التفاسير

< >
عرض

وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ
١٩٦
-البقرة

هميان الزاد إلى دار المعاد

{وأتمُّوا الحجَّ والعُمْرةَ للّهِ} أى: ائتوا بالحج والعمرة تامين بأركانهما وشروطهما، فهما معاً واجبان، لأن الله عز وجل أمر بالإتيان بهما تامين، والأمر للوجوب على الصحيح ما لم يصرفه دليل عن الوجوب، وقد قرأ بعضهم: وأقِيمُوا الحجَّ والعمرة، وهى قراءة أدل على الوجوب. وروى أن رجلا يسمى الضبى من معبد قال لعمر رضى الله عنه: إنى وجدت الحج والعمرة مكتوبين على فأهللت بهما جميعاً فقال: هديت لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، وفى رواية: وإنى أهللت بهما، رواه أبو داود والنسائى والترمذى، ووجه الدلالة على وجوبهما أنه ذكر الرجل وجوبهما لعمر ولم ينكر عليه، بل صوبه وقال: إنك مهتد فيما ذكرت لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم، وإن قلت: لا دليل فيه على الوجوب، لأن الرجل فسر وجوبهما بقوله أهللت بهما فوجبت بالإهلال بها لا مطلقا، كما تجب صلاة النفل وصوم النفل بالدخول فيهما، قلت: قد قيل ذلك لكنه لا يصح لأنه رتب الإهلال على وجودهما مكتوبين، فالإهلال بهما غير كونهما مكتوبين، فلا يكون تفسيراً له، بل متسبباً عن كونهما مكتوبين، ويدل على التغاير ما فى رواية، وإنى أهللت بهما بالواو، ودل على الوجوب أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما هى حجة وعمرة، فمن قضاهما فقد قضى الفريضة أو قضى ما عيله، فما أصاب بعد ذلك فهو تطوع" . وقوله صلى الله عليه وسلم: "أتانى جبريل فى ثلاث بقين من ذى القعدة فقال: دخلت العمرة فى الحج إلى يوم القيامة" رواه الطبرانى فى كبيره عن ابن عباس، وقوله صلى الله عليه وسلم: "الحج والعمرة فريضتان لا يضرك بأيهما بدأت" رواه الديلمى عن جابر بن عبد الله والحاكم عن زيد بن ثابت، وقوله صلى الله عليه وسلم: "العمرة من الحج بمنزلة الرأس من الجسد وبمنزلة الزكاة من الصيام" رواه الديلمى عن ابن عباس. وذكره الشيخ هودرحمه الله موقوفاً عن مسروق بلفظ "العمرة من الحج كالزكاة من الصلاة" واستدل صاحب الوضعرحمه الله أيضاً بقوله صلى الله عليه وسلم: "تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفى الكير خبث الحديد والذهب والفضة وليس للحج المبرور ثواب إلا الجنة" . ورواه النسائى والترمذى عن ابن مسعود لكنهما قالا: "ليس لحجة مبرورة ثواب إلا الجنة" . وزاد الترمذى: "وما مؤمن يصل يومه محرما إلا غابت الشمس بذنوبه" . وقال حديث حسن صحيح.
ووجه الاستدلال به أن الأمر على الصحيح للوجوب إذا جرد ولا يدل على التكرار وقد قام الدليل على أنهما لا يجبان أكثر من مرة فوجبت متابعة الحج الواجب أو العمرة بالآخر، أو أن المراد أن الحج ولو غير واجب لا يصح بلا عمرة، فهى شرط فى مطلق الحج، لكن يحتمل الحديث أن يكون فى العمرة والحج غير الواجب، وأن المتابعة ندب ويدل لهن الاحتمال رواية الدارقطنى فى الإفراد والطبرانى فى الأوسط عن جابر بن عبد الله:
"أديموا الحج والعمرة فإنهما" إلى قوله الحديث، والقول بوجوب العمرة قول أصحابنا وعلى وابن عباس، وابن عمر وجماعة من التابعين منهم الحسن وابن سيرين، وعطاء وطاووس، وسعيد بن جبير ومجاهد، وهو أصح قولى الشافعى، وبه قال أحمد، قال ابن عباس: العمرة واجبة كوجوب الحج، وقال: إنها لقرينتها فى كتاب الله: {وأتمُّوا الحَجَّ والْعُمْرَةَ للّهِ}. قال ابن عمر: الحج والعمرة فريضتان، وقال ليس أحد من خلق الله إلا وعليه حج وعمرة واجبتان من استطاع إلى ذلك سبيلا.
