التفاسير

< >
عرض

وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ
٣٤
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ ءَامِناً وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ
٣٥
-إبراهيم

هميان الزاد إلى دار المعاد

{وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ} أى شيئا ثابتاً من كل ما طلبتموه منى فإِن الموجود من كل صنف بعض ما فى قدرة الله، ويجوز أن يكون المراد به سألتموه ما من شأْنه أن تطلبوه ولو لم تطلبوه وهذا عندى أولى لأَنه تعالى بدأ بالنعم قبل أن يسأَل، وقيل هناك حذف أى من كل ما سأَلتموه وما لم تسأَلوه، وما اسم موصول أو نكرة موصوفة وهكذا فى غالب المواضع ولو اقتصرت فيها على ذكر الموصولة، وإِما أن تكون هنا مصدرية، والمصدر بمعنى اسم مفعول فلا حاجة إِن جعل ما اسماً موصولا أو نكرة موصوفة يغنى عنه مع سلامة من تأْويل المصدر باسم مفعول، وقرأ ابن عباس وغيره من كل بالتنوين وهو رواية عن نافع غير مشهورة، وعليه فما اسم موصول أو نكرة موصوفة مفعول لأتى أو حرف نفى والجملة حال من كاف آتاكم أى آتاكم شيئاً من كل صنف وأنتم لم تسألوه أى غير سائليه أو نعت لكل أو المضاف إِليه المقدر أو للمفعول المقدر، {وَإِن تَعُدُّوا} أى وإِن أردتم حصرها والاطلاع على عددها {نِعْمَةَ اللهِ} بمعنى الإِنعام على المعنى المصدرى والإِشكال أو بمعنى الشىء المنعم به فهو بمعنى الجمع، فإِنه قيل كأَنه وإِن تعدوا نعم الله فالإِضافة للاستغراق {لاَ تُحْصُوهَا} لا تبلغوا لها آخر أو لا عدد فى الأَنواع فضلا عن الأفراد فإِن نعمه تعالى لا تتناهى، قال طلق بن حبيب: إِن حق الله أثقل من أن يقوم به العباد ونعمه أكثر من أن يحصيها العباد ولكن أصبحوا تائبين وأمسوا تائبين، وفى كتاب أظنه لابن عطاء الله أو لعبد الحق فى الوعظ والأَدب والنصح مسجعاً ما نصه أيها الحريص على نيل عاجل حظه ومراده، الغافل عن الاستعداد لميعاده تنبه لعظمته من جودك وبقائك بإِرفاده ودوامك بإِمداده أنت طفل فى حجر لطفه ومهد عطفه وحضانة حفظه، يغذيك بلبن بره ويقلبك بأيدى أياديه وفضله وأنت غافل عن تعظيم أمره جاهل بما أولاك من لطف سره وفضلك به على كثير من خلقه، اذكر عهد الإِيجاد ودوام الإِمداد والإِرفاد وحالتى الإِصدار والإِيراد وفاتحة المبدأ أو خاتمة المعاد، {إِنَّ الإِنسَانَ} الـ للجنس أى كل إِنسان ولو بلغ ما بلغ فى العبادة، {لَظَلُومٌ} شديد الظلم للنعمة بإغفال شكرها لقوتها وكثرتها أو شديد الظلم لنفسهِ بتعرضه للحرمان وذلك على عمومه إِذ لا يقوم أحد بحق الله ولا شىء يعتمد عليه السعداء المجتهدون سوى فضل الله ومسامحته أنبياءَه أو غيرهم {كَفَّارٌ} شديد الكفران بالنعمة أى بعيد عن شكرها على التمام ولا يطلق فى حق المتولى أنه ظلوم كفار إلا بهذا البيان وذكره وقيل الـ فى الإِنسان للجنس الصادق بأَصحاب الكبائر فقط وقيل ظلوم فى الشدة يشكو ويجزع، كفار فى النعمة ويجمع وقيل الظلوم الشاكر لغير من أنعم عليه فيضع الشكر فى غير موضعه والكفار الجحود لنعم الله. وعن ابن عباس المراد أبو جهل وعلى الوجه الأول الذى به والمراد الإِنسان