التفاسير

< >
عرض

قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِّنَ ٱللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّآ آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ
٦٦
-يوسف

هميان الزاد إلى دار المعاد

{قال لن أرْسِله معَكُم حتَّى تؤتُونِ} وأثبت ابن كثير الياء وصلا ووقفاً وأبى عمرو وصلا، وحذفها الباقون فى الوصل والوقف {مُوْثقاً} عهدا {من الله} بأن تحلفوا به، أو تشهدوه عليه، وسمى الحلف به أو إشهادة موثقا لأنه تؤكد به اليهود وتعد.
{لتأْتُنَّنِى به} جواب للقسم، لأن الموثق قسم، أى حتى تحلفوا بالله لتأتننى به وهو من الإتيان بمعنى المجئ، والأول من الإتياء بمعنى حمل الشئ آتيا بهمزة التعدية، ويعبر بالإعطاء.
{إلاَّ أنْ يحاط بكُم} الإحاطة بشئ غالب لكم كسيل لايطاق، وعدو لا يطاق، وموتكم جميعا، والاستثناء منقطع، أى لكن الإحاطة بكم أمر تعذرون فيه، وبكم نائب الفاعل، ويجوز أن يكون متصلا مفرغا على أن معنى لتأتنى به مضمنا معنى النفى، أى لا تمتنعون من الإتيان به على كل حال، إلا حال الإحاطة، فيقدر مضاف للإحاطة، أولا تمتنعون من الإتيان به لعلة إلا للإحاطة بكم، فيقدر حرف التعليل كما ضمن المثبت معنى المنفى فساغ التفريغ بعده فى قولهم: أقسمت بالله إلا فعلت، أى ما أطلب إلا فعلك، أو الآية على القليل من التفريغ فى الإتيان، وأصل لتأتننى لتأتوننى، نقلت ضمة الياء لثقلها عليها إلى التاء المكسورة قبلها، فالتقى ساكنان حذف الياء، وحذفت نون الرفع لتوالى النونات، فالتقى ساكنان، حذفت الواو أو لما نقلت ضمة الياء قلبت واوا فحذفت الواو لسكون واو الجمع بعدها، أو حذفت ضمتها فحذفت للساكن، ثم ضمت التاء لواو الجمع.
{فلمَّا آتوهُ مَوْثقَهُم قالَ اللّهُ عَلى ما نقُولُ} أنا وأنتم من طلب الموثق وإعطائه {وكيلٌ} حفيظ رقيب مطلع، حلفوا له بالله لنأتينك به، إلا إن أحاط بنا ما لا طاقة لنا به.
وقال سعيد بن جبير: سئل ابن عباس عن الموثق الذى طلبه يعقوب قال: طلب منهم أن يحلفوا له بمحمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين وسيد المرسلين، ألا يغدروا بأخيهم ففعلوا، وفى رواية عن ابن عباس رضى الله عنهما: قال لولده: يا معشر ولدى إن خنتمونى فى ولدى بنيامين فأنتم برءاء من النبى الأمى الذى يكون فى آخر الزمان، له أمة لهم صفوف فى الصلاة كصفوف الملائكة فى السماء ودوى فى الأسحار بشهادة أن لا إلا الله، وهو صاحب التاج والقضيب، والوجه الأقمر، والجبين الأزهر، والحوض المورود، والمقام المحمود، الذى يسمى محمد عليه السلام، فانتم برءاء منه، وهو معرض عنكم بوجهه يوم القيامة إن خنتم لى فى ولدى. قالوا: نعم، قال: الله على ما نقول وكيل.
فأرسله معهم، وقال: يا روبيل اكتب عنى إلى ملك مصر باسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، من يعقوب إسرائيل الله، ابن إسحاق ذبيح الله، ابن إبراهيم خليل الله، إلى ملك مصر أما بعد:
فإنك سألتنى على لسان أولادى، عن سبب حزنى وشيبى، وانحناء صلبى، وذهاب بصرى، فاعلم أن أولى الناس بذلك وأحقهم به، أخوفهم من ربهم، وأذكرهم لمعاده، فأما كبرى قبل أوانه فمن خوف يوم القيامة، وأما شيبى قبل أوانه فمن ذكر النار وشدة عذابها، وأما انحناء ظهرى، ووهن عظمى، وذهاب بصرى، فمن الحزن على قرة عينى يوسف، ومواصلة بكائى عليه، فإنه كان قرة عينى، ونور بصرى وهو أنسى فى الخلوة، ومرادى فى البلاء، وقد أصبت فيه، وفرق بينى وبينه فلا أدرى أحى هو فأرجع، أم ميت فاحتسبه، وإنا أهل بيت موكل بنا البلاء، وما ذلك لهواننا على الله، ولكن ليكمل أجرنا.
وقد بلغنى اهتمامك بأمرى سؤالك عنى وعن حالى، فالله يجزيك على ذلك وكفى به مجازيا ومثيبا.
واعلم أنك لا تكرمنى بكرامة هى أعظم فى صدرى، وأبلغ فى شكرى من أن تعجل على بتسريح ولدى، وردهم على، فتجدد بهم أنسى، وتبسط بصرفهم نفسى، وتزيل وحشتى، وتكرم شيبتى، فلو رأيت حالى لأبكاك وقد وجهتهم لك بالأمانة.
والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
وكتب رومل ذلك بإملاء يعقوب عليه السلام شيئا فشيئا، وختم يعقوب الكتاب، بما ذكر الله عز وجل عنه بقوله: {وقالَ يَا بنىَّ لاتدْخُلوا...}