وذكر داود بن حصين عن ابن عباس أنه قال: العمرة واجبة كوجوب الحج وهى الحج الأصغر، وذكره فى الوضع بمعناه بلا رواية. وعن مسروق أمرتم فى القرآن بإقامة أربع: الصلاة والزكاة والحج والعمرة إلى البيت، وانفقوا على وجوب الحج للقرآن والأحاديث لا تحصى منها حديث مسلم وصاحب الوضع واللفظ لمسلم عن أبى هريرة، قال
"خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أيها الناس فرض عليكم الحج فحجوا. قال رجل: فى كل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثاً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو قلت نعم لوجبت ولم استطعتم" ولفظ صاحب الوضع، وعن أنس " أن النبى صلى الله عليه وسلم صلى الظهر ذات يوم ثم جلس فقال: سلونى عما شئتم ولا يسألنى اليوم أحدكم عن شئ إلا أجبته فقال الأقرع ابن حابس: يا رسول الله الحج علينا واجب فى كل عام؟ فغضب صلى الله عليه وسلم حتى احمرت وجنتاه، فقال: والذى نفس محمد بيده لو قلت نعم لوجب ولو وجب لم تفعلوا ولو لم تفعلوا لكفرتم ولكن إذا نهيتكم عن شئ فانتهوا عنه، وإذا أمرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم" ومعنى لو قلت نعم لوجب لو قلت بالوحى نعم لوجب. قال ابن مسعود وجابر بن عبد الله وإبراهيم النخعى، والشعبى والشافعى فى مرجوح قوليه، ومالك وأبو حنيفة أن العمرة غير واجبة، واستدلوا برواية جابر بن عبد الله أنه قال: "يا رسول الله العمرة، واجبة مثل الحج؟ قال: لا ولكن أن تعتمر خير لك" رواه أبو داود والترمذى، وهو فى الوضع أيضاً، برواية ابن عباس عند الطبرانى فى كبيره، وطلحة بن عبد الله عند ابن ماجه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الحج فريضة والعمرة تطوع" ورواه الشيخ هود موقوفاً على ابن مسعود رحمهما الله، وبقراءة الشعبى وعلى فيما قيل، والشعبى والعمرة لله برفع العمرة على الابتداء، وقوله صلى الله عليه وسلم: "بنى الإسلام على خمس" فذكر الحج ولم يذكر العمرة، وبقوله: { ولله على الناس حج البيت } ولم يذكر العمرة، وأجابوا عن قوله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة} بأن الأمر بإتمام الشئ لا يستلزم وجوبه من أول مرة، بل وجوبه بعد الدخول فيه وهب أن الحج هو الواجب لكن لا مانع من عطف النفل على الواجب، كما تقول: صم رمضان وستة من شوال، تأمره بفرض وتطوع، وكذا الجواب عن قوله: {وأقيموا الحج والعمرة} فى قراءة، والصحيح وجوب العمرة لكثرة أدلة الوجوب، بل ضعفوا حديث جابر: "سئل صلى الله عليه وسلم عن العمرة أواجبة؟ قال: لا" بأن فيه حجاج ابن أرطاه وزعموا أنه ليس ممن يقبل منه ما تفرد به لسوء حفظه وقلة مراعاته لما يحدث به، وكذا لا دليل على عدم الوجوب فى عدم ذكرها مع الحج فى قوله: { وللّهِ عَلَى النَّاسِ حجُّ البيت } لأن عدم ذكرها معه فى آية واحدة لا يستلزم كونها واجبة، ولا فى حديث: "بني الإسلام" لأن مفهوم العدد لا يفيد الحصر على الصحيح، ولأن عدم بناء الإسلام على خمس لا يستلزم عدم الوجوب، وكم واجب لم يذكر فى الخمس، لأنه إنما قصد نوعاً عن الواجبات يذكر بناء الإسلام عليها لا استقصاء الواجبات ولا فى قراءة: والعمرةُ لله بالرفع، لأن كون الشئ لله لا يستلزم كونه نفلا، ولو استؤنف به عن أسلوب الواجب قبله، ولاحتمال أن المعنى والعمرة واجبة لله، غير أنه ذكروا أن قراءها قصدوا بها بيان أن العمرة غير واجبة سماعاً، منهم أو تلويحاً منهم، فتكون قراءتهم مبينة على قولهم. والله أعلم.
