التفاسير

< >
عرض

وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً
٧٩
-الإسراء

هميان الزاد إلى دار المعاد

{وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ} من معنى فى وقيل بمعنى بعض ولا منافاة فإِن من قام بعض الليل صح أن يقال قام فى الليل ويجوز إِبقاء الليل على كليته ومن بمعنى فى على أنه قيل كان قيام الليل كله واجباً عليه، ويأْتى كلام فى ذلك وذلك متعلق بتهجد والفاء صلة للتأْكيد والتهجد الخروج عن النوم وتركه كأنه قيل اترك الهجود للصلاة وهو نوم الليل كالتحرج والتاء ثم بمعنى ترك الحرج والإِثم وذلك ليشمل قياماً بعد نوم أو قبله وقال علقمة وغيره التهجد بعد نومه، وقال الحجاج ابن عمرو: التهجد بعد رقدة، وقال الحسن: إِذا قال التهجد ما كان بعد العشاء الأَخيرة. قال أبو عبيدة الهاجد النائم والهاجد المصلى بالليل. وعن المازرى التهجد الصلاة بعد الرقاد، ثم صلاة أخرى بعد رقدة، ثم صلاة أخرى بعد رقدة. قال وهكذا كانت صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والهاء فى به للقرآن المعبر به عن الصلاة بجملتها أو القرآن الواقع فى الصلاة ويكون الضمير عائداً إِلى قرآن من قوله: وقرآن الفجر بدون اعتبار لفظ الفجر ويجوز كونها عائدة إِلى وقت محذوف منعوت بقوله: من الليل أى وقتاً ثابتاً من الليل وعلى هذا يتعلق هذا الوقت المقدر بمحذوف من باب الاشتغال والباء بمعنى فى على هذا الوجه وهكذا يكون من الاشتغال بأَن نجعل من الليل بمعنى بعض الليل ونجعل الباء للتبعية والهاء لليل نجعلهما معاً فى والهاء لليل. {نَافِلَةً} حال من الهاء فى به {لَّكَ} أى عبادة زائدة فى فرائضك فهى واجبة عليك. قاله ابن عباس، ويدل له لفظ تهجد فإِنه أمر، والأَمر للوجوب ما لم يصرفه دليل عن الوجوب. روى الطبرى عن ابن عباس أنه النافلة للنبى - صلى الله عليه وسلم - خاصة لأَنه أمر بقيام الليل وكتب عليه دون أمته وإِسناده ضعيف، وقال مجاهد معناه زيادة لك خالصة لأَن تطوع غيره يكفر ما على صاحبه من ذنب ويجبر فرائضه وتطوعه - صلى الله عليه وسلم - يقع خالصاً لكونه لا ذنب عليه فإِن كل طاعة منه زيادة درجات وقيل معنى نافلة فضيلة لك باختصاص وجوبه بك. وعن عائشة أن الله افترض قيام أول الليل فى سورة المزمل فقام هو وأصحابه حولا حتى أنزل الله فى آخرها التخفيف فصار تطوعاً، رواه مسلم وروى محمد بن نصر عن ابن عباس: شاهد الحديث عائشة رضى الله عنها أن بين الإِيجاب النسخ سنة، وروى الشافعى أن آخر سورة المزمل نسخ فرض قيام الليل إِلا ما تيسر منه ثم نسخ فرض ما يتيسر بالصلوات الخمس، وروى محمد بن نصر من حديث جابر ابن عبد الله أن نسخ قيام الليل كان حين توجهوا مع أبى عبيدة بن الجراح فى جيش القبط. وفى إِسناده على بن زيد بن جذعان وهو ضعيف ووجوب قيام الليل نسخ فى حقنا وهل نسخ فى حقه - صلى الله عليه وسلم - قال أكثر الشافعية لا والصحيح نعم، ونقله الغزالى عن نص الشافعى وعن عائشة عنه - صلى الله عليه وسلم - "ثلاث هن على فريضة وهى سنة لكم الوتر والسواك وقيام الليل" ، وقيل لم يفرض علينا قط كما يدل عليه ظاهر هذا الحديث فصل، قال الحسن لم يقم النبى - صلى الله عليه وسلم - "أقل من ثلث الليل وذكروا أنه إِذا شغله شئ عن صلاة الليل صلى من النهار اثنتى عشرة ركعة" ، قال عبد الله ابن الحاج فى المدخل قالوا من كان يتفلت منه القرآن فليقم به فى الليل فإِنه يثبت له ببركة امتثال السنة ولا سيما الثلث الأخير من الليل، ولا ينبغى لطالب العلم أن يفوته قيام الليل فإِنه يحط الذنوب كما يحط الريح العاصف الورق اليابس من الشجر وينور القبر ويحسن الوجه أو يذهب الكسل وترى موضعه الملائكة من السماء كما ترى الكوكب الدرى، قال - صلى الله عليه وسلم - "عليكم بقيام الليل فإِنه من دأب الصالحين قبلكم، وإِن قيام الليل قربة إِلى الله تعالى ومنهاة عن الآثام وتكفير للسيئات ومطردة للداء عن الجسد" ، رواه الترمذى عن أبى أمامة، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بأَلف كتب من المقنطرين" ، رواه أبو داود فى سننه عن عبد الله بن عمر وابن العاصى. "قال ابن عباس: بت عند ميمونة زوج النبى - صلى الله عليه وسلم - وهى خالته فاضطجعت عرض الوسادة واضطجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأهله على طولها، فنام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على طولها حتى انتصف الليل أو قبله أو بعده بقليل فاستيقظ فجعل يمسح النوم من وجهه بيده ثم قرأ العشر الآيات الخواتم من سورة آل عمران، ثم قام إِلى شن معلق فتوضأ منه فأَحسن وضوءه ثم قام يصلى فقمت وصنعت