التفاسير

< >
عرض

لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلْكِتَابِ وَٱلنَّبِيِّينَ وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلاةَ وَآتَى ٱلزَّكَاةَ وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَٱلصَّابِرِينَ فِي ٱلْبَأْسَآءِ وٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ
١٧٧
-البقرة

هميان الزاد إلى دار المعاد

{لَيسَ البِرَّ أن تُولُّوا وجُوهَكُم قِبَلَ المشْرِقِ والمغْرِب}: إلى أن قال: {والكِتابِ والنَّبِيين} إلى آخره: فصوب المؤمنين فى الصلاة إلى الكعبة، فإن الكتاب هو القرآن أو الجنس، فمن آمن بالقرآن أو بالكتب كلها صلى إلى الكعبة، لأن غيرها منسوخ بها فى القرآن، ومن آمن بالنبيين كلهم صلى إليها، لأن سيدنا محمداً، صلى الله عليه وسلم، أمر بالصلاة إليها. وقال ابن عباس رضى الله عنهما: كان الرجل فى ابتداء الإسلام إذا أتى بالشهادتين وصلى إلى أى جهة ثم مات على ذلك وجبت له الجنة، فلما هاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ونزلت الفرائض، وصرفت القبلة إلى الكعبة، نزلت الآية. وفى قوله أيضاً الرد على اليهود والنصارى، بأن استقبالهم للصخرة والمشرق منسوخ ليس برّاً، وإنما البر فى استقبال الكعبة، وهو الذى بينه الله واتبعه المؤمنون، وذلك أنه لما نزل أمر الكعبة أكثر فيه اليهود والنصارى الخوض، وقيل الخطاب لليهود والنصارى والمؤمنين، أى ليس البر فى أمر الاستقبال فقط، ويحتمل أن يراد البر العظيم الأعظم الذى يحسن أن تذهلوا بشأنه من غيره، هو أمر القبلة، فإن الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين أهم منه، وقيل عن ابن عباس: إن الخطاب للمؤمنين، وإن المراد بتولية الوجوه قبل المشرق والمغرب نفس الصلاة لا نفس الاستقبال، وقيل المعنى: ليس البر أن تكونوا نصارى فتصلوا إلى المشرق، ولا يهودا فتصلوا إلى المغرب. وقال مجاهد: إن أبا ذر سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر فنزلت الآية، فدعاه فتلاها عليه، ثم سأله فأعادها، ثم سأله فأعادها، فقال: إذا عملت حسنة أحبها قلبك، وإذا عملت سيئة أبغضها قلبك، وقرأ ابن مسعود: بأن تولوا بزيادة الباء فى خبر ليس للتأكيد، وقرأ حمزة وحفص بنصب البر على أنه خبر ليس مقدم على اسمها، وفى قراءتهما رد على ابن درستويه، إذ منع توسيط خبر ليس، قال ابن هشام: وتوسيط أخبار كان وأخواتها جائز خلافا لابن درستويه فى ليس، قرأ حمزة وحفص {ليس البرَّ أن تولوا وجوهكم} بنصب البر انتهى بتصرف. وإن قلت: أى القراءتين قوى؟ قلت: يدل كلام ابن هشام أن قراءتهما أقوى، لأن فى رفع البر الإخبار بما هو بمنزلة الضمير عما دونه فى التعريف. قال: واعلم أنهم حكموا لأن وأن المقدرتين بمصدر معرف بحكم الضمير، ولذا قرأ السبعة: {وما كان حجتهم إلا أن قالوا} بالنصب والرفع ضعيف انتهى.