ومعنى تمام الحج والعمرة: أن يتمهما بمناسكهما وحدودهما وسننهما قاله ابن عباس، وعنه إتمامهما قضاءاً مناسكهما بما فيهما من دماء، وعنه:
"أتموا الحج إلى عرفة والعمرة إلى البيت والحج عرفة والعمرة الطواف" . وعنه وعن على وابن مسعود إتمامهما من دويرة أهلك، وقال محمد: حجة كوفية وعمرة كوفية أفضل، يشير إلى أن أتمامها إن تفرد لكل واحد منهما سفراً كما هو قول، وقال الثورى سفيان: إتمامهما أن تخرج قاصداً لهما لوجه الله لا لرياء ولا لتجر ولا لغير ذلك، ويؤيد ذلك قوله: لله، وقيل أن تكون النفقة حلالا، وينتهى عما نهى الله عنه، قال ابن زيد: إتمامهما ألا تفسخهما إذا دخلت فيهما وفى الوضع، وقال بعض: إتمامهما أن تخرج من بيتك لهما لا تزيد غيرهما لا تخرج لحاجة ولا لتجارة، فمن خرج لحج أو عمرة بنية قصد التجر فى الطريق أو فيهما أو بعد الفراغ منهما، فليس حجه وعمرته تامين، ولو أجزياه وإن عرض له بدون أن يقصده بخروجه فلا بأس لقوله تعالى: { وابْتَغُوا فَضْلاً مِنْ ربِّكم } وإن قصد شراء ما لا بد منه لحجه أو عمرته أو فيهما أو بعدهما مما لا بد منه لطريقه، فليس بتجر. والله أعلم.
والإفراد عندى أفضل. وهو: أن يحرم بحج، وإذا فرغ منه أحرم بعمرة أو بعد ذلك فى عامه أو يحرم بعمرة قبل أشهر الحج، ويحرم منها قبل أشهره، ثم يحرم بحج فى عامه، وقيل لا تصح قبل أشهره إذا كانت واجبة وصحح، وإنما كان عندى أفضل لأنه بدليل أنه لا كفارة فيه، ولأن الأصل أن يؤدى كل فرض على حدة، بخلاف التمتع ففيه كفارة: وهى الهدى، فعلمنا أنه خلاف الأصل بدليل لزوم الهدى، وبخلاف القرآن، فإنه جمع فرضين: حج وعمرة، وصورة التمتع أن يحرم فى أشهر الحج بعمرة وإذا فرغ منها فمتى شاء أحرم بالحج فى هذه الأشهر والقران أن يحرم بهما معاً فى أشهره.
وعن مالك والشافعى الإفراد أفضل، ثم التمتع ثم القران، وهكذا أقول فإن قرن عبادتين أضعف من فعل ما أبيح مع كفارة وهو التمتع، وروى مسلم عن عائشة رضى الله عنها
"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد الحج" ، وروى مسلم عن ابن عمر: "أهللنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج مفرداً" ، وفى رواية "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بالحج مفرداً" ، وروى مسلم عن جابر قال: "قدمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نصرخ بالحج صراخاً" ، وأخرج مالك فى الموطأ عن ابن عمر: افصلوا بين حجكم وعمرتكم فإن ذلك أتم لحج أحدكم، وأتم لعمرته أن يعتمر فى غير أشهر الحج، وصح من رواية جابر بن عبد الله وابن عمر وابن عباس وعائشة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد فى حجة الوداع" وروايتهم راجحة لمزيتهم فى ذلك، فأما جابر بن عبد الله فأحسن الصحابة سياقة لرواية حجة الوداع، لأنه ذكرها من حين خرج النبى صلى الله عليه وسلم من المدينة.. إلخ، فهو أضبط لها من غيره، وأما ابن عمر فصح عنه أنه كان آخذاً بخطام ناقة النبى صلى الله عليه وسلم فى حجة الوداع، وأنه سمعه يلبى يحج، وأما ابن عباس فحمله من العلم والفقه فى الدين معروف مع كثرة بحثه عن أحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما عائشة فقربها من رسول الله صلى الله عليه وسلم معروف، واطلاعها على باطن أمره وظاهره مع كثرة فقهها وعلمها، وكان أبو بكر وعمر وعثمان وعلى يفردون الحج أيضاً بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وواظبوا على الإفراد، وروى الربيع ابن حبيب، عن أبى عبيدة، عن جابر بن زيد، عن عائشة: أفرد رسول الله صلى الله عليهِ وسلم الحج، وقال سفيان الثورى، وأبو حنيفة: القران أفضل ويدل عليه ما روى عن أنس وأخرجه البخارى ومسلم: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبى بالحج والعمرة جميعاً" ، وفى رواية: " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لبيك عمرة وحجاً" ، وروى الشيخ هود عن أنس: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لبيك بالعمرة والحج معاً" ، وروى عن مجاهد: أهل الضبى بن معدى بالعمرة والحج، فمر على سليمان بن ربيعة وزيد بن صحوان وهو يلبى بهما فقال: هذا أقل عقلا فلما أقدم على عمر ذكر ذلك لهُ فقال: هديت لسنة نبيك.