مثل ما صنع ثم ذهبت فقمت إِلى جنبه فوضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يده اليمنى على رأْسى وأخذ بأُذنى يفتلهُ، ثم صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اثنتى عشرة ركعة، ثم أوتر ثم اضطجع حتى إِذا جاء الموعد فقام فصلى ركعتين خفيفتين ثم خرج فصلى الصبح" ، رواه الربيع عن أبى عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: قال لى ابن عباس كذلك فافعل يا جبار وثن فى رمضان وبذلك السند "عن عائشة بعد ما ساءلها جابر: ما كان - صلى الله عليه وسلم - يزيد فى رمضان على ثلاث عشرة ركعة، وقالت له: أتنام قبل أن توتر فقال يا عائشة: إِن عينى تنامان ولا ينام قلبى" . قال زيد بن خالد الجهنى: توسدت عتبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو فسطاطه لأَرى صلاته فصلى ركعتين خفيفتين ثم ركعتين طويلتين طويلتين طويلتين ثم ركعتين دون اللتين قبلهما ثم ركعتين دون اللتين قبلهما ثم ركعتين دون اللتين قبلهما ثم ركعتين دون اللتين قبلهما ثم أوتر، فذلك ثلاث عشرة ركعة، رواه أو داود، "وسأَل أبو سلمة بن عبد الرحمن عائشة: كيف كانت صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى رمضان. قالت: ما كان يزيد فى رمضان ولا فى غيره على إِحدى عشرة ركعة يصلى أربعاً لا تسأَل عن حسنهن وطولهن ثم أربعاً لا تسأل حسنهن وطولهن ثم يصلى ثلاثاً. فقلت يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتنام قبل أن توتر. فقال: يا عائشة إن عينى تنامان ولا ينام قلبى" ، رواه البخارى ومسلم، ورويا عنهما "أنه يصلى بعد العشاء إِحدى عشرة ركعة يسلم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة ويسجد سجدتين قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية وإِذا نودى للفجر وتبين قام فصلى ركعتين خفيفتين ثم اضطجع على شقه الأَيمن حتى يأْتيه المؤذن للإِقامة" ، ورويا عنها أنه كان - صلى الله عليه وسلم - إِذا قام من الليل افتتح صلاته بركعتين خفيفتين، "وعن عوف بن مالك الأَشجعى قمت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة فقام فقرأ سورة البقرة لا يمر بآية رحمة إِلا وقف وسأَل ولا يمر بآية عذاب إِلا وقف وتعوذ، ثم ركع بقدر قيامه، يقول فى ركوعه سبحان ذى الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة، ثم سجد بقدر قيامه وقال فى سجوده مثل ذلك ثم قام فقرأ بآل عمران، ثم قرأ سورة النساء" أخرجه أبو داود والنسائى وأخرج الترمذى عن عائشة، قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بآية من القرآن ليلة، "قال الأَسود: سأَلت عائشة: كيف كانت صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الليل. قالت: ينام أوله ويقوم آخره فيصلى ثم يرجع إِلى فراشه فإِذا أذن المؤذن وثبت فإِن كانت به حاجة اغتسل وتوضأ" ، رواه البخارى ومسلم. "قال أنس ما كنا نشاء أن نرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى الليل مصلياً إلا رأيناه ولا نشاء أن نراه نائما إلا رأيناه" . أخرجه النسائى وزاد غيره "وكان يصوم من الشهر حتى لا تقول لا يفطر منه شيئاً ويفطر حتى نقول لا يصوم منه شيئاً" "وقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى انتفخت قدماه فقيل له: أتتكلف هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأَخر. قال أفلا أكون عبداً شكوراً" ، رواه البخارى ومسلم عن المغيرة بن شبعة، قال شريح بن هانئ، "قالت عائشة: ما صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العشاء قط فدخل بيتى إِلا صلى أربع ركعات أو ست ركعات" - رواه أبو داود وكان يقوم إِذا سمع الصارخ، رواه البخارى ومسلم من حديث عائشة وهو يصرخ فى النصف الثانى، قالت: "وكان عليه الصلاة والسلام ينام أو الليل ويقوم آخره فيصلى ثم يرجع فى فراشه فإِذا أذن المؤذن وثبت فإِن كانت حاجة اغتسل وإِلا توضأ وخرج" . رواه البخارى ومسلم. وقالت أيضاً: "كان عليه الصلاة والسلام ربما اغتسل فى أول الليل وربما اغتسل فى آخره وربما أوتر فى أول الليل وربما أوتر فى آخره وربما جهر بالقراءة وربما خفت خفف" ، وقالت أم سلمة "كان يصلى بنا ثم ينام قدر ما صلى ثم يصلى قدر ما نام ثم ينام قدر ما صلى حتى يصبح" . رواه أبو داود والترمذى والنسائى، وفى رواية للنسائى مثل ذلك بالمعنى بزيادة أنه يسبح بعد العتمة، وقيل صلاة النفل التى تليها وإِن صلاته الأَخيرة تكون إِلى الصبح ومن عائشة كان عليه الصلاة والسلام إِذا هب من الليل كبر عشراً وحمد الله عشراً وقال سبحان الله وبحمده عشراً وقال سبحان الملك القدوس عشراً