مطلقاً. قال ابن زيد هذه منسوخة بقوله إن الله لغفور رحيم بعد قوله وإن تعدوا نعمةَ اللهِ لا تُحصوهَا فى سورة أخرى ووجهه أن وصفه بكونه ظلوماً كفاراً يقتضى عذابه فنسخ بذلك هذا ما ظهر لى فى التوحيد والحق أن الإِنسان موصوف بذلك فى السورتين لمجرد بيان حاله وبيان أنه لا يقوم قائم بحق الله تعالى على التمام وذكر الغفران والرحمة تبشيراً وإخراجاً عن القنوط يفيد التوبة فى سائر الآية {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ} بلد مكة، {آمِناً} ذا أمن لمن فيه ففاعل للنسب أو يقدر مضاف أى آمناً ساكنة والمراد هنا طلب إخراج هذا البلد من صفة كان عليها من الخوف إلى ضدها من الأَمن وفى قوله اجعل هذا بلداً آمنا طلب اجعله من البلاد التى يأْمن أهلها، {واجْنُبْنِى} أبعدنى واجعلنى على جانب من عبادة الأَصنام كما ذكره بعد، وجنبه الشىء منعه إِياه وبقطع الهمزة مفتوحة وكسر النون الأُولى من اجنبه بمعنى جنبه بالتخفيف وهما لغة نجد وجنبه بالتشديد لغة الحجاز ولم يقر بها هنا. {وَبَنِىَّ} أولادى من صلبى فلا يرد أن من نسله من عبد الأَصنام وإِن أراد أولاد صلبه ونسله قلنا لم يجب فى نسله، وليس كل دعاء نبى يجاب كما قيل ويحتمل أن يريد أولاده ونسله الموجودين حالة الدعاء أو فى حياته فإنهم لم يعبدوا صنما قط ويحتمل أن يريد وبنى الذى أذنت لى فى الدعاء لهم ويحتمل أن يريد وبنى المؤمنين وأما غير المؤمنين فكأنه ليس ابنا له كما هو مفهوم مخالفة من قوله فمن تبعنى فإنه منى، وزعم سفيان بن عيينة أنه لم يعبد صنما أحد من نسله محتجاً بهذا الدعاء، قال وإنما كانت لهم حجارة يدورون أشواط بها كما يدورون بالكعبة يسمون تلك الحجارة الدوار بضم الدال وفتحها ويقولون البيت حجر فحيث ما يصيبنا حجر فهو بمنزلة البيت ويستحب أن يقال طاف بالبيت ولا يقال دار به لتلك التسمية، وقد قيل صنم هنا الدينار والدراهم وعبادته الحرص عليه وجمعه من الحلال والحرام أو منع حقوقه، {أن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ} أى من أن نعبد الأَصنام وقد أجاب الله دعاءه فى جعل البلد آمناً فجعله لا يسفك فيه دم إِنسان ولا يظلم فيه أحد ولا يصاد صيده ولا يقطع شجرة ونباته وأُبيح الإِذخر، وذكر بعض أن الوحوش إِذا كانت خارج الحرم توحشت وإِذا دخلت الحرم آمنت، ولا يرد على ذلك أن جماعة من الجبابرة أغاروا عليها وأخافوا أهلها لأَن ذلك نادر ولأَن الفرد آمن إذا دخلها ولو خاف خارج الحرم وترى الناس متخطفة من حولهم، ويحترم من فيه ولا يقصد بسوء وهذا كاف فى الأَمن وقيل المراد اجعل هذا البلد آمناً من الخراب وهو تفسير ضعيف ولا يرد عليه أنه ستهدم الحبشة البيت وتنقل حجارته إلى البحر لأَنه لم يرد منعه من الخراب أبداً بل قرب قيام الساعة أو ذلك عام مخصوص بهدم الحبشة وأجاب دعاءه فى ألا يعبد صنماً وفى بنيه من صلبه ومر البحث فى غيرهم أو دعاءه أن يجنبه الله سبحانه عبادة الأَصنام دليل على أن عصمة الأَنبياء بتوفيق وحفظ من الله الرحمن الرحيم، ودعاؤه مع علمه بالعصمة طلب لزيادة العصمة والتثبيت وهضم لنفسه وإظهار. لعجزه وافتقاره إِلى الله جل جلاله.