وذهب أحمد بن حنبل، واسحاق بن راهويه، إلى أن التمتع أفضل، ويدل له ما روى عن ابن عباس: تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر وعمر وعثمان. فأول من نهى عنه معاوية، رواه الترمذى، وأخرج البخارى ومسلم عن ابن عمر: تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى وساق معه الهدى من ذى الحليفة، وبدا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهلّ بالعمرة ثم أهلَّ بالحج، وروى بالعكس تمتع الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج، وكان من الناس من أهدى ومنهم من لم يهد،
"فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قال للناس: من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شئ حرم منه حتى يقضى حجه، ومن لم يكن أهدى فليْطف بالبيت والصفا والمروة وليقصر وليحلل، ثم ليهل بالحج وليهد، ومن لم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيام فى الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله" وطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم مكة فاستلم الركن أول شئ، ثم خب ثلاثة أطواف من السبع، ومشى أربعة ثم ركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين. ثم سلم فانصرف فأتى الصفا وطاف بالصفا والمروة سبعة أشواط، ثم لم يحلل من شئ حرم منه حتى قصى حجه ونحر هديه يوم النحر، وأفاض بالبيت طاف، وفعل غيره مثل ما فعل صلى الله عليه وسلم ممن معه هدى.
وقال عمر بن حصين: تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزل فيها القرآن، وقيل لابن عباس إنهم يروون عنك أنك تقول: من طاف بالبيت فقد أحل، فقال: تلكم سنة نبيكم وإن رغمتم، ويأتى مثل هذا مبسوطاً عن عطا عن جابر بن عبد الله ذكره فى قوله: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى}، وقد يجمع بين الروايات بأنه كان أولا مفرداً بالحج ثم أدخل عليه العمرة وأحرم بها فصارت قرانا، فمن علم بأول الأمر حكى الإفراد، ومن علم باجتماع الحج والعمرة حكى القران، ومن حكى التمتع أراد التمتع اللغوى وهو الانتفاع، فإن القارن منتفع بقرانه ولا سيما أنه روى أنه طاف لهما طوافاً واحداً، وسعى لهما سعيا واحداً أعنى أسبوعاً واحداً لا طوافين أو سعيين، وكذا من علم بأول الأمر فى رواية تقديم العمرة حكى التمتع الشرعى، ومن علم باجتماع الحج معها لأنه جمعه إليها بعد ذلك قبل الفراغ منها حكى القران، ومن سمع إحرامه بالحج ولم يسمع بما تقدمه من الإحرام بالعمرة حكى الإفراد، وأفاد مجموع ذلك جواز إدخال أحدهما على الآخر، ويمكن الجمع أيضاً بأنه فسخ العمرة إلى الحج أو العكس، فحكى كل ما حكى مما مر آنفاً، إذ لم يعلموا بأن ذلك فسخ، وفى صحيح الربيع بن حبيب، عن أبى عبيدة، عن جابر بن زيد، عن سعد بن أبى وقاص والضحاك بن قيس بلاغاً: أنهما اختلفا فى التمتع بالعمرة إلى الحج، فقال الضحاك: لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله، وقال سعد: بئس ما قلت.. فقال الضحاك: إن عمر قد نهى عن ذلك. فقال سعد: قد صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصنعناها معه، يعنيان إدخال الحج على العمرة، قال الربيع عن عبيدة: من أراد التمتع فعل. يعنى يفرغ من العمرة على حدة. من غير أن يدخل عليها حجا، ومن شاء ترك، وكل واسع يعنى ومن شاء ترك التمتع بأن يدخل الحج على العمرة كذا ظهر لى، ويجمع بأنه صلى الله عليه وسلم علم بعضاً الإفراد، وبعضاً القران، وبعضاً التعلم، فأضاف كل منهم ما علمه صلى الله عليه وسلم إليه صلى الله عليه وسلم كما هو عادة العرب، وغيرهم فى إضافة الفعل إلى الأمر به كما تقول: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بنى فلان، تريد أنه أمن بالكتابة إليهم وكتب غيره إليهم بإذنه، ورجم ماعزاً أو رجم امرأة، تريد أنه أمر برجمهما فرجما.