واستغفر عشراً وهلل عشراً ثم قال: اللهم إنى أعوذ بك من ضيق الدنيا ومن ضيق يوم القيامة عشراً ثم يفتتح الصلاة، رواه أبو داود. قال ابن القيم إِذا اختلف ابن عباس وعائشة فى شئ من أمر قيامه - صلى الله عليه وسلم - بالليل فالقول قول عائشة لأَنها أعلم الخلق بقيامه بالليل، ومن حديث "بت عند خالتى ميمونة زوج النبى - صلى الله عليه وسلم - وتحدث - صلى الله عليه وسلم - معها ساعة ثم رقد فلما كان ثلث الليل الأَخير أو بعضه قعد ينظر إِلى السماء فقرأ: {إن فى خلق السمٰوات والأَرض واختلاف الليل والنهار} حتى ختم السورة ثم قام إِلى القربة فأطلق شناقها ثم صب فى الجفنة ثم توضأ وضوءاً حسناً بين الوضوءين لم يكثره، وقد أبلغ فقام فصلى فقمت فتوضأَت فقمت عن يساره فأَخذ بأذنى فأَدارنى عن يمينه فتتامت صلاته ثلاث عشرة ركعة ثم اضطجع فنام حتى نفخ وكان إِذا نام نفخ فأذنه بلال بالصلاة فصلى ولم يتوضأ وكان فى دعائه اللهم اجعل فى قلبى نوراً، وفى بصرى نوراً، وفى سمعى نوراً، وعن يمينى نوراً، وعن يسارى نوراً، وفوقى نوراً، وتحتى نوراً، وأمامى نوراً، وخلفى نوراً، واجعل لى نوراً" ، وزاد بعضهم وفى لسانى نوراً. وذكر عصبى ولحمى ودمى وشعرى وبشرى. وفى رواية "فصلى ركعتين خفيفتين، قلت قرأ فيهما بأُم الكتاب فى كل ركعة ثم سلم ثم صلى إِحدى عشرة ركعة بالوتر ثم نام فأَتاه بلال فقال: الصلاة يا رسول الله. فقام فركع ركعتين ثم صلى بالناس، وفى رواية فقام فصلى ثلاثة عشرة ركعة منها ركعتا الفجر حرزت قيامه فى كل ركعة بقدر يا أيها المزمل" ، وفى رواية "فصلى ركعتين ركعتين حتى صلى ثمانى ركعات ثم أوتر بخمس لم يجلس فيهن" ، وفى رواية للنسائى "صلى إِحدى عشرة ركعة بالوتر ثم نام ونفخ وأتاه بلال" ، الحديث. وفى أخرى له "فتوضأَ واستاك وهو يقرأ: {إن فى خلق السمٰوات والأَرض} - الآية ثم صلى ركعتين فنام حتى نفخ ثم توضأ واستاك وصلى ركعتين فنام حتى نفخ ثم توضأ واستاك وصلى ركعتين ونام ثم توضأ واستاك وصلى ركعتين وأوتر بثلاث" وروى مسلم "فاستيقظ فتسوك وتوضأ وهو يقول إن فى خلق السماوات والأَرض حتى ختم السورة ثم قام فصلى ركعتين أطال فيهما القيام والركوع والسجود ثم انصرف فنام حتى نفخ ثم فعل ذلك ثلاث مرات بست ركعات كل ذلك يستالك ويتوضأ ويقرأ هذه الآيات ثم أوتر بثلاث" " قال سعد بن هشام: يا أم المؤمنين أنبئينى عن وتر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: كنا نعد له - صلى الله عليه وسلم - سواكه وطهوره فيبعثه الله لما شاء أن يبعثه من الليل فيستاك ويتوضأ ويصلى تسع ركعات ولا يجلس فيهن إِلا عند الثامنة فيذكر الله تعالى ويحمد الله تعالى ويصلى على نبيه ويدعو بينهن ولا يسلم ثم يصلى التاسعة ويقعد ويحمد الله ويصلى على نبيه ثم يسلم تسليماً يسمعنا ثم يصلى ركعتين" ، وفى رواية "ثم لما أسمن وأخذه اللحم أوتر بسبع وصنع فى الركعتين الأوليين مثل صنيعه فى الأَول ثم صلى ركعتين وهو جالس بعد ما سلم فتلك تسع أى نبى" ، وفى رواية له "فصلى ست ركعات يخيل إِلى أنه سوى بينهن فى القراءة والركوع والسجود ثم يوتر بركعة ثم يصلى ركعتين وهو جالس ثم يضع جنبه، وقالت كان يصلى ثلاث عشرة بوتر من ذلك بخمس ولا يجلس فى شئ إلا فى آخرها" ، رواه البخارى ومسلم وسأَلها مسروق عن صلاته - صلى الله عليه وسلم - فقالت: سبعاً وتسعاً وإِحدى عشرة سوى ركعتى الفجر، والاضطراب فى تلك الروايات عن عائشة لاختلاف الرواة واختلاف الأَوقات فيحمل لك على أوقات متعددة وأحوال مختلفة بحسب النشاط وبيان الجواز، كما نصف عليه رواية مسروق المذكور. وروى القاسم عن محمد عنها، "كان - صلى الله عليه وسلم - يصلى ثلاث عشرة ركعة منها الوتر وركعتا الفجر" وحمل على أن هذا غالب أحواله والحكمة قيل فى عدم الزيادة على إِحدى عشرة أن صلاة الظهر والعصر ثمانى ركعات وهن صلاة النهار والمغرب وتر النهار وهى ثلاث فذلك إحدى عشرة فناسب أن تكون صلاة الليل كصلاة النهار فى العدد جملة وتفصيلا، وأما مناسبة ثلاثة عشرة فبضم ركعتى الفجر لكونها نهارية إِلى ما بعدها فقيامه فى الليل أنواع: الأَول ست ركعات يسلم ركعتين ثم يوتر بثلاث، الثانى أنه يفتح صلاته بركعتين خفيفتين ثم يتم ورده إِحدى عشرة يسلم من كل ركعتين يوتر بركعة، الثالث ثلاث عشرة، كذلك الرابع ثمانى ركعات يسلم من كل ركعتين ثم يوتر بخمس سرداً لا يجلس إِلا فى آخرهن، الخامس تسع ركعات لا يجلس إِلا فى الثامنة فيذكر الله ويحمده ويدعوه يسلم ثم يصلى التاسعة، ويصلى ركعتين بعد ما يسلم فاعلا. السادس سبع كالتسع ثم يصلى ركعتين جالساً السابع أنه يصلى مثنى مثنى ثم يوتر بثلاث لا يفصل