التفاسير

< >
عرض

ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ
٤٩
-يوسف

هميان الزاد إلى دار المعاد

{ثمَّ يأتى مِنْ بَعد ذَلكَ} المذكور من السنين الشداد، أو من السنين الأربع عشرة، وهى السبع المخصبات، والسبع الشداد {عَامٌ فيه يُغَاثُ الناسُ} من الغيث وهو المطر، أى يمطرون وهو قول ابن عباس والجمهور، أو من الغوث وهو الفرج وإزالة الكرب، أى يفرج الله عنهم القحط.
{وفيه يعْصِرُون} ما يعصر كالعنب، فإنه يعصر خلا وخمرا وغيرهما، والخمر محرمة فى هذه الشريعة المحمدية الشريفة، وكالزيتون فإنه يعصر منه الزيت، وكالسمسم فإنه يعصر منه الدهن، وكقصب السكر وغير ذلك كالفجل، ومصر بلد يعصر أشياء كثيرة، وحذف المفعول للعموم، أى يعصرون كل ما يصلح للعصر، وذلك كناية عن كثرة الثمار والخضرة والخصب.
وقيل: معنى يعصرون: يحلون الضروع، ويجوز أن يكون بمعنى ينجى بعضهم بعضا من الجوع لكثرة الطعام يتناولونه، وقرأ حمزة، والكسائى يعصرون بالتاء الفوقية للخطاب تغليبا للحاضر وهو الساقى على الغائب وهو أهل البلد ومن بجانبها، وقرئ تعصرون بالبناء للمفعول والفاعل الله، وهم أى ينجون بالبناء للمفعول أى ينجيهم الله، أو ينجى بعضهم بعضا بالإعطاء والتصرف لإغاثة الله إياهم، أو المعنى يعصر عليهم بالبناء للمفعول، أى يمطر عليهم، فحذف الجار ونائب المجرور على طريق الحذف والإيصال، يقال: أعصرت السحابة عليهم.
أو قيل: يعصرون لتضمين معنى يمطرون، وقوله: {ثم يأتى من بعد ذلك} الخ بشارة خارجة من تفسير الرؤيا، زاده الله علمها بالوحى أو بالإلهام، قال قتادة: زاده الله علم سنة قيل: أو قام بها من حيث إن انتهاء الجدب يؤذن بالخصب، بأن السنة الإلهية أن يوسع على عباده بعد ما ضيق عليهم، ويبحث لهم إيذان انتهاء الجدب بالخصب والتوسع، لا يفهم الخصب الكامل الذى أشار إليه بقوله: {وفيه يعصرون} بل يفيد زواله، مع احتمال الدرجة الوسطى من الخصب، والأدنى والكاملة، نعم يجوز أن يكون المراد بالغيث والعصر ذلك لمعنى العام المحتمل.
ولما انقضى كلام يوسف، رجع الساقى إلى الملك ومن معه، وأخبر بما قال يوسف، فاستعظموه وعرفوا قدره كما مر، وعرف الملك أن الذى قال كائن لا محالة، رد الساقى إليه ليأتى به، ويقربه، ويسمعه الرؤيا مشافهة، وليرى هذا الكريم الذى عبر هذه الرؤيا تلك العبارة المستحسنة كما قال الله سبحانه وتعالى. {وقالَ الملِكُ ائتُونى بهِ...}