{فَإنْ أُحْصِرتُم}: منعكم العدو عن الحج والعمرة بعد ما أحرمتم بهما أو عن أحدهما هذا عندنا، وعن مالك والشافعى لقوله تعالى:
{ فإذا أمنتم } فإنما يتبادر من الأمن: الأمن من العذاب، ولنزول ذلك فى قصة الحديبية لأنهم منعوا فيها بالعدو، ولقول ابن عباس: لا حصر إلا حصر العدو، وهذا قول ابن عمر كابن عباس، وقول أنس ومالك والليث والشافعى وأحمد وجمهور أهل التأويل، وجمهور الناس، وهو قولنا لكن نقيس سائر المواضع على الإحصار بالعدو، روى أن كفار مكة صدوا النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه سنة ست عام الحديبية، ومنعوهم من الطواف بالبيت، فنزلت الآية، فحلوا من عمرهم ونحروا ما عندهم من هدى، وقضوا عمرهم من قابل، ولا يباح التحلل لمنع المرض وسائر الموانع غير العدو على قول هؤلاء، وعن مالك أن المحصر بالمرض لا يحله إلا البيت، ويقيم حتى يفيق، وإن أقام سنين، فإذا وصل البيت بعد فوت الحج قطع التلبية فى أوائل المحرم، وحل بعمرة ثم تكون عليهِ حجة قضاء، وفيها يكون الهدى، وكذا قال جماعة من العلماء وقال عطاء ومجاهد وقتادة وأبو حنيفة وابن عباس فى رواية عنه، والشيخ هود وكثير من العلماء: أبيح التحلل بالآية من كل مانع: عدوٍ أو مرضٍ، وذهاب نفقة وغير ذلك، ويدل لهُ ما روى عن عكرمة، حدثنى الحجاج بن عمرو: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كسر أو عرج فقد حل، وعليهِ حجة أخرى" ، قال عكرمة: فذكرت ذلك لأبى هريرة وابن عباس فقالا: صدق. أخرجه أبو داود والنسائى والترمذى، وقال: حديث حسن. يقال: عرج بالفتح إذا أصابه شئ فى رجله فمشى مشى الأعرج، وعرج بالكسر صار أعرج، وأجيب عن هذا الحديث: بأنهُ محمول على من شرط التحلل بالمرض ونحوه حال الإحرام، فإن هذا الشرط جائز لما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما: " أن ضباعة بنت الزبير أتت النبى صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إنى أريد الحج أفأشترط؟ قال: نعم. قال: كيف أقول؟ قال: قولى لبيك اللهم لبيك محلى من الأرض حيث تحبسنى" . أخرجه الترمذى، وقال: حديث حسن صحيح. وروى البخارى ومسلم " أن ضباعة بنت الزبير كانت وجعة فقال لها النبى صلى الله عليه وسلم: حجى واشترطى وقولى اللهم حيث محلى حبستنى" أى حلولى من الإحرام أو موضع حلولى بالحصر، فمن شرط ذلك فمنعه مانع تحلل ولا شئ عليهِ، وكذا قال الشافعى وأحمد وإسحاق، كما يشترط صائم النفل من الليل إن وقع كذا فى النهار أفطر، فإن وقع قبل الزوال فله الإفطار، ولا يجوز فى صوم الفرض ولا فى لازم الصوم، ولا فى القضاء، وإنما جاز فى الحج والعمرة الواجبتين، لأن لهما بدلا لتراخيهما، والقائل أن يقول: لفظ الآية عام فى كل إحصار: بالعدوِّ أو بغيره، والعبرة على الصحيح بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فلا يضر نزولها فى الحصر بالعدو والحصر والإحصار مترادفان فى كل منع، قال الزجاج: يقال للرجل: من حصرك ومن أحصرك.
