التفاسير

< >
عرض

وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ ٱجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَآ إِذَا ٱنْقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
٦٢
-يوسف

هميان الزاد إلى دار المعاد

{وَقالَ} يوسف {لِفِتْيانه} جمع فتى على الصحيح وهو خلاف القياس، وقيل اسم جمع، وقرأ حمزة والكسائى وحفص لفتيانه ليوافق قوله: {فى رحالهم} فى أن كلا جمع كثرة، والكثرة مراده، فإن الرجال عشرة أو أحد عشر، ووكل بكل رجل فتى يعبئ له بضاعة، بخلاف الفتية، فإنه جمع قلة ففتية كإخوة، وفتيان كإخوان على قراءة الجمهور فالمراد الكثرة أيضا، والمراد بالفتيان غلمانه الكيالون، أو وأتباعه الذين استعملهم فى الكيل.
{اجْعَلوا بضَاعتَهم} الإضافة للجنس، فالإفراد كالجمع أو إفراد لأن الكيل بضاعة واحدة، فرقت ما أتوا به للبيع وهو دراهم أتوا بها ليشتروا بها الطعام، وقيل: ذهب وفضة، وعن ابن عباس: نعال وأدم واقتصر عليه فى عرائس القرآن.
{فى رحَالهم} جمع رحل وهو الوعاء الذى يحمل فيه الطعام أو غير {لَعلَّهم يعْرفونَها} أى يعرفون لها يدا وتكرمة، أى يعرفون حقها وضمير النصب للبضاعة {إذ انْقلبُوا} متعلق بيعرف أى وصلوا {إلى أهلهِم} وبلغوهم بأن يقيموا أوعيتهم فيجدوا فيها البضاعة، ولعل للترجى، ويجوز أن تكون للتعليل، أى لكى يعرفوا أنها بضاعتهم ردت إليهم.
{لعلَّهم يرْجعُون} ترجع أو تعليل، والجملة بدل اشتمال من قوله: {لعلهم يعرفونها} فتحصل أن الجعل فى الرحال سببه إرادة الرجوع، أو لعل هذه ترج بالنسبة إلى المعرفة، أى لعل معرفتهم بها تدعوهم إلى الرجوع، وذلك أنهم إذا رأوها فى رحالهم فى الرجوع لهذا الذى يعطى الطعام فى وقت غلائه بلا قيمة.
وقال الكلبى: تخوف أن لا يكون عند أبيه من البضاعة ما يرجعون به مرة أخرى، سواء يريدون شراء الطعام مرة أخرى وهو الأليق بتلك السنين أم لم يردوا إذ لا يحسن رجوعهم بلا شئ، وقيل لا يرى أخذ الثمن من أبيه وإخوته لوما، ولا سيما فى حال الشدة فتركها عونا لهم على شدة الزمان، وقيل: أراد أن يحسن إليهم سرا، حتى لا يلحقهم ذل وخضوع فى ذلك، ولا يطمع كل من سمع بذلك فى مثله، وقيل: لأنه علم أن ديانتهم تحملهم على الرجوع بها، بأن يرجع كل منهم بما وجد فى رحله مخافة أن يكون قد ذهل عنه، فلم يأخذه، أو تحرجا من طعام بلا ثمن فيتحصل غرضه من رجوعهم.
وقد قيل: معنى {لعلهم يرجعون} لعلهم يردونها، فالأصل لعلهم يرجعون بها، ولا يضيف هذا بسرورهم بها حيث وجدوها فى رحالهم، لأنه ظن أن يتحرجوا ويردوها، وما ظنهم يغنمونها، ولو لم يجعلها فى رحالهم لأمكنهم أن لا يرجعوا فيتعذروا بالفقر، وقلة ذات اليد فيما قيل، وقيل: جعلها فى رحالهم توطئة لجعل السقاية فى رحل أخيه، ولما أرادوا المسير أمرهم بالدخول عليه، وأقبل عليهم بكليته، وأمر ترجمانه فقال: إن الملك قد فعل بكم فعلا جميلا، وأولاكم طولا جليلا، وأنه يودعكم ويقول لكم: أبلغوا سلامى إلى أبيكم وقولوا له: إنى سمعت همه وغمه، وإنى قائل له: عليك بالصبر الجميل، فإن النصر مع الصبر، واليسر مع العسر، والله لطيف بعباده.
وساروا وتركوه كأنه يغلى فى المثلات شوقا إليهم وإلى إخيه وأخته وأبيه، وقد أوحى الله إليه أن لا تخبرهم بذلك يوسف، ليكتمل أجر يعقوب بمكابدة بالصبر وتتفسر الرؤيا الأولى، ما تولوا منزلا بعد رجوعهم إلى أهلهم إلا أقبل عليهم أهله بأنواع الكرامات، قال شمعون: ما التفت إلينا أحد حين قصدنا مصر، ولما رجعنا صار الناس يكرموننا، فقال لهم يهودا: ما أكرمكم إلا لأثر حضرة الملك.