بينهن، الثمن من رواه النسائى "عن حذيفة أنه - صلى الله عليه وسلم - صلى فى رمضان فركع فقال فى ركوعه سبحان ربى العظيم مثل ما كان قائماً ثم جلس يقول ربى اغفر لى فما صلى إِلا أربع ركعات حتى جاء بلال يدعوه إِلى الغداة" ، وروى عنه أبو داود "أنه رأى النبى - صلى الله عليه وسلم - يصلى من الليل فكان يقول: الله أكبر ثلاثاً، ذو الملكوت والجبروت والكبرياء والعظم، ثم استفتح فقرأ البقرة ثم ركع فكان ركوعه نحواً من قيامه وكان يقول فى ركوعه: سبحان ربى العظيم ثم رفع رأْسه من الركوع فكان قيامه نحواً من ركوعه يقول: لربى الحمد ثم سجد فكان سجوده نحواً من قيامه وكان يقول فى سجوده: سبحان ربى الأَعلى ثم رفع رأْسه من السجود وكان يقعد فيما بين السجدتين نحواً من سجوده وكان يقول: ربى اغفر لى، فصلى أربع ركعات قرأ فيهن البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة" ، شك شعبة وذكر البخارى ومسلم "أنه كن يقول سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد وأنه لا يمر بآية تسبيح إلا سبح ولا باية سؤال إِلا سأل ولا بتعوذ إِلا تعوذ" ، وزاد النسائى "لا يمر بآية تخويف أو تعظيم لله عز وجل إِلا ذكره وكان أكثر صلاته قائماً" "قالت حفصة ما رأيته - صلى الله عليه وسلم - صلى قاعداً حتى كان قبل وفاته بعام كان يصلى فى سبحته أى نافلته قاعداً" ، رواه أحمد ومسلم والنسائى وصحح الترمذى "وكان يصلى قاعداً ويركع قاعداً" ، رواه البخارى ومسلم وغيرهما من حديث عائشة بلفظ وإِذا قرأ وهو قاعد ركع وسجد وهو قاعد، وروى مسلم من حديثها "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلى جالساً ويقرأ وهو جالس فإِذا بقى من قراءته قدر ما يكون ثلاثين آية أو أربعين قام وقرأ ثم ركع وسجد ثم يفعل فى الركعة الثانية مثل ذلك" ، وروى الدارقطنى عنها أنه كان يصلى متربعاً وذلك إِما لأَنه نفل وإِما لأَنه مختص بجواز التربيع وقد نهى عنه، وإِما لكونه كان جائزاً ثم نسخ، "وعن عائشة كان يوتر بواحدة ثم يركع ركعتين يقرأ فيهما وهو جالس فإِذا أراد أن يركع قام فركع" ، رواه ابن ماجه، "وعن أبى أمامة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلى ركعتين بعد الوتر وهو جالس يقرأ فهما إِذا زلزلت والكافرون" ، رواه أحمد وأنكر مالك هاتين الركعتين والنووى فى المجموع، وقال أحمد لا أفعل ولا أمنعه والصحيح أنه فعل ذلك بياناً بجواز الصلاة بعد الوتر ولفظه كان يصلى لا يفيد هنا دواماً ولا أكثرية وغلط من ظنهما سنة راتبة لأَنه - صلى الله عليه وسلم - ما داومها {عَسَى أن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً} هذا ذكر لما قيام الليل سبب له وهو المقام المحمود. قال ابن العربى: اختلف فى وجه كون قيام الليل سبباً للمقام، فقيل إِن البارئ تعالى يجعل ما يشاء من فضله سبباً لفضله من غير معرفة لنا بوجه الحكمة، وقيل إِن قيام الليل فيه الخلو بالبارئ تعالى والمناجاة عنده دون الناس فيعطى الخلوة به ومناجاته فى القيامة ويتفاضل الخلق فى ذلك وأجلهم فيه درجة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم فيعطى من المحامد ما لم يعط أحد ويشفع فيشفع، قال فى المواهب اتفق المفسرون على أن عسى من الله وأحب، قال أهل المعانى لفظة عسى تفيد الإِطماع ومن أطمع إِنساناً فى شئ ثم حرمه كان عاراً والله تعالى أكرم من أن يطمع أحداً فى شئ ثم لا يعطيه ذا وقد اختار فى تفسير المقام المحمود فقيل إنه الشفاعة، قال الواحدى: أجمع عليه المفسرون كما "قال - صلى الله عليه وسلم - فى هذه الآية هو المقام المحمود الذى أشفع فيه لأُمتى" ، قال ابن الخطيب اللفظ مشعر بذلك لأَن الإِنسان إِنما يصير محموداً إِذ حمده حامد والحمد إِنما يكون على الأَنعام فهذا المقام المحمود يجب أن يكوم مقاماً أنعم فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على قوم فحمدوه على ذلك الأَنعام وذلك الإنعام لا يجوز أن يكون هو تبليغ الدين وتعليم الشرع لأَن ذلك كان حاصلا فى الحال وقوله عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً يدل على أنه يحصل للنبى - صلى الله عليه وسلم - فى ذلك المقام حمد بالغ عظيم كامل ومن المعلوم أن حمد الإِنسان على سعيه فى التخلص عن العذاب أعظم من سعيه فى زيادة من الثواب ولا حاجة به إِليها لأَن احتياج الإِنسان فى دفع الآلام العظيمة عن النفس فوق احتياجه إِلى تحصيل المنافع الزائدة التى لا حاجة إِلى تحصيلها فتحصل أن المقام المحمود هو الشفاعة لأَهل المحشر بعد مدافعتهما بين الرسل وفيها تخليص المؤمنين من الآلام والعذاب، وفى البخارى عن ابن عمر "سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المقام المحمود، فقال: هو الشفاعة" ، وفيه أيضاً عنه "قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إِن الناس يصيرون يوم القيامة جثا كل أمة تتبع نبيها يقولون يا فلان اشفع لنا حتى تنتهى الشفاعة إِلىّ" ، فذلك المقام المحمود ويؤيده الدعاء المشهور وابعثه مقاماً محموداً يغبطه فيه لأَولون والآخرون ونصب قوله مقاماً على الظرفية بمحذوف أى وبعثه يوم القيامة فأَقيمك مقاماً محموداً فحذف العاطف والجملة المعطوفة أو على أنه مفعول به وضمن معنى يبعثك معنى قيمك ويجوز كونه حالا أى ذا مقام، قال الطيبى نكر لأَنه أفخم وأجزل أى مقاماً محموداً بكل لسان ا. هـ، ويحمده القائم فيه وكل من عرفه، قال ابن الجوزى الأَكثر على أن المقام المحمود الشفاعة وادعة الفخر الاتفاق عليه، قال أبو هريرة: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "هو المقام الذى أشفع فيه لأُمتى" ، رواه الترمذى والآية تشعر بأَن الناس يحمدونه لقيامه فيه وما ذاك إلا مقام الشفاعة وعن أنس أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال: "يجمع الله يوم القيامة فيهتمون لذلك" ، وفى رواية فيلهمون لذلك فيقولون لو استشفعنا إِلى ربنا فيريحنا من مكاننا فيأْتون آدم فيقولن أنت آدم أبو البشر خلقك الله بيده وأسكنك جنته وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شئ، اشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيقول: لست هنا لكم ويذكر خطيئته التى أصاب فيستحى من ربه منها، ولكن ائتوا نوحاً أو رسول بعثه الله إِلى الأرض. فيأْتون نوحاً فيقول: لست هنا لكم فيذكرون خطيئته التى أصاب فيستحى من ربه منها، ولكن ائتوا إِبراهيم الذى اتخذه الله خليلا فيأْتون إِبراهيم فيقول لست هنا لكم ويذكر خطيئته التى أصاب فيستحى من ربه منها، ولكن ائتوا موسى الذى كلمه الله وأعطاه التوراة فيأْتونه فيقول: لست هنا لكم ويذكر خطيئته التى أصاب فيسحتى من ربه منها، ولكن ائتوا عيسى روح الله وكلمته فيقول: لست هنا لكم لكن ائتوا محمداً - صلى الله عليه وسلم - عبداً قد غفر له من ذنبه ما تقدم وما تأَخر، فيقول إِذ أتوه: أنا لها، أنا لها، ثم تلى - صلى الله عليه وسلم - عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً، قال أنس هذا المقام الذى وعده نبيكم محمداً - صلى الله عليه وسلم - ومثل ذلك عن الحسن ولكن فى رواية المخالفين عنهما إِثبات الرؤية وإِخراج أهل النار الموحدين بهذه الشفاعة وإزاحة بعض الشقاوة الموحدين عنها بهذه الشفاعة قبل دخولها، ويقولون إِنها لأهل الكبائر المصرين. قال الربيع بن حبيب -رحمه الله ، قال جابر بن زيد، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "ليست الشفاعة لأَهل الكبائر من أُمتى" ثم حلف عند ذلك ما لأَهل الكبائر شفاعة لأَن الله قد أوعد لهم النار فى كتابه، وإِن جاء الحديث عن أنس بن مالك أن الشفاعة لأَهل الكبائر فهو والله ما أعنى القتل والزنى والسحر وما أوعد الله عليه النار، وذكر أن أنس بن مالك يقول: إِنكم لتعملون أعمالا هى أدق فى أعينكم من الشعر ما كنا نعدها على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا من الكبائر، وذكر الربيع من حديث الشفاعة أن أهل الإِيمان يحبسون فى الموقف بعد ما بشروا وعند الموت وبعد ما أجابوا عند المحنة فى القبور أن الله ربهم قد غفر لهم وأخذ لهم كتبهم بإِيمانهم وابيضت وجوههم وثقلت موازينهم فأَراد الله أن يدخلهم الجنة بالشفاعة والشفاعة مخزونة لا يصل إِليها نبى ولا ملك حتى يفتحها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: والأنبياء ومن اتبعهم محبوسون الأَولون والآخرون فبينما هم كذلك فيقولون لو استشفعنا إِلى ربنا فيريحنا من هذا المقام فيقول بعضهم لبعض عليكم بآدم، فيقولون: أنت الذى خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته لو استشفعت لنا إِلى ربك فيريحنا من هذا المقام، فيقول: إِنى أكلت من الشجرة التى نهانى الله عنها، وإِنى أستحى من لقاء ربى، ولكن عليكم بنوح فإِنه أول نبى أرسله الله فيأْتون نوحاً فيقولون له لو استشفعت لنا إِلى ربك. فيقول إِنى سأَلت ربى ما ليس لى به علم، وأنا استحى من لقاء ربى ولكن عليكم بإِبراهيم خليل الرحمن فيأْتونه فيقولون له: لو استشفعت لنا إِلى ربك. فيقول إِنى استحى من لقاء ربى ولكن عليكم بموسى عليه السلام، كليم الله، فيأْتونه فيقولون له: لو استشفعت لنا إلى ربك، فيقول: إنى قتلت نفساً فأَنا أستحى من لقاء ربى ولكن عليكم بعيسى فإِنه روح الله وكلمته، فيأَتونه