قال ابن ميادة:

وما هجر ليلى أن تكون تباعدت عليك ولا أن أحصرتك شغول

وكذا قال الفراء الشيبانى، وقال ثعلب أحمد بن يحيى: أصل الحصر والإحصار: الحبس، وأحصر فى الحبس أقوى من حصر، وقيل: أحصر فى المنع الظاهر كالعدو، والمنع الباطن كالمرض، وحصر فى المنع الباطن. وعن ابن قتيبة فى قوله: {فإن أحْصِرْتُمْ} هو أن يعرض الرجل ما يحول بينه وبين الحج من مرض أو كسر أو عدو، ويقال: أحصر، فإن حبس فى دار أو سجن قيل حصر، وعن الزجاج: أحصر عند أهل اللغة فى الخوف والمرض وحصر فى الحبس، وقال ابن السكيت: أحصره المرض وحصره العدو.
{فَمَا اسْتَيسَر مِنَ الهَدْىِ} ما: مبتدأ والخبر محذوف، أى فعليكم ما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهدىِ، أو خبر لمحذوف، أى: فالواجب ما استيسر من الهدى، أو مفعول لمحذوف، أى فاهدوا ما استيسر، والهدى: بدنة أو بقرة أو شاة، ومعنى ما استيسر: ما سمحت به النفس من ذلك، ووجد. وقال ابن عباس: شاة لأنه أقرب إلى اليسر، وهو قول الجمهور، وإن أهدى بدنة أو بقرة فحسن، رواه مجاهد عن ابن عباس، وروى أيضاً عن ابن عباس وعروة: جمل دون جمل، أو بقرة دون بقرة، يعنيان أنه تكفى بدنة أو بقرة، ولو كانت دنية غير كريمة. وعن ابن عمر: المراد بالهدى هنا الإبل والبقر فقط. ومحل هدى المحصر: حيث أحصر، وإليه ذهب الشافعى، لأن النبى صلى الله عليه وسلم ذبح الهدى عام الحديبية، لأنه أحصر فيها مع أنها خارجة عن الحرم، وحلق فحل فقيل هى من الحرم فى طرف منه، وهذا مذهب الأكثر، وقال أبو حنيفة: يقيم على إحرامه ويبعث بهديه إلى الحرم، ويواعد من يذبح هناك، ثم يحل فى ذلك الوقت، وهذا مثل ما ذكر الشيخ هودرحمه الله ، وحيث قال: وكلما حبسه أقام محرماً وبعث بهدى، فإذا نحر من يوم النحر حل من كل شئ إلا النساء والطيب، فإن احتاج إلى شئ قبل أن ينحر الهدى الذى بعث به مما لا يفعله المحرم من دواء فيه طيب وحلق رأس أو لبس ثوب، لا يلبسه المحرم، أو شئ لا يصلح للمحرم فعليه فدية طعام أو صدقة أو نسك. انتهى.
وقيل: إن ذلك إن كان محرماً بحج، وإن كان بعمرة ففى الحرم فى كل وقت، وليس التحلل لازماً للمحصر، بل إن شاء تحلل حين أحصر، وإن شاء بقى محرماً لعل المانع يزول فيقدر فى الكلام محذوف، أى فإن أحصرتم وتحللتم، أو فإن أحصرتم لما استيسر من الهدى إن تحللتم، أو فإن أحصرتم فإن تحللتم فما استيسر، ونحو ذلك مما مر فى تفسيره، والسين والتاء لتأكيد اليسر وزيادة الإجمال فيه، أى المواضع الثلاثة الهدِىّ بكسر الدال وتشديد الياء جمع هدية بالتشديد كمطية ومطى.
