التفاسير

< >
عرض

وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيَّاً
٥٦
وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً
٥٧
-مريم

هميان الزاد إلى دار المعاد

{وَاذْكُرْ فِى الْكِتَابِ إدْرِيسَ} هو خنوخ. وقيل: أخنوخ وهو سبط شيث. وجدّ نوح. قيل: هو إدريس بن فرد. وقيل: ابن نارد بن مهلاييل بن قينان بن نوش بن شيث بن آدم وأمه أشوة قيل: سمى إدريس لكثرة دارسته صفحه الثلاثين. قيل: وصحف آدم. وهو إفعيل من الدرس كذا قيل.
واعترض بأنه لو كان إفعيلا من الدرس، وأنه سمى لكثرة الدرس لكان عربيا فلا يمنع الصرف لوجود العلمية وحدها. بل هو عجمى، وبذا منع الصرف. وكذا إبليس عجمى وليس من الإبلاس كما يزعمون، ولا يعقوب من العقب، ولا إسرائيل من السرال كما زعم ابن السكيت. ومن لم يحقق ولم يتدرب الصناعة فكثرت منه أمثال هذه الهنات. نعم لا يبعد أن يكون معناه فى تلك اللغة قريبا من ذلك فلقب به لكثرة درسه فحسبه الراوى مشتقا من الدرس.
وكان خياطا. وهو أول من خاط، وأول من خط بالقلم - على قول، وأول من لبس الثياب، وكانوا من قبل يلبسون الجلود، وأول من اتخذ السلام وقاتل الكفار، وأول من نظر فى النجوم والحساب، وأول من ألقى السماد والعَذِرة فى الأرض للحرث.
{إنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً} أى فى مكان علىٍّ وهو شرف النبوة والزلفى.
وقال الحسن: الجنة ولا شئ أعلى منها.
ولما أنشد النابغة الجعدى بحضرة رسول الله صلى عليه وسلم:

بلغْنا السماء مجدُنا وسناؤناوإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا

قال صلى الله عليه وسلم: إلى أين يا أبا ليلى؟
قال: إلى الجنة إن شاء الله أو قائل: إن شاء الله هو النبى صلى الله عليه وسلم.
وقيل: فى السماء السابعة.
وقيل: السادسة.
وقيل: الرابعة: وهى رواية أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه رأى إدريس فى الرابعة ليلة المعراج وهو حى فى أحد تلك المواضع إلى الآن.
قال الثعلبى فى عرائس القرآن: سار يوما فى حاجة فأصابه حر الشمس. فقال: يا رب إنى مشيت يما فتأذيت بها فكيف بمن يحملها خمسمائة عام فى كل يوم! اللهم خفف عنه من ثقلها وحرها يعنى الملَك الموكل بها.
قلت: المشهور أن الملائكة لا مشقة عليهم فكأن إدريس لم يطلع على ذلك فلما أصبح الملَك وجد من خفة الشمس وزوال حرها ما لا يعرفه إلا الله فقال: يا رب خلفتنى لحمل الشمس فما لاذى قضيت فىَّ؟
قال: أمَا إن عبدى إدريس سألنى أن أخفف عنك ثقلها وحرها فأجبته - إذا قلنا لا يشق عليهم شئ فالإجابة جارية على مقتضى فهم إدريس -.
فقال: يا رب أجمع بينى وبينه، واجعل بينى وبينه خُلة فأذن له، وهذا من الملك رحمة لهذا الذى دعا له ولو كان ثقلها وحرها لا يضرانه لعلمه بشفقته عليه. فكان الملك يجالس إدريس.
فقال له إدريس: أُخبرت أنك أكرم الملائكة على ملك الموت، وأمكنهم عنده، فاشفع لى إليه ليؤخر أجلى فأزدادَ شكرا وعبادة.
فقال الملك: إن الله لا يؤخر نفسا إذا جاء أجلها.
قال: قد علمت ذلك، ولكنه أطيب لنفسى.
قال: نعم أنا مكلمه لك بما كان يستطيع أن يفعلهُ لأحد من بنى آدم فهو فاعله لك ثم حملهُ على جناحه إلى السماء ووضعه عند مطلع الشمس ثم أتى ملَكَ الموت فقال: لى إليك حاجة.
قال: أفعلُ كل شئ أستطيعهُ.
فقال: صديق لى من بنى آدم تشفَّع بى إليك لتؤخر أجلهُ.
قال: ليس إلىَّ ولكن إن أحببتَ أعلمتهُ أجلَه فيقدم لنفسه.
فقال: نعم.
فنظر فى ديوانه وأخبره باسمه فقال: إنك كلمتنى فى جل ما أراه يموت أبدا.
قال: وكيف ذلك؟
قال: إنى لأجده يموت عند مطلع الشمس.
قال: فإنى أتيت به وتركتُه هناك.
قال: فانطلِق فإنه قد مات. والله ما بقى من أجل إدريس شئ.
فرجع الملك فوجده ميتا.
وفى خبر آخر: قال وهب: كان يُرفع لإدريس كلَّ يوم من العبادة مثل ما يرفع لأهل زمانه، فتعجب منه الملائكة. واشتاق إليه ملك الموت فاستأذن فى زيارته فأُذن له. فأتاه فى صورة بنى آدم. وكان إدريس - عليه السلام - يصوم الدهر فلما كان وقت إفطاره دعاء إلى طعامه، فأبى أن يأكل. ففعل ذلك ثلاث ليال، فأَنكره إدريس.
وقال إدريس: إنى أَريد أن أعلم مَن أنت؟
قال: أنا ملك الموت، استأذنت ربى أن أزورك وأصاحبك، فأذن لى.
فقال إدريس: لى إليك حاجة.
قال: ما هى؟
قال: اقبض روحى فأوحى إليه الله أن اقبض روح فقبضها. ثم أحياه الله بعد ساعة. وقال له ملك الموت: ما الفائدة فى سؤالك قبض الروح؟
قال: لأذوق كرب الموت وغمته. فأكون لهُ أشد استعداداً. ثم قال له: لى إليك حاجة؟
قال: ما هى؟
قال: ترفعنى إلى السماء لأنظر إليها وإلى الجنة وإلى النار. فأذن له الله فى ذلك فلما قرب من النار قال: لى إليك حاجة.
قال: ما هى؟
قال: تسأل مالكا يفتح لى بابها فأرِدها، ففعل.
فقال: فكما أريتنى النار أرنى الجنة فاستفتح ففتُح له فأدخلهُ الجنة.
فقال له ملك الموت: اخرج لتعود إلى مقرك. فتعلق بشجرة فبعث الله ملكا حكما بينهما فقال له: اخرج. وقال: لا أخرج لأن الله قال:
{ كل نفس ذائقة الموت } وقد ذقته. وقال: {وإن منكم إلا واردها} فقد وردتها. وقال تعالى: { وما هم منها بمخرجين } فلست أخرج.
فقال الله لملك الموت: دعه فإنه بإذنى دخل الجنة وبأمرى يخرج منها. فهو هناك حى تارة يتنعم فى الجنة وتارة يعبد الله فى سماء على ما مر. انتهى كلام الثعلبى فى عرائس القرآن.
وإنما ذكر إدريس تلك الآيات لنزولهن فى صحفه، أو أعلمه الله بأنهن فى القرآن أو أوحى إليه بمعناهن فعبَّر عنه بذلك، أو نسب إليه ذكرهن مجازا؛ على أن المراد أنه لا يعترض عليه بدخول الجنة؛ لأنه قد فعل ما ذكر فيهن وأنت خبير بأَنهم اختلفوا فى حياة إدريس.
فقيل: ميّت، وهو الخبر الأول.
وقيل: حى، وهو رواية وهب.
ومن أراد رفع شأنه والقبول عند الناس والسلطان فليكتب: {واذكر فى الكتاب إدريس} - إلى {عليا} فى خرقة حرير أصفر بزعفران محلول بعسل نحل ثم يخرز عليه ويعجن الشمعة بحصى لبان ويبخر الكتاب به ثم يعلقه على نفسه.