فيقولون لو استشفعت لنا إِلى ربك فيقول: أنا عبدت من دون الله فإِنى أستحى من لقاء ربى ولكن عليكم بمحمد عبد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأَخر. قال النبى - صلى الله عليه وسلم - "يأْتوننى فأَمشى بين سباطين من المؤمنين فأقرع باب الجنة فيفتح لى ويقال: يا محمد شفع تشفع فأَقول: يا ربى ما بقى إِلا من حبسه القرآن" ، يعنى أوجب عليه الخلود من النار، قال أهل العلم: هو المقام المحمود الذى يحمده فيه الأَولون والآخرون حيث نجاهم الله من ذلك المقام ويحمده الأَولون بما فتح لهم من الشفاعة وكانت مخزونة لا يصل إِليها أحد حتى فتحها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يشفع آدم فى وقت وقت له فى ولده ثم تشفع الأَنبياء كل نبى يشفع لأُمته ويشفع المؤمنون وكذلك شاء الله أن يدخل المؤمنين الجنة بالشفاعة حتى بلغنا أن الشهيد يشفع فى سبعين من أهل بيته إِذ كانوا مؤمنين متقين، وقد كنت أستشكل ما مر فى حديث أنس وفى رواية الربيع بن حبيبرحمه الله من أن نوحا أول الرسل مع أن آدم وشيث وإِدريس رسل قبل نوح كما ثبت عندنا وعند غيرنا ومن ذلك حديث أبى ذر الذى فى القواعد أن آدم رسول، وكذا رواه ابن حبان وصححه وفى حديث أبى ذر المذكور التصريح بإِنزال الصحف على شيث، وهو من علامات الإِرسال ومثل ذلك فى إِدريس وأجاب بعض بأَن الثلاثة أنبياء غير رسل وإِلى هذا جنح ابن بطال فى حق آدم ويرده ما ذكرناه وأجاب بعض بأَن الأَولية مقيدة بقول أهل الأَرض والثلاثة لم يرسلوا إِلى أهل الأَرض وبعض بأَن آدم كانت رسالته إِلى بنيه وهم موحدون ليعلمهم شريعته، ونوح رسالته كانت إِلى قوم كفار، ويبقى إِدريس وشيث على هذا القول. قال أبو سعيد: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "أنا سيد ولد آدم، ولا فخر يوم القيامة يفزع الناس ثلاثة فزعات فيأْتون آدم فيقولون أنت أبونا اشفع لنا إِلى ربك، فيقول: إنى أذنبت ذنباً عظيماً فاهبطت به إِلى الأَرض ولكن ائتوا نوحاً، فيقول: إِنى دعوت على أهل الأَرض فأهلكوا ولكن اذهبوا إِلى إِبراهيم فيأْتون إِبراهيم فيقول إِنى كذبت ثلاث كذبات. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما منها كذبة إِلا أحل بها عن دين الله، أى جادل، ولكن ائتوا موسى فيأْتون موسى فيقول: قد قتلت نفساً ولكن ائتوا عيسى فيأْتون عيسى: فيقول: إنى عبدت من دون الله ولكن ائتوا محمداً فيأْتوننى فأنطلق معهم فيأْخذ حلقة بباب الجنة فأقعقعها أى أحركها حركة شديدة لها صوت كأَنه قعقع، فيقولون من هذا. فيقول: محمد. فيفتحون لى ويرحبون فأَخر ساجداً فيلهمنى الله سبحانه من الثناء والحمد شيئاً عظيماً لم يلهمه غيرى، فيقال لى ارفع رأْسك سل تعط، اشفع تشفع، وقل يسمع لقولك، وهو المقام المحمود الذى قال الله عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً، " والكذبات الثلاث قوله: إِنى سقيم وقوله: بل فعله كبيرهم هذا، وقوله للجبار فى زوجته: إِنها أختى وهن معاريض أشفق منهن لأَنهن بصورة الكذب، وعن أبى زرعة عن أبى هريرة، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنا سيد الناس يوم القيامة، هل تدرون مم ذلك يجمع الله الأَولين والآخرين فى صعيد واحد، فيبصرهم الناظر ويسمعهم الداعى وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول الناس: ألا ترون إِلى ما أنتم فيه، ألا ترون إِلى ما بلغتم، ألا تنظرون من يشفع لكم إِلى ربكم، فيقول بعض الناس لبعض: أبوكم آدم فيأْتونه فيقولون يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك وأسكنك الجنة ألا تشفع لنا إِلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه، وما بلغنا. فقال: إِن ربى غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله، وإِنه نهانى عن الشجرة فعصيت، نفسى نفسى نفسى، اذهبذوا إِلى غيرى، اذهبوا إِلى نوح. فيأْتون كل رسول من الرسل المذكورين فيقولون له كما قالوا لآدم فيقول لهم كل ما قال آدم ويذكر معصيته على حد ما مر ويرشدهم إِلى غيره ثم يسمى لهم اسم من يليه فى القصة إِلا عيسى فلم يذكر فى تلك الرواية ذنبه ويذكرون لنوح أنك أول الرسل إِلى أهل الأَرض عبد شكور، ويذكرون لإِبراهيم الخلة، ولموسى الكلام ولعيسى أنه كلمة الله وكلمه الناس فى المهد ولنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - أجمعين ويذكرون أنك خاتم الأَنبياء مغفور لك ما تقدم من ذنبك وما تأَخر، فيأْتى العرش فيسجد لله تعالى ويفتح الله تبارك وتعالى عليه ما لم يفتح على أحد من المحامد وحسن الثناء، ثم يقال يا محمد ارفع رأسك سل تعط، واشفع تشفع، فأرفع رأسى فأَقول أُمتى يا رب، أُمتى يا رب، فيقال: يا محمد أدخل من أُمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأَبواب، ورأيت فى كتاب كشف علوم الآخرة من تأْليف الغزالى أن بين وقوفهم فى المحشر وإِتيانهم آدم ألف عام، وأن بين إِتيانهم رسولا وإتيانهم الآخر ألف عام، وهكذا وأنهم يذكرون لآدم أن الكافر يقول: يا رب ارحمنى ولو بالنار، إِذا دافعهم نوح إِلى من بعده تشاوروا ألف عام، وهكذا سائر الرسل المذكورين فى القصة، وأن الزحام يشتد وأن موسى يذكر لهم إنى سأَلت الله تعالى أن آخذ آل فرعون بالسنين وأن يجعله مثلا للآخرين مع أشياء صدرت منى فى المناجاة توجب الهلاك إِلا أنه ذو رحمة واسعة، ورب غفور، وأن موسى يذكر لهم أن عيسى عليه الصلاة والسلام أصح المرسلين يقيناً وأكثرهم معرفة وأشدهم زهداً وأبلغهم حكمة، وأن كل رسول يذكر لهم خصال نبى يليه فى القصة وأنهم يقولون لعيسى أنت روح الله وكلمته، أنت الذى سماك الله وجيها فى الدنيا والآخرة، وأنه يقول لهم كيف أشفع لكم عند من عبدت معه، وسميت له ابناً وسمى لى أبا، ولكن لو كان لأَحدكم كيس فيه نفقة، أيقدر أن يحل الكيس حتى يفض الخاتم. قالوا: لا. قال: فاذهبوا إِلى سيد المرسلين وخاتم النبيين - صلى الله عليه وسلم - وكثيراً ما أذاه قومه حتى هشموا جبهته وكسروا رباعيته وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً وإنه لأَحسنهم خلقاً وأكرمهم شرفاً، وهو يقول كما يقول الصديق لإِخوته: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وجعل يتلو عليهم من فضائله ما لم يسمعوه حتى امتلأت نفوسهم حرصاً على الذهاب إليه فيأْتون منبره فيقولون أتينا فلاناً وفلاناً ولا مطلب بعدك، فيقول: أنا لها وإنه يدخل العرش فيسجد سجدة طويلة يحمد الله تعالى فيها بالمحامد التى حمد الله نفسه بها يوم تم خلق السماوات والأَرض فيتحرك العرش تعظيماً له، وذكر ابن حجر إنى لم أقف لما ذكر الغزالى فى كتابه المذكور على أصل، ولقد أكثر من إِيراد أحاديث لا أصل لها فلا يعتبر بشئ منها، وفى حديث النضر بن أنس عن أبيه، حدثنى نبى الله - صلى الله عليه وسلم - "إِنى لقائم أنتظر أمتى إِذ جاء عيسى فقال: يا محمد هذه الأَنبياء قد جاءتك يسأَلونك أن تدعو الله ليفرق الأُمم إِلى حيث شاء لعظم ما هم فيه" ، فأَفادت هذه الرواية أن عيسى والأَنبياء يسأَلون نبينا محمد فى الشفاعة ولعلهم سائر الأنبياء مع عيسى غير المطلوبين أو معهم، وفى حديث سلمان، يأْتون محمداً فيقولون يا نبى الله أنت فتح الله بك وختم وغفر لك ما تقدم وما تأَخر وترى ما نحن فيه فقم فاشفع لنا إِلى ربنا فيقول أنا صاحبكم فيجوز الناس حتى ينتهى إِلى باب الجنة وذلك لأَن المحشر مقام خوف وإِشفاق ومقام الشافع يناسب أن يكون إِكراما، وفى رواية أنه يلهم التحميد قبل السجود وفى بعض يلهم بعده، وفى أخرى فيه ويجمع بإِثبات تلك الإِلهامات كلها، والذى عليه أصحابنا أن الذين يمشون من نبى إِلى نبى هم المسلمون يستريحوا أهل المحشر جميعاً وستظهر بعض أنه لا يلحق المسلمين هول المحشر وأنهم آمنون مطمئنون للآيات الدالة أنه لا خوف عليهم ولا حزن وأن وجوههم مسفرة ضاحكة مستضيئة والأَحاديث دالة على ذلك وأنه لا يجمع على أحد خوف الدنيا والآخرة، فمعنى قولهم فيريحنا من هذا المقام طلب الإِراحة من النظر إِلى الأَهوال وإن لم يصل إِليهم منها شئ كذا قيل، وليس كذلك عندى بل يصلهم الهول بقدر ما عملوا إِلا من استثناه ونقف فى ظل العرش وأما تلك الآيات والأَحاديث فإِنما هى بعد إِعطاء الصحف فى أيمانهم، وذكر بعضهم أن الكفار لا يطلبون الشفاعة العامة لأَن ما يذهبون إِليه من النار أعظم من هول المحشر وورد فى أحاديث رواها قومن أنهم يطلبونها وقد مر بعضها والشفاعات أقسام، الأَول الشفاعة من المحشر وهى عامة والأصل فيها هذه الأُمة وغيرهم تبع لهم بدليل أنه يقول - صلى الله عليه وسلم - فيها أمتى وهى تعم بنى آدم والجن والملائكة، وظهر فضله فيها من حيث اختصاصها به، قال بعض لو لم يكن فى ذلك إِلا الفرق بين من يقول نفسى نفسى، وبين من يقول أُمتى أُمتى لكان كافياً وفيه تفضيل الأَنبياء المذكورين فيه على من لم يذكر وقيل ليس ذلك تفضيلا بل آدم لكونه أبا الجميع ونوح لكونه الأَب الثانى، وإِبراهيم الآمر باتباع ملته، وموسى لأَنه أكثر الأَنبياء تابعاً، وعيسى لكونه أولى الناس بنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ويحتمل أن يكونوا قد اختصوا بذلك لأَنهم أصحاب شرائع عمل بها من نبى ذكر أولا ومن بعده. الثانى: إِدخال قوم الجنة بغير حساب، وقد مر أنهم يدخلون الجنة من الباب الأَيمن ويشاركون غيرهم فى باقى الأَبواب. قال الغزالى: هم سبعون الفاً لا يرفع لهم ميزان ولا يأْخذون صحفاً، وإِنما هى براءة مكتوبة لا إِله إلا الله محمد رسول الله - هذه براءة فلان ابن فلان قد غفر له، وسعد سعادة لا شقاء بعدها أبداً، الثالث: رفع الدرجات لمن حوسب ومن لم يحاسب وهى مشهورة فى المذهب ولا يكاد يذكر غيرها فيه. وقد ذكرها النووى من الشافعية. الرابع: إِدخال قوم قد حوسبوا حساباً يسيراً وماتوا تائبين وسبقت لهم السعادة عند الله وقضى الله أن يكون ذلك على يد محمد - صلى الله عليه وسلم - الخامس: إِدخال أصحاب الأَعراف الجنة، أخرج الطبرانى عن ابن عباس أنه قال: السابق يدخل الجنة بغير حساب يعنى وبرحمة الله والمقتصد برحمة الله والظالم لنفسه وأصحاب الأَعراف يدخلونها بشفاعته - صلى الله عليه وسلم - وهذه الأَقسام لا بأْس بها على المذهب وزاد قومنا. سادساً: وهو إِخراج الموحدين من النار، وزاد عياض. سابعاً: هو إِخراج أبى طالب من غمرات النار إِلى ضحضاح منها يبلغ كعبية يغلى منها دماغه وزاد بعض. ثامناً: هو الشفاعة لأَهل المدينة لحديث سعد لا يثبت أحد على لوائها إلا كنت له شهيداً أو شفيعاً ويجاب بأَنه داخل فى بعض ما مر وبأَنه لو فتح هذا الباب لعدت شفاعة أهل مكة وأهل الطائف، قال عبد الملك بن عباد:سمعت النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول: " أول من أشفع له أهل المدينة، ثم أهل مكة، ثم أهل الطائف" . رواه البزار وآخر لمن زار قبره الشريف، وأخرى لمن أجاب المؤذن ثم صلى عليه - صلى الله عليه وسلم - وقيل المقام المحمود ما ذكره حذيفة يجمع الله الناس فى صعيد واحد فلا تكلم نفس فأَول مدعو محمد - صلى الله عليه وسلم - فيقول: لبيك وسعديك والخير بيديك والمهتدى من هديت وعبدك بين يديك ولك وإِليك ولا ملجأَ منك إِلا إِليك تباركت وتعاليت سبحانك رب البيت، وزاد بعض وعلى عرشك استويت قيل قوله سبحانك رب البيت، وزاد الشيخ هود وغيره بعد قوله الخير بيديك والشر ليس إِليك، قال فهذا هو المراد من قوله تعالى: {عسى ربك أن يبعثك ربك مقاماً محموداً}. رواه الطبرانى وزاد الشيخ هود فى آخره أنه قيل له اشفع فذلك هو المراد من قوله تعالى: الخ.. قال الفخر: والقول بأَنه الشفاعة العامة أولى لأَن سعيه فى الشفاعة يفيد إِقدام الناس على حمده فيصير محموداً، وأما ما ذكره من الدعاء فلا يفيد إِلا الثواب أما الحمد فلا فإِن قيل له: لم لا يجوز أن يقال إِنه تعالى يحمده على هذا القول، فالجواب لأَن الحمد فى اللغة مختص بالثناء المذكور فى مقابلة الإِنعام فإن ورد لفظ الحمد فى غير هذا المعنى فجاز، وقيل إن المقام المحمود مقام تحمد عاقبته، قال الفخر: هذا أيضاً ضعيف لما ذكرناه، وقيل المقام المحمود إجلاسه - صلى الله عليه وسلم - على العرش، وقيل على الكرسى. وروى عن ابن مسعود يقعد الله تعالى محمداً - صلى الله عليه وسلم - على العرش، وعن مجاهد يجلسه معه على العرش، قال الواحدى: هذا قول رذل موحش فظيع ونص الكتاب ينادى بفساده ويدل على إِفساده أن البعث ضد الإِجلاس لكن يجاب بأَن المعنى عسى أن يبعثك ربك ويقيمك مقاماً محموداً، أو ضمن يبعث معنى يقيم كما مر ويدل على فساده أنه يلزم تحديد الله سبحانه وتعالى والمحمود محدث تعالى الله وأنه قال مقاماً ولم يقل مقعداً أو مجلساً، وهذا يجاب عنه بأَن المقام قد يطلق على موضع اللبث مطلقاً، قلت محض الفساد القاطع هو قوله معه فإِن صح ذلك فمعنى المعية كمعنى العندية فى قوله تعالى: { رب ابنِ لى عندك بيتاً فى الجنة } وقوله سبحانه: { إن الذين عند ربك } وقيل المقام المحمود كل ما له من الفضائل فى المحشر، واختلف فى فاعل الحمد من قوله تعالى: محمود فالأَكثر على أن المراد أهل الموقف، وقيل النبى - صلى الله عليه وسلم - أى أنه يحمد عاقبة ذلك المقام بتهجده فى الليل والأَول أرجح لحديث ابن عمر بلفظ مقاماً محموداً يحمده أهل الجمع كلهم، وقيل يحمده القائم فى ذلك المقام وكل من عرفه وهو مطلق فى كل ما يجلبه الحسد من أنواع الكرامات، واستحسنه أبو حيان ومذهبنا أن الشفاعة ليست لأَهل الكبائر لقوله تعالى: { ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع } وقوله - صلى الله عليه وسلم - "لا ينال شفاعتى ظلوم غشوم ورجل لا يراقب الله تعالى فى اليتيم" ، رواه جابر بن زيد وقوله - صلى الله عليه وسلم - "لا تنال شفاعتى الغالى فى الدين، والجافى عنه، يعنى الزائد فيه والناقص منه" ، رواه جابر بن زيد، وقوله - صلى الله عليه وسلم - "صنفان من أُمتى لا تنالهما شفاعتى: القدرية، والمرجئة" ، رواه جابر بن زيد -رحمه الله - وغير ذلك.