{ولاَ تَحْلقُوا رءُوسَكُم حتَّى يَبْلُغَ الهدْىُ مَحِلَّه}: أى حتى يبلغ بعلمكم بخبر، أو بمشاهدة من بعيد، أو بمواعدة لوقت معلوم، أو بمضى يوم النحر الهدى موضعه الذى ينحر فيه يوم النحر وهو الحرم كله، أو منى وهذا قول أبى حنيفة والشيخ هود، وعلى مذهب الجمهور يكون محله هو موضعه الذى أحصر فيه أهله فى الحل أو الحرم، وفى أى وقت، ويفرق على المساكين فالمعنى لا تحلقوا رءوسكم قبل أن تبلغوا موضعاً تحصرون فيه مع هديكم حلا أو حراماً، والاقتصار على الهدى دليل على أنه لا يلزم القضاء، لكن من لم يؤد ما لزمه من حج أو عمرة فعليه إذا أطاقها بعد ذلك أو الوصية بها. وقال أبو حنيفة: يجب القضاء، والصحيح أن محله الموضع الذى حصر فيه، وأنه يقضى من قابل. قال ابن عمر:
"خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم معتمرين، فحال كفار قريش دون البيت، فنحر رسول الله صلى الله عليه وسلم وحلق رأسه" ، أخرجه البخارى وذلك قبل الحرم، وقبل يوم النحر، وقضى من قابل، وذكروا عن عطاء أنه قال: كل هدى دخل الحرم ثم عطب فقد بلغ محله إلا هدى المتعة، فإنه لا بد له يهرق دماً يوم النحر، وقيل الخطاب فى قوله: {ولا تحلقوا رءوسكم} للأمة كلها لا للمحصرين فقط. والله أعلم.
وقد علمت أن المحل: اسم مكان ويجوز أن يكون اسم زمان، وقالوا قوله: {وَلاَ تَحلقُوا رءُوسَكُمْ حَتى يَبْلُغَ الهدْىُ محِلَّهُ}، ينفع من أوجاع الرأس - الصداع وغيره.
{فَمْن كانَ مِنْكُم مَريضاً}: مرضاً يحوجه إلى الحق.
{أوْ بِهِ}: أى فيه.
{أذىً}: مضرة.
{مِنْ رَأسِهِ}: كجرح أو قمل، وكذا غير رأسه مما يحوج إلى الحلق قياساً على الرأس، ولأن الرأس خص بالذكر لأنهُ سبب النزول فى كعب ابن عجرة، كما يأتى إن شاء الله، ومن رأسه بمعنى فى رأسه بدل بعض من قوله: {به} و {أذىً} مبتدأ خبره {به} والجملة اسمية معطوفة على الجملة الفعلية قبلها، على أن من موصولة، والفاء بعدها لشبه الشرطية، وإن جعلناها شرطية فيه خبر لكان محذوفة، وأذى اسم لمكان المحذوفة، أى: أو كان به أذى من رأسه، والجملة فعلية معطوفة على الفعلية قبلها، لأن الشرط فعلية والمعطوف على الشرط شرط إلا إن اغتفر فى الثانى هنا ما لم يغتفر فى الأول، فعطفت الجملة الإسمية على الفعلية الشرطية.
{فَفِديةٌ}: أى فعليه فدية، أو فالجواب فدية، ويقدر محذوف آخر كما مر، أى وحلق ففدية، أو إن حلق ففدية، أو ففدية إن حلق أو نحو ذلك مما مر.
{مِنْ صِيامٍ}: صيام ثلاثة أيام.
{أوْ صَدَقَةٍ}: التصدق على ستة مساكين مُدَّان لكل مسكين.
{أوْ نُسُكٍ}: تقرب إلى الله بأن يذبح للفقراء شاة، وهو مصدر، وقيل جمع نسكة، وقرأ الحسن بإسكان السين تخفيفاً، ومن لبيان الفدية أو للتخيير، خيره الله بين الثلاثة،
"روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لكعب بن عجرة: لعلك أذاك هوامك؟ فقال: نعم يا رسول الله. قال: احلق وصم ثلاثة أيام، أو تصدق بفرق على ستة مساكين أو انسك بشاة" رواه البخارى ومسلم بلفظ أبسط، هكذا "أتى علىَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أوقد تحت قدرى، والقمل يتناثر على وجهى، فقال: أيؤذيك هَوام رأسك؟ قال قلت: نعم. قال: فاحلق وصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين أو انسك نسيكة" لا أدرى بأى ذلك بدا. وفى رواية: فى نزلت هذه الآية: {فمَنْ كَانَ مِنكُم مَرِيضاً أوْ بِهِ أذىً من رأسِهِ فَفِدْية مِن صيامٍ أوْ صَدَقة أو نُسُك} وذكر نحو ذلك، فى رواية أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر به وهو بالحديبية قبل أن يدخل مكة وهو محرم، وذكر ذلك فى رواية "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما كنت أرى أن الوجع بلغ منك ما أرى، وما كنت أرى أن الجهد بلغ بك ما أرى، أتجد شاة؟ قال قلت: لا، قال: صُم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين صاع" ، فنزلت فىَّ خاصة، وهى عامة، وظاهر هذه الرواية أن الأخيرة أن الشاة مقدمة، لا يحل الصوم أو الإطعام إلا إن لم يجدها، فإما أن يكون كذلك، ثم نسخ بالآية، وإما أن يكون الأمر بالشاة إرشاداً له إلى ما هو أفضل، لأن الشاة أشد، وهذه الرواية تبين أن الفرق فى الرواية الأخرى هو ثلاثة أصوع، وهو بتفتح الفاء والراء، وتبين أن أدنى ما يكفيه من النسك شاة، وإن نسك بقرة فحسن، وإن نسك بدنة فأفضل، وألحق بمن حلق لعذر من حلق لغير عذر، فانه أولى بالكفارة من قياس الأعلى على الأدنى، وكذا من استمتع بغير الحلق كالطيب واللباس والدهن لعذر أو لغيره، وكل هدى أو إطعام لزم المحرم فلمساكين الحرم، إلا هدى المحرم، فإنه يذبحه حيث أحصر عند الأكثر.
وأما الصوم فإنه يصوم حيث شاء غير الثلاثة التى أمر الله أن تصام قبل الرجوع إلى الأهل، فقيل فى الحرم، وقيل أيضاً فى نسك المفتدى أنه يذبحه حيث شاء ويفرقه حيث شاء. وروى مجاهد قال: حدثنى عبد الرحمن بن أبى ليلى، عن كعب بن عجرة
"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر به عام الحديبية وهو محرم، وهو يوقد تحت قدر له، فنكس رأسه فإذا الهوام تجول فى رأسه وتنثر على وجهه ولحيته، فقال: أتؤذيك هو ام رأسك يا كعب؟ قال: نعم. فسكت النبى صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: احلق وصم ثلاثة أيام أو أطعم فرقا بين ستة أو اهد شاة" قال مجاهد: والفَرْق ثلاثة أصوع، صاع بين اثنين. وروى "أن كعباً مر وقد قرح رأسه، فقال له صلى الله عليه وسلم: كفى بهذا أذى وأمره أن يحلق ويطعم أو ينسك أو يصوم" .
{فَإذا أمِنْتُم}: زال عنكم الخوف من العدو، بأن ذهب أو لم يكن بعد أن كان الخوف منه، أو لم يكن هو ولا الخوف منه أصلا، فأمن هنا لازم. وكذا إن فسرنا الأمن بالوقوع فى حال الأمن والسعة، ويجوز أن يكون بمعنى فقدتم العدو، أو الإحصار وإذا فسرنا الإحصار بالمنع مطلقاً لا بخصوص منع العدو، وقدرنا الأمن من المنع مطلقاً كذلك على حد ما مر من بيان التعدى واللزوم، وعن ابن عباس أمنتم من العدو والمحصر، وقيل إذا برئتم من مرضكم.
{فَمَنْ تَمتَّع}: انتفع بمحظورات الإحرام، وهذا ظاهر، وبه قال ابن القاسم صاحب مالك.
{بالعُمْرَة}: أى بسببها، أى بسبب انتهائها أو الخروج منها.
{إلى الحَجّ}: أى إلى إنشاء الحج، وذلك أن يحرم بعمرة فى أشهر الحج، ويحتمل منها ويفعل كلما حل لمن لم يكن محرماً، ويدوم على ذلك إلى وقت الإحرام بالحج، ويحتمل أن يكون المعنى فمن انتفع بالتقرب بعمرته إلى رضى الله وصوابه، قاصداً بعد الإحلال منها إلى التقرب إليه بالحج، وإلى على الاحتمام الأول متعلقة بتمتع، وعلى الثانى بحال محذوفة جوازاً كما رأيت، ويحتمل الإعرابين قول بعضهم: التمتع إسقاط أحد السفرين، لأن حق العمرة أن يقصد بسفر، وحق الحج وكذلك، فلما تمتع بإسقاط أحدهما ألزمه الله هدياً قال ابن عباس: هو الرجل يقدم من أفق من الآفاق فى أشهر الحج، فقضى عمرته وقام بمكة حالا حتى إن شاء منها الحج فحج من عامه ذلك فيكون مستمتعاً بالإحلال من العمرة إلى إحرامه بالحج، ومقتضى هذا أن معنى {