التفاسير

< >
عرض

وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
١٥٠
-البقرة

هميان الزاد إلى دار المعاد

{ومِنْ حَيْث خَرجْت فَولِّ وجْهَك شَطْر المَسْجِد الحَرَام وحَيْث ما كُنْتُم فَولُّوا وجوهَكُم شَطْره}: ذكر الأمر بتولية الوجه شطر المسجد الحرام أربع مرات تأكيداً لعظم شأن القبلة، ولأن النسخ من مظان الفتن والشبهة، ولا سيما أنه أول نسخ ظاهر بعد العمل به بين المؤمنين والكفار، فكان حقيقا بالتكرير، وأيضاً ذكره فى قوله: { فَلَنُولِّينك قِبلَةً تَرْضَاها فولِّ وجْهَك شَطْر المسْجِد الحَرَام } مقروناً بعلته وهى تعظيمه الرسول، صلى الله عليه وسلم، بابتغاء مرضاته، ومقرونا مع قوله: {وحيث ما كنتم..} إلخ بفائدة هى أن أهل الكتاب يعلمون أن أمر محمد وأمر القبلة حق فى التوراة والإنجيل، وذكره فى قوله: {وحَيثُ ما كُنتم فَولُّوا وجُوهَكُم شَطْره} تصريحاً بأن حكم أمته حكمه، ولينبه بعده أن لكل أمة قبلة تبعا لداعيها، وهو نبينا بقوله: {ولكل وجهة} وذكره فى قوله: {ومنْ حَيْث خَرَجْتَ فَولِّ وجْهك شَطر المسجد الحَرَام} لينبه على تساوى السفر وغيره فى أمر القبلة بحسب الإمكان، وليقرنه بشهادة الله أنه حق، وشهادته مغايرة لشهادة أهل الكتاب، وذكره فى قوله: {ومِنْ حَيْث خَرَجْت فَولِّ وجْهَك شَطْر المسْجِد الحَرَام وحَيْث ما كُنْتُم فَوَلُّوا وجُوهَكم شَطْره}، لينبه على أن حكم أمته فى السفر حكمه كالحضر، وأن المراد وحيث ما كنتم من السفر وغيره من الخروج، وليقرنه بدفع حجج الكفار بقوله:
{لئِلاَّ يَكُونَ للناس}: اليهود والنصارى والمنافقين، أو جميعهم مع مشركى العرب، أو قريش واليهود، وقال الحسن مشركى العرب، وقال مجاهد مشركى قريش.
{عَلَيْكم}: أيها المؤمنون.
{حجة}: فقرن كل مرة بعلتها كقرن المدلول بكل واحد من دلائله، للتأكد كما هو شأن ما أريد تقريره وتقريبه للأفهام والقبول، وزعم بعضهم أن قوله: {فَولِّ وجْهَك شَطْر المسْجِد الحَرَام وحَيْث ما كُنْتم فَولُّوا وجُوهَكُم شَطرَه} إشارة إلى حال كون الإنسان فى المسجد الحرام، وقوله: {ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرَام} إشارة إلى حال كون الإنسان فى البلد، وقوله: {ومِنْ حَيثُ خرجت فَولِّ وجهَك شَطْر المسْجِد الحَرام وحَيْث ما كُنْتم فَولُّوا وجُوهكم شَطْره}، إشارة إلى حال كون الإنسان خارجاً عن البلد، والحجة المنفية فى قولهِ: {لئلاَّ يَكونَ للنَّاس عَليْكم حُجةٌ} يقول: إن اليهود والمنافقين تبع لهم، والنصارى المنعوت فى التوراة والإنجيل قبلته الكعبة، فلو لم يستقبلها لقالوا ليس المذكور فى التوراة والإنجيل، لأن المذكور فيهما يستقبلها بعد أن يستقبل بيت المقدس، وأن يقول اليهود إن محمداً يجحد ديننا ويتبع قبلتنا، فيأمر باستقبال الكعبة لئلا يقولوا ذلك، وأن يقول المشركون من العرب إنه لو كان نبيا لم يخالف قبلة أبيه إبراهيم، وهى قبلة العرب قبلة حق.
{إلاَّ الَّذينَ ظَلمُوا مِنْهم}: استثناء من الناس، أى إلا الذين ازداد ظلمهم للمبالغة فى العناد، لأن الناس المذكورين ظالمون، فإن الذين ازداد ظلمهم لا تنتفى الحجة عليهم بذلك بالنظر إلى عنادهم، فيقول اليهود والنصارى والمنافقون: انصرف عن بيت المقدس إلى الكعبة برأيه، واشتياقاً لبلده، وسيرجع إلى دين آبائه، وتقول قريش، انصرف لقبلة بلده اشتياقاً لبلده، وعلما بأن ديننا حق فسيرجع إليه كما رجع لقبلتنا، فهذه حجة هؤلاء المستثنين، وسماها حجة من حيث إن المراد لا الذين ظلموا فلهم حجة، لأنهم يسوقونها مساق الحجة كقوله:
{ حجتهم داحضة } وقيل الحجة الاحتجاج والمبحث واحد، فإن هذا منهم مسوق مساق الاحتجاج، وليس باحتجاج صحيح، ويحتمل أنها سميت حجة واحتجاجا أخذاً من الحج بمعنى القبلة والقطع والغلبة، وقطع كلام الخصم يكون فى الجملة بالحق والباطل، ويجوز أن يراد بالناس عموم من ذكر، وبالذين ظلموا من يؤمن منهم، ويجوز أن يكون الاستثناء منقطعا، أى لكن الذين ظلموا منهم يجادلونكم بالباطل ولا حجة لهم، وهو أبلغ فى نفى الحجة، كأنه قيل لئلا يكون للناس عليكم حجة غير حجة الذين ظلموا، ومعلوم أنها حجة غير معتبرة كقوله:

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب

فإن كون الفلول فى السيوف من مصادمة العساكر غير عيب، بل مدح أكد به كأنهُ قيل: إن كانت لهم حجة فما هى إلا حجة الظالم، ومعلوم أن حجة الظالم فى ظلمه باطلة، فهذا مدح لهم ومدح لأهل الحق، ويدل على أن الاستثناء منقطع. قراءة زيد بن على: ألا الذين ظلموا، بفتح همزة ألا وتخفيف لامه وهى التى للاستفتاح والتنبيه، فالذين ظلموا مبتدأ خبره محذوف أى لا حجة لهم، أو مفعول لمحذوف على الاشتغال، أى لا تخشو الذين ظلموا منهم، فسره فلا تخشوهم أو خبره لا تخشوهم، والفاء على الوجهين زائدة، وزعم أبو عبيدة معمر بن المثنى أن إلا عاطفة على الناس عطف عام على خاص، قال ابن هشام: ذكر الأخفش والفراء وأبو عبيدة أن إلا تكون عاطفة بمنزلة الواو فى التشريك فى اللفظ. والمعنى وجعلوا منه لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا لا يخاف لدى المرسلون إلا من ظلم ثم بذل حسنا بعد سوء أى ولا الذين ظلموا ولا من ظلم وتأولهما الجمهور على الاستثناء المنقطع انتهى.
{فَلاَ تَخْشَوهم}: يا معشر العرب، أو يا معشر المؤمنين، لا تخافوا طعنهم فإنه لا يضركم ولا يزرى بكم، ولا جدالهم فى التولى إلى الكعبة، فإنهم قد علموا أنه جدال باطل وأنى أنصركم عليهم بالحق.
{واخْشَوْنى}: عظِّمونى ولا تتركوا أمرى ولا تخالفوه، أو احذروا عقابى على ترك أمرى، فإنى الضار النافع والعالم بمصالحكم. قال الفخر الرازى هذه الآية تدل على أن الواجب على المرء فى كل أفعاله وتركه أن ينصب بين عينيه خشية ربه تعالى، وأن يعلم أنه ليس فى يد الخالق شئ ألبتة، وألا يكون مشتغل القلب بهم، ولا ملتفت الخاطر إليهم. انتهى.
{ولأُتِمَّ}: عطف على قوله تعالى: {لئلاَّ يكونَ للنَّاس عليكُم حُجةٌ} أى (فولوا وجوهكم شطره لئلا يكونُ. ولأتم نعمتى عليكم)، بالإرشاد إلى معالم دينكم، كالتحويل إلى الكعبة، أو على محذوف، أى واخشونى لأنصركم عليهم. أو لأحفظنكم عنهم. ولأتم نعمتى عليكم أو لأوفقكم ولأتم، أو متعلق بمحذوف مستأنف أو بإخبار معطوف على إن شاء أمرتكم بذلك لأتم نعمتى عليكم، أو عرفتكم قبلتى لأتم نعمتى عليكم.
{نِعمَتى عَليكُم}: وهو دين إبراهيم، فإنهُ نعمة من الله، جل وعلا، لنا، أو هى تبيينية لنا، وفى الحديث:
"تمام النعمة دخول الجنة" رواه الترمذى، وعن على: "تمام النعمة الموت على الإسلام" وقيل: تمام النعمة رضا الله سبحانه وتعالى، فيجمع بأن تمام النعم التى فى الدنيا من أمر الدين والدنيا، الثبات على الإسلام عند الموت، وتمام النعمة بعد البعث دخول الجنة، فإن قبل دخولها تبشير الملكين فى قبره وأرته موضعه فى الجنة، وملكه فيها، ورعى روحه فى الجنة بعد موته. وبعثه آمناً وإعطائه كتابه بيمينه، وإلباس الحلة له، والمد فى قامته طولا وعرضا، وتحسينه جداً، والشرب من الحوض وشفاعة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وعير ذلك. وأيضاً ذلك كلهُ تمام لما قبله من النعم فى الدنيا، وإذا استقر أهل الجنة فيها أوحى الله إليهم أنى راض عنكم فلا أسخط عليكم أبداً، وهذا تمام النعمة كلها على الإطلاق.
{ولَعلكُم تهْتدونَ}: لعل للتعليل، والعطف على لأتم أو على ما عطف عليه لأتم، والمعنى: ولتهتدوا. أو للترجى فى حق البشر مستأنفاً، والمراد الاهتداء إلى الحق.