التفاسير

< >
عرض

يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَابِ
٣٩
-الرعد

هميان الزاد إلى دار المعاد

{يمحُوا الله ما يشاء} وحذفت الواو فى الخط شذوذا كما حذفت نطقا {اللّهُ ما يشاءُ} من الشرائع والفرائض بالنسخ {ويُثبتُ} ما يشاء أن لا ينسخه، أو يثبت ما يشاء بدل ما نسخ لحسب المصلحة، قاله سعيد بن جبير، وقتادة، وقرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو بإسكان المثلثة وتخفيف الموحدة وتفسير المحو والتثبيت بالنسخ والإحكام بكسر الهمزة هو الصحيح، كما يدل عليه عبارة الكشاف.
قال البوصيرى فى الرد على أهل الكتاب فى إنكار النسخ: وأراهم من يجعل الواحد القهار فى الخلق فاعلا ما يشاء، أى لامتناع النسخ عليه يستلزم قهره وعجزه، قال: جوزوا النسخ مثل ما جوزوا النسخ عليهم، ولأنهم فقهاء، أى لو كانوا فهماء لجوزوا نسخ كتاب بآخر، ونسخ بعض كتاب بالبعض الآخر، كما أقروا بمسخ طائفة منهم قردة وخنازير، قال: هو إلا أن يرفع الحكم بالحكم، وخلق فيه وأمر سواء، أى وخلق فى المسخ للصورة الثانية بعد إذهاب صورته الأولى، وأمر أى تصرف بمنع الحكم الأول، وإيجاد الثانى فى النسخ، فالمسخ والنسخ سواء، قال الشاعر:

ولحكم من الزمان انتهاءولحكم من الزمان ابتداء

وقال الحسن: يمحو الله أجل من انقضى أجله من الكتاب، ويثبت فيه أجل من لم ينقض أجله، ويثبت أجل من حدث، وكذلك الحيوان والجمادات، وقيل: يكتب المكان كل ما فعل المكلف، فإذا كان يوم الاثنين والخميس محى من كتاب ما لا ثواب ولا عقاب عليه، وأثبت ما عليه ثواب أو عقاب، وهو قول الضحاك والكلبى.
وقال عكرمة: يمحو كفر التائبين ومعاصيهم بالتوبة، ويثبت إيمانهم وطاعتهم، ويبدل السيئات حسنات فيثبتها فى مكان السيئات.
وقال ابن عباس: يمحو حسنات من مات على الضلالة، ويثبت حسنات من مات فى الطاعة.
وفى رواية عن الحسن: يمحو ذنوب من يشاء، ويثبت ذنوب من يشاء، وقيل: يمحو ما ظهر للملائكة أنه ذنب، وليس ذنبا عند الله تعالى، لاطلاعه على ما فى القلب، ويثبت ما عمل بقلبه من خير ولم تعلم به الملائكة.
وقيل: يمحو أحكام السنة الماضية، ويثبت أحكام المستقبلة، وذلك أول السنة، أو ليلة النصف من شعبان قولان أصحهما الثانى وقال مجاهد: ليلة القدر، وقال الربيع: يمحو روح النائم بإمساكها فيموت، ويثبت روح الآخر بإرسالها إليه.
وقيل: يثبت توجيه المصيبة إلى أحد، وقد لم أنه لا تصيبه، ثم يمحوها بالدعاء والصدقة، مثل أن يقصدك ظالم أو أسد فينجيك الله منه بدعاء أو صدقه.
وقيل: يمحو قرنا ويثبت آخرين، وقال السدى: يمحو القمر بإزالة نوره شيئا فشيئا، ويثبت الشمس.
وأخرج الطبرانى بسند ضعيف، عن ابن عمر،
"سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يمحو الله ما يشاء إلا الشقاوة والسعادة والحياة والموت" ،وكذا فى رواية عن ابن عباس بزيادة الرزق فى الاستثناء مع الأجل.
قيل: الآية عامة فى كل شئ حتى الخمسة المذكورة، ونسب لعمرو ابن مسعود: قيل: كانا يطوفان ويبكيان ويقولان: اللهم إن كنت كتبتنى من أهل السعادة فاثبتنى فيها، وإن كنت كتبتنى فى أهل الشقاوة فامحنى منها، واثبتنى فى أهل السعادة والمغفرة، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك امّ الكتاب.
وعن عمر أنه كان يطوف ويقول: اللهم إن كنت كتبت على ذنبا أو إثما أو ضغثا أى لغو فامحه عنى، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أم الكتاب.
وأخرج ابن مردويه، عن جابر بن عبد الله، عن النبى صلى الله عليه وسلم:
"يمحو من الرزق ويزيد فيه، ويمحو من الأجل ويزيد فيه" فإن صح هذا فقد مر توجيه الزيادة، وأما النقص فبأن يكتب الله فى الأزل بلا أول: إن أجل فلان أو رزقه قليل.
وأخرج أيضا، عن ابن عباس عنه صلى الله عليه وسلم:
"يمحو الله ما يشاء ويثبت كل ليلة القدر، يرفع ويجير ويرزق غير الحياة والموت والشقاء والسعادة فإن ذلك لا يبدل" فإن صح المعنى أن ذلك لا ينقضى فى كل سنة فضلا عن أن يبدل مكانه مثله، بخلاف الرزق والرفع ونحوهما مما يصرف لكل سنة بقدر مخصوص.
وأخرج أيضا
"عن على أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية فقال: لأقرنَّ عينيك بتفسيرها، ولأقرنَّ عين أمتى من بعدى بتفسيرها: الصدقة على وجهها، وبر الوالدين، واصطناع المعروف، وتحول الشقاء سعادة، وتزيد فى العمر" فإن صح هذا عنه صلى الله عليه وسلم فقد مر توجيه الزيادة فى العمر، وأما تحويل الشقاء سعادة، فبحسب الظاهر، والأمارة مثل أن يكثر الإنسان من الكبائر، ومثل أن يكون مشركا مسرفا، ثم يتم له بالتوبة فيموت تائبا، وقد كتبه الله سعيدا فى الأزل، ولكن يظهر لنا منه أمارة الشقاوة، فإذا تاب فكأنه تحول منها إلى السعادة وكذا فى العكس.
ولا يعترض ذلك بأنه لا تقر عين علىّ والأمانة به، لأنا لا نقول تقر بأن الإنسان ولو بلغ ما بلغ من الكبائر والشرك لا يقنط، ويدل على ذلك التأويل ونحوه، ما رواه حذيفة وابن مسعود وغيرهما: أن الشقاوة والسعادة لا تبدلان، وما تقدم عن ابن مسعود وعمر من تبديلهما إن صح عنهما، فالمراد بكتابتهما شقين كتابتهما فى أهل الذنوب، وهكذا لا يتبدل الرزق والأجل وغيرهما عما قضاه الله، قال جل جلاله:
{ ما يبدل القول لدىَّ } وزعمت الرافضة أنه تبدو له البداوات، متمسكين بهذه الآية قبحهم الله، ولزم عليهم نسبة الجهل والعجز إليه تعالى.
{وعنْدهُ أم الكتاب} أصل الكتاب، والمراد بالكتاب الجنس، وأمه اللوح المحفوظ، فإن أصل من كتب الله كلها، ولكل ما يكتب لأن فيه كل شئ من كتب الله وغيرها، ومنه نسخت، وتتولد منه العلوم كلها، ولأنه لا يغير كما يغير كتب الحفظة، وكتب الله غير القرآن، وهو مسيرة خمسمائة عام من درة بيضاء له دفتان من ياقوت، إذا أراد الله وحياء جاء اللوح حتى يقع مقابلة وجه إسرافيل، وهو أقرب الملائكة إلى ما هنالك، فيرى الآخر مكتوبا فينادى جبريل فيقول: بكذا أمرت، فلا يهبط فى سماء إلا فزع أهلها مخافة الساعة، حتى يقول جبريل: الحق من عند الحق، فيوحى به إلى نبى، قيل: لله فيه كل يوم ثلاثمائة وستون لحظة أى قضية، كل قضية تشتمل على قضايا كثيرة، وسأل ابن عباس كعبا عن أم الكتاب ما هو خالق وما خلقه عاملون.