{ولكنَّ البرَّ مَنْ آمنَ باللهِ}: بتخفيف نون لكن، وكسرها لالتقاء الساكنين، أى لكن البر من آمن بالله لاستقبال ما نسخ استقباله، أو لكن البر الأعظم من آمن بالله، والبر معنى لا ذات، فإن البر هو الفعل المرضى سواء كان طاعة الله لا إحسان فى ظاهرها إلى الخلق، ولو كان فيها ضر عليهم كالجلد والرجم والقطع والحدود، أو طاعة له فيها إحسان للخلق كإنفاق المال لوجه الله، ويطلق فى اللغة أيضا على الإحسان للخلق ولو بلا نية تقرب إلى الله، وليس هذا مرادا هنا فيقدر مضاف ليكون الإخبار بذات عن ذات، أو بمعنى عن معنى، تقديره لكن ذو البر من آمن، ويدل لهذا التقدير قراءة بعضهم، ولكن الكبار من آمن بالله بالألف بعد الباء، والحذف على هذا كان أولا وفيه إخبار عن ذات بذات، أو تقديره ولكن البر من آمن بالله، وهذا فى إخبار بمعنى عن معنى، والحذف كان آخر، وهذا أولى لأنه وارد عن قوله: {لَيس البرَّ أنْ تُولّوا وُجُوهَكم} إلخ الذى هو نفى كون البر تولية الوجه، فليكن هذا الوارد المستدرك عليه الذى هو قوله: {ولكنَّ البرَّ من آمَن بالله}: من جنس ذلك المنفى، ولو قال ليس البار من يولى وجهه قبل المشرق والمغرب لكان تقدير ولكن ذو البر من آمن بالله أولى. قال ابن هشام. إذا احتاج الكلام إلى حذف مضاف يمكن تقديره مع أول الجزاءين ومع ثانيهما فتقديره مع الثانى أولى، نحو: {ولكن البر من آمن} فتقدير نحو البر من آمن أولى من تقدير البربرة، لأنك قدرت عند الحاجة إلى التقدير، ولأن الحذف من آخر الجملة أولى، ويعنى عند الحاجة أنك إنما احتجت آخراً لا أولا إذ الأول أخذ مكانه فيؤتى لهُ بما يطابقه، فإن لم يوجد لفظا قدر له، ومثل تقدير المضاف أولا تأويل البر بالبار كسائر ما يؤول فيه المصدر بالوصف، كما تدل له قراءة ولكن البار، ويجوز ألا يقدر ولا يؤول، ولكن مبالغة كقوله من قال: فإنما هى إقبال وإدبار. وقرأ ابن مسعود وغير نافع وابن عامر بتشديد نون لكن وفتحها، ونصب البر، وفى هذه القراءة ما تقدم من الأوجه فى قراءة التخفيف والكسر للنون ورفع البر، وهو قراءة نافع وابن عامر، ويجوز تقدير ذى جمعا فى قراءة النصب وقراءة الرفع، واختار المبرد قراءة النصب، وقال لو كنت ممن يقرأ لقرأت {ولكنَّ البر} بالتشديد والنصب وفتح الباء، وفى إختياره فتح الباء اختيار لتقدير ذو البر، أو اختيار لتأويل البر بالبار لأن البار وذا البر بكسر الباء بفتحها بمعنىً فإن البر بفتح الباء مخفف من البار.
{واليَومِ الآخر}: ذكره لأن عبدة الأوثان ينكرونه وهو يوم البعث من القبر.
{والملائِكَةِ}: كلهم بأنهم خلق مطيعون لله سبحانه، خلقهم من نور وذكرهم لأن اليهود كفروا فى حقهم، إذ قالوا: جبريل عدونا، ومشركو العرب قالوا: إنهم بنات الله.
{والكِتابِ}: القرآن، وقيل جنس كتب الله، ويدل بقوله:
{والنَّبِيِّينَ}: لأن الإيمان بالأنبياء كلهم مستلزم للإيمان بالكتب كلها، ويجمع دين الله ووحيه سبحانه، ويدل فى الإيمان بكل من الخمسة أشياء كثيرة يلزم التصديق عليها.
{وآتَى المالَ عَلَى حُبِّه}: أى على حب المال، أو على حب البر، أو على حب الله، أو على حب الإيتاء، أى يعطيه وهو طيب النفس بإعطائه، فالهاء مفعول معنى، ويجوز أن تكون فاعلا معنى عائدة إلى الموتى، أو على حب المال، أو على حبه البر، أو على حبه الله، أو على حبه الإيتاء. والصحيح من ذلك عود الهاء للمال، لأنهُ أقرب مذكور بلا تكلف معه ولا تأويل، ولا يعود لغير الأقرب إلا لدليل، ولقوله صلى الله عليهِ وسلم:
" لما سئل أى الصدقة أفضل؟ (قال): أن تؤتيه أى المال وأنت صحيح شحيح تأمل العيش وتخشى الفقر" رواه البخارى ومسلم، ومعنى الشح هنا حرص النفس على المال ورغبتها فيهِ، وصعوبة إنفاقه عليها، ولقول ابن مسعود: أن تؤتيه ـ أى المال ـ وأنت صحيح شحيح، تأمل العيش وتخشى الفقر، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا. وفى رواية: "تأمل الحياة وتخشى الفاقة" ، وفى البخارى ومسلم: "جاء رجل إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أى الصدقة أعظم أجرا؟ فقال: أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان كذا" ، وحفظت رواية أخرى أنهُ قال: قلت لفلان كذا ولفلان كذا إلا ولفلان كذا. وضمير بلغت للروح لدلالة المقام، والحلقوم وفلان فى الموضعين فى الرواية الأولى والثلاثة فى هذه الرواية من أوصى له، وفلان الثالث فى قوله: وقد كانا لفلان كذا هو الوارث.
{ذَوى القُرْبى}: يعنى أهل قرابة الموتى، وقدمهم لأنهم أحق بالإيتاء إذ فيهم صدقة وصلة، روى الترمذى والنسائى وغيرهم عن سليمان بن عامررحمه الله ، صدقتك على المسكين صدقة، وعلى ذى القربى اثنتان صدقة وصلة، وعنه صلى الله عليه وسلم:
"أفضل الصدقة على ذى الرحم والكاشح" وروى البخارى ومسلم "أن ميمونة رضى الله عنها أعتقت وليدة ولم تستأذن النبى صلى الله عليه وسلم، فلما كان يومها الذى يدور عليها قالت: أشعرت يا رسول الله أنى أعتقت وليدتى، قال: أو فعلت؟ قالت: نعم. قال: أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك" ، والوليدة الجارية الصغيرة، وإضافتها للياء على معنى صغيرتى.
{واليَتامَى}: جمع يتيم وهو الذى لا أب له مع الصغر، وقيل يطلق على البالغ أيضا حقيقة ما دام لم يستعد لمصالحه ومنافعه وما له لصغر.
{والمسَاكِين}: جمع المسكين وهو من أوزان التأكيد والمبالغة فى الشئ كالمنطيق لكثير النطق أو الفصيح، والمسكير لكثير السكر الدائم السكر وكذلك المسكين كثير السكون إلى الناس والخضوع لهم، أو كثير اللبث لضعفه
{وابْنَ السَّبِيلِ}: المسافر سمى ابن السبيل لملازمته السبيل، كما يقال لمن لازم الشئ أخوه وصاحبه، أو لأنهُ يجئ من السبيل ويظهر منه إذا وصل فرية أو محلة، كما يظهر الولد من بطن أمه، ويقال لقاطع الطريق: ابن الطريق لأنهُ يرصد الطريق للقطع، وقيل ابن السبيل هو الضعيف، لأن السبيل يقدمه ولأنه وصل من السبيل، والقول الأول أولى لعمومه، لأن المسافر يعم الضعيف وغيره، ويخص من سافر فى معصية فإنه لا يعطى إلا إن تاب، والثانى أوضح، لأن حق الضيف أقوى، ولأنه الوارد فى السنة الواجب الحق.
{والسَّائِلينَ}: الذين يطلبون الطعام أو غيره لحاجة ألجأتهم إلى السؤال. قال صلى الله عليه وسلم:
"أعط السائل ولو جاء على فرس" رواه مالك فى الموطأ عن على بن أبى طالب، ورواه أحمد بن حنبل فى مسنده، وأخرج أبو داود والترمذى عن أم نجيد، وقال الترمذى حسن صحيح أنها قالت قلت: "يا رسول الله إن المسكين ليقوم على بابى فلا أجد شيئاً أعطيه إياه. قال: أتجدى ظلفا محرقا فادفعيه إليه فى يده" وروى مالك فى الموطأ عن أم نجيد أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ردوا السائل ولو بظلف محرق" أى أعطوه شيئاً يرجع به ولو ظلفا، والظلف خف شاة ونحوها وفى كونه محرقا زيادة مبالغة فى جواز إعطاء القليل لئلا يرجع بلا شئ، وكذا روى الربيع عن أبى عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس عنه صلى الله عليه وسلم: "ردوا السائل ولو بظلف محرق"
{وفى الرِّقاب}: أى فى تخليص الرقاب إما بالعتق وذلك أن يشترى عبداً ويعتقه. وإما يفكه من الدين أو من بعضه اللازم عليه على مكاتبه، وذلك أن يكاتب الإنسان عبده فهو عندنا حر من حينه فيعطى ليخلص من الدين، وإما يفك الأسارى، وحكى بعضهم ذلك أقوالا ثلاثة، وإنما لم يقل والرقاب بالنصب على أسلوب ما قبله، لأن المعتق والمكاتب والأسير لا يعطون المال ملكا لهم، بل يدفع فى مصالحهم، ولو أعطى بأيد المكاتب والأسير، فالمفعول الثانى بالنظر إليه محذوف تقديره وآتى المال مكاتب العبد أو مالكه أو أسر الأسير لفك الرقاب المذكورة، أو ينزل كالمعتدى لواحد لعدم تعلق القصد بالثانى، ففى للتعليل أو يقدر ودفع المال فى فك الرقاب.
{وأقامَ الصّلاة}: أتى بها مستقيمة بوقت وطهارة وخشوع وإخلاص والمراد هنا الواجبة، ولو كانت النافلة أيضا براً يثاب عليها بشرط إقامتها.
{وآتى الزَّكاةَ}: أتاها الفقراء أو المساكين أو من تصرف إليه، أو من يقوم بصرفها والمفعول الثانى محذوف كما رأيت، أو لا يقدر لعدم تعلق القصد به وهى الزكاة المفروضة، وأما المال فى قوله عز وجل: {وآتى المال}، فهو ما يتصدق يتصدق به تطوعاً، فإن البر يقع بالواجب والمندوب، ويحتمل أن يراد بالمال حقاً كان يجب فى المال غير الزكاة، ثم نسخ بالزكاة المذكورة فى غير هذه الآية، وذكر الزكاة بعدها، وعنه صلى الله عليه وسلم:
"نسخت الزكاة كل صدقة" رواه الدارقطنى والبيهقى، أى نسخت الزكاة وجوب كل صدقة، ويجوز أن يريد بالمال الزكاة الواجبة ذكرها أولا ليبين مصارفها. وهن ذوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والمكاتب والأسير، وعتق الرقاب إذا احتاج إليها بيت المقال، ولعل الزكاة كانت جائزة للقريب ولو لم يكن فقيراً، ثم نسخ جوازها لغير الفقير، أو أراد القريب المتأهل لها مثل أن يكون فقيرا أو غارما أو مكاتبا أو أسيرا، وخص بالذكر على هذه المزية الأجر فى القريب، وكذا الكلام فى اليتيم فإنهُ قد يكون غنيا، وذكر باقى المصارف فى براءة، فإن فرضنا وجود الإمام ووصلت بيده فكان نائباً لكن قد يصرفها فى غير ما ذكر فى الآية كالغارم والعامل، وذكرها ثانيا بقوله: {وآتى الزكاة} مطلق الحث على أدائها، وعنه صلى الله عليهِ وسلم: "ليس فى المال حق سوى الزكاة" . وعن الشعبى أن فى المال حقاً سوى الزكاة، وتلا هذه الآية، ولا ينافى الحديثين حديث نسخ الزكاة كل صدقة، وحديث ليس فى المال حق سوى الزكاة، لأن الشعبى أراد بالحق الواجب ما وجب من تنجية المشرف على الهلاك يجوع أو عطش أو برد أو حر أو نحو ذلك مما يتوصل إليه بالمال، وحق ابن السبيل وصلة الرحم، فإنه إن احتاج لمال وجب له وإلا فصلته واجبة بما أمكن، فإن أديت بالمال تأدت، وكذا يجب إعطاء السائل إن رأيت عليه الحاجة الشديدة حتى كاد يهلك، ثم إن هناك وجوبا أدنى من وجوب، ألا ترى حديث من رد سائلا لم تدخل الملائكة يومه، ولا شك أن هذه الأشياء ونحوها واجبة، صرح بها فى أحاديث، ولوح إليها فى أحاديث كثيرة. قال الفخر: روت فاطمة بنت قيس أن فى المال حقا سوى الزكاة ثم تلت {وآتى المال على حبه}. وعنه صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن بالله واليوم الآخر من بات شبعانا وجاره طاويا إلى جنبه" ، قال بعض الأندلسيين وهو ابن العربى فى أحكامه: إذا وقع أداء الزكاة ثم نزلت بعد ذلك حاجة فإنه يجب صرف المال إليها باتفاق من العلماء، وقد قال مالك: يجب على كافة المسلمين فداء أسراهم وإن استغرق ذلك ما الهم، وكذا إذا منع الولى الزكاة، فهل يجب على الأغنياء إغناء الفقراء، الصحيح وجوب ذلك عليهم انتهى. واختلف أصحابنا رحمهم الله فى وجوب التنجية بالمال الصحيح عندى وجوبها فانظر شرحى على النيل الذى من الله الرحمن على به، ولا يجب فى المذهب فك الأسارى وأراد ابن العربى فاتفاق العلماء اتفاق علماء المالكية.
{والموفُون بِعَهدهم إذا عاهَدُوا}: العطف على من آمن فكأنه قيل ولكن البر بر من آمن والموفين، أو لكن ذو البر من آمن والموفون بإفراد ذو المقدرة على أنها للحقيقة أو يجمعها بأن يقدر ذو البر بالنظر إلى مجموع لفظ من، والموفين أو بالنظر إلى معنى من والموفين، والمراد إذا عاهدوا الله جل وعلا أو الناس أو الله والناس، ودخل فى ذلك ما لزمهم من النذور ووعد العبادة، وما وجب الله عليهم من الفرائض، فإنهم قد عاهدوا عليها إذ كانوا ذرّاً خارجة من آدم، وإذ فهموا عن الله وقامت الحجة، فإن الفهم وقيام الحجة معاهدة، والخروج عن مقتضاهما مجرد عناده، ودخل الوفاء بالوعد للناس، وأداء الأمانات، وأما العهد الحرام فلا يجوز الإيفاء به، بل يجب تركه والطاعة فى تركه، ويجوز ترك عهد فى الطاعة والإحسان للخلق إلى أحسن منه، وكذا فى المباح كما روى عنه صلى الله عليهِ وسلم. وقرئ والموفين بالياء نصباً على المدح، أى واجب الموفين بعهدهم إذا عاهدوا.
{والصَّابِرِين}: رفع الموفون كما مر ونصب الصابرين على المدح لمزية فضل الصبر كما تدل عليه مشقته، وكون الأعمال جميعاً يعود عليها عاملها بالإفساد إذا لم يصبر وهو أفضل الأعمال، والتقدير وأحب الصابرين كما رأيت فى قراءة نصب الموفين، فإن بعضا قرأ بنصب الصابرين ورفع الموفين وهم الجمهور، وعليهِ القراء العشرة، وبعضا قرأ بنصب الموفين على المدح ونصب الصابرين عطفاً عليه، وبعضا قرأ برفع الموفين والصابرين بالواو عطفا على من.
{فى البأْساءِ}: شدة الفقر.
{والضَّرَّاء}: المرض، وقال الأزهرى البأساء فى الأموال كذهاب بعض ماله أو كله أو كونه فقيراً من أول مرة، والضراء فى الأبدان كالمرض وضعف القوة وزوال بعض منفعة الأعضاء، وزوال بعض الأعضاء، وذلك كذهاب البصر والشم والسمع وقطع اليد. روى مسلم على شرطه والحاكم فى المستدرك عن ابن عباس، رضى الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"أول من يدعى إلى الجنة الذين يحمدون الله على السراء والضراء" وروى مسلم عن صهيب رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عجبا لأمر المؤمن إن أمره كلهُ له وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إذا أصابته سراء شكر فكان خيراً لهُ، وإن أصابتهُ ضراء صبر فكان خيراً له"
{وحيِنَ البأسِ}: أى حين الحرب والقتال فى سبيل الله، قيل سميت الحرب بأسا لما فيها من الشدة، ويجوز ألا يكون البأس اسماً للحرب، بل للشدة والمضرة الواقعتين فيها وهو الأصل، ولكن استعمال البأس بمعنى الحرب وارد، ولك أن تقول شاع استعمال البأس فى بأس الحرب، ويحتمل هذه الأوجه ما رواه البخارى ومسلم عن البراء بن عازب: كنا والله إذا احمر البأس نتقى به، وإن الشجاع منا الذى يحاذيه، يعنى النبى، صلى الله عليه وسلم، واحمر البأس اشتد البأس، ونتقى به يتقدمنا ويكون لنا كالوقاية من العدو.
{أولئِكَ الَّذينَ صَدقُوا}: أولئك الجامعون لهذه الخصال صدقوا فى الدين وادعاء البر، وفى طلب البر بدليل أنهم وصلوه، أولئك مبتدأ والذين خبره، والصدق هنا مطابقة لشئ لما يقتضيه، فكلمة الإخلاص تقتضى الاتباع بالعمل، فمن اتبعها به قيل صدق فيها، والاجتهاد فى عمل تلك الخصال صدق فى طلبها، ومقتضى ادعاء الشئ ثبوته كما ادعى، وهكذا ويقال صدق سيفى أى فعلت به ما أعددته لأجله.
{وأُولئِكَ هُم المتَّقُونَ}: التاركون للمعاصى، أو الحاذرون عذابه والآية جامعة للكمالات الإنسانية، وهى ثلاثة أصول صحة الاعتقاد المشار إليها بقوله: {مَنْ آمن} إلى {والنَّبِيِين}، وحسن المعاشرة المشار إليها بقوله: {وآتى المال} إلى قوله: {وفى الرقاب}، وتهذيب النفس المشار إليه بقوله: {وأقامَ الصَّلاة} إلى آخرها فوصف المستجمع لها بالصدق نظراً إلى إيمانه واعتقاده، ووصفه بالتقوى اعتبارا بمعاشرته للخلق ومعاملته مع الحق، وإليه أشار بقوله صلى الله عليه وسلم:
"من عمل بهذه الآية فقد استكمل الإيمان" قاله القاضى.