التفاسير

< >
عرض

ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ ٱلأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
٣
-الحجر

هميان الزاد إلى دار المعاد

{ذَرْهُمْ} اترك يا محمد هؤلاء الكفار، {يَأْكُلُوا} ما يشتهون، {وَيَتَمَتَّعُوا} بما يريدون، {وَيُلْهِهِمُ} ويشغلهم عن الاستعداد للمعاد {الأَمَلُ} ترجى طول الأَعمار واستقامة الأَحوال والتزيد من الدنيا وترجى الخير فى الآخرة إِن صح أمرها فيما يقولون {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} سوء صنيعهم وإِن أمر الآخرة صحيح وأن الخير فيها لمن آمن وعمل صالحاً لا لهم، والآية تضمنت تهديدهم بمثال أمرهم فى الآخرة وذكر الطبرى عن بعض العلماء أن ذرهم يأْكلوا ويتمتعوا ويلههم الأَمل وعيد فى الدنيا وأن فسوف يعلمون وعيد فى الآخرة فكيف تطيب حياة بين هذين الوعيدين وتضمنت إِقناط رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من إِسلامهم وإِعلامه بأَنهم مخذولون وأن الاشتغال بعد بنصحهم اشتغال بما لا فائدة فيه وتضمنت أن تخليته وإِياهم وما هم فيه لا يزيدهم إِلا ندماً وتضمنت أن الحجة قد لزمت وتضمنت التحذير عن إِيثار التلذذ والتنعم وما يؤدى إِليه طول الأَمل وذلك عادة أكثر الناس وليس من أخلاق المؤمنين وعن بعضهم التمرغ فى الدنيا من أخلاق الهالكين، وفى الحديث أن المؤمن يأْكل فى معى واحد أى لا يستغرق فى اللذائذ بل يتوسط فى أمره بلا قصد اللذة بذاتها ولا يقصد إِلا ما لا بد منه، والكافر يأْكل فى سبعة أمعاء يستغرق فى ذلك، وخص عدد السبعة لأَنه منتهى العدد كما مر، وفى تفسير هذا الحديث وجوه أخرى فى شروح الحديث كحاشية الترتيب والذى يظهر لى بديهة ما ذكرت وفى الحديث: "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر" ، قال على: إِنما أخشى عليكم اثنتين: طول الأَمل ينسى الآخرة، واتباع الهوى يصد عن الحق. ذكر الأَوزاعى عن عروة بن رويم عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "شِرار أُمتى الذين ولدوا فى النعيم وغذوا به همتهم ألوان الطعام وألوان الثياب يشدقون الكلام" . قال عبد الحق: اعلم أن تقصير الأَمل مع حب الدنيا متعذر، وانتظار الموت مع الإِكباب عليها غير متيسر وأن كثرة الميل للذائذ الدنيا تمنع حرارة ذكر الموت أن ترد القلب لأَنه إِذا امتلا بشىء لم يكن لغيره مدخل فيه، فمن أراد الاتعاظ فليفرغه من الدنيا ليجد الذكر فيه منزلا والموعظة فيه محلا قابلا، قال ابن السماك لم يبك الموتى من الموت بل من حسرة الفوت فأَتتهم دار لم يتزودوا منها ودخلوا داراً لم يتزودوا لها، والظاهر أن الآية تضمنت المعانى السابقة بلا نهى عن القتال ولا أمر به فليست بمنسوخة هذا هو الذى يظهر لى فى أمثال ذلك واشتهر أنها نهى عن القتال وأنها منسوخة بآية السيف.