانه فضلا عن نبى، أو المراد ما يحدث فى النفس وتعاند به من القنوط، مع أنك غير جازم به، ولا مساعد لها، وهم بشر وحتى للابتداء،وليست إلا ابتدائية خارجة عن الغاية بالكلية كما قد يتوهم، فإن معناها كمعنى فاء السببية، والتسبب غاية من حيث أنه ارتباط، وأن استيئاسهم مسبب عن تراخى النصر، وليست جارة لإذا على الصحيح ولا متعلقة، ومن أطلق أنها متعلقة كالزمخشرى، فمراده التعلق المعنوى، فإن معناها مع ما بعدها متعلق لمحذوف، ومرتبط به أى لا يغرر قومك يا محمد تمادى إياهم، فإن من قبلهم أمهلوا وتراخى نصر الله الرسل عليهم حتى إذا استيأس الرسل عن النصر عليهم، أو عن إيامانهم لعدم ما يكفيهم عن الكفر، ووجود مقتضياتهم من كونهم غالبين ومترفهين.
{وظنُّوا} أى أيقن الرسل {أنهم قَدْ كُذِبوا} أى أنهم قد كذبهم قومهم إلى الأبد، لا تكذيبا يرجى له الإيمان كما أشار إليه قتادة، فالضمائر كلها للرسل، أو الظن بمعنى عدم اليقين رجحانا أو شكا، فالمكذبون على هذا بكسر الذال هم المؤمنون، أى وظن الرسل من غير قطع أنهم قد كذبهم من آمن بهم لرؤيته تغلب الكفرة، وعدم النصر، وشدة المحنة عليهم كما قال عروة بن الزبير، والضمائر أيضا للرسل، وليس هذا الظن بالمؤمنين الذى بمعنى الرجحان مؤاخذا عليه لأنه يجئ مثلا فى نفوس الرسل ضرورة، وذلك قراءة نافع، وابن كثير، وأبى عمرو، وابن عامر بالبناء للمفعول والتشديد، وكذا تقرأ عائشة، وقرا الباقون بتخفيف الذال والبناء للمفعول، أى كذبتهم أنفسهم حين حدثتهم بأنهم لا ينصرون بتخفيف ذال كذبتهم، أى لم تخبرهم بصدق، والضمائر أيضا للرسل، وهكذا إذا قلنا كذبهم رجاؤهم بالتخفيف، أى لم يطابق لهم النصر، وهكذا إذا قلنا كذبهم قومهم بالتخفيف، أى لم يخبرهم قومهم بصدق أى وعدوا لهم الإيمان مطلقا، أو على شرط الإتيان بآية.
وإن قلنا: إن المعنى ظن القوم أن رسلهم قد كذبوا بالتخفيف، أى لم يخبرهم بصدق من أمرهم بدعاء الخلق إلى الله، أو بمجئ الوعيد والنصر على عدم إجابة الخلق لهم قالوا وفى ظنوا للمرسل إليهم بفتح السين، وفى أنه وفى كذبوا للرسل، فكأنه قيل: ظن القوم أن رسلهم قد أخلفهم الله أو جبريل الوعد تعالى الله وجبريل عن ذلك.
وعن ابن عباس: ان الرسل ظنوا أن الله أو جبريل أخلفهم الوعد، فإن صح عنه هذا فمعنى ظنهم ما تحدث به النفس على طريق الوسوسة، والإنسان كاره له ناف، وهى تعاند به كما روى عنه أنه قال: إن الرسل بشر يعنى تحدثهم أنفسهم كما تحدث غيرهم نفسه، أو المراد بظنهم التمثيل لشدة تأخير النصر.
ويدل له ما روى عنه أنه قال ذلك، وتلا:
{ حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله } فبأحد التأولين تتنزه الرسل عن ظن خلف الوعد، وابن عباس عن رميهم بذلك حاشاه، وقال ابن الأنبارى: ذلك كذب عن ابن عباس ا هـ.
وعلى صحته عنه بأحد التأويلين، فالضمائر كلها للرسل، ويجوز أن يكون المعنى أن القوم ظنوا أنهم قد كذبهم الرسل بالدعوة والوعيد، فالضمائر للمرسل إليهم لأن كذبوا مبنى، للمفعول مخفف، وفاعله قبل قبل البناء للمفعول وهو الرسل لإعادة الضمير الأول، والثالث للمرسل، والثانى للرسل خلافا لمن غلط لبقاء الخبر، بل رابط.
ويجوز أن يكون المعنى أن الرسل ظنوا أنهم قد كذبهم من وعدهم النصر من قومهم المؤمنين، أو مطلقا بالتخفيف، أى لم يخبروهم بصدق فى وعدهم، ولم ينجزوهم الوعد، وقرأ مجاهد: كذبوا بفتح الذال والتخفيف، فهو مبنى للفاعل، وعليه فالمعنى ان القوم ظنوا أن الرسل كاذبون فيما قالوا، إذ لم يروا له أثرا، فالضمير الأول للمرسل إليهم، والآخران للرسل، وهو من كذب اللازم، أو المعنى أن القوم ظنوا أن الرسل قد كذبوهم بالتخفيف، أى لم يخبروهم بصدق، فالأول للمرسل إليهم، والآخران للرسل أيضا، وهو من كذب المتعدى، ومفعوله محذوف مقدر كما رأيت.
ويجوز أن يكون المعنى ظن الرسل أنهم كاذبون فى قولهم، ومعنى ظنهم الكذب فى أنفسهم أن نفوسهم توسوس لهم، إنما أخبرتموهم به كذب أو التمثيل لشدة تأخير النصر، والضمائر للرسل، وكذب لازم وإن قلت: كيف جاز عود الضمير للقوم المرسل إليهم، والمذكور إنما هو الرسل معلومين من ذكر الرسل، قد ذكروا فى قوله: {كيف كان عاقبة الذين}.
{جاءهم} أى جاء الرسل {نَصْرنا} فجأة من غير احتساب، والنصر بعذاب المكذبين وإهلاكهم {فَنُجِّى} وقرأ ابن عامر، وعاصم ويعقوب، فنجى بنون واحدة مضمومة، وبكسر الجيم، وفتح الياء، فيكون فعلا ماضيا مبنى للمفعول مشدد الجيم، وقرئ ننجى بنونين مضمومة، والثانية مفتوحة، وكسر الجيم مشددة، وإسكان الباء، وقرأ ابن محيصن فنجا بماض مبنى للفاعل {مَنْ نَشاء} وهم الرسل والمؤمنون، ولم يصرح بهم لظهور أنهم هم الأهل للتنجية، ولتبيين ذلك بقوله:
{ولا يُردُّ بأسُنا} أى عذابنا {عَن القوْمِ المجْرِمينَ} وهم غير الرسل والمؤمنين، لا يرد أحد بأس الله عز وجل عنهم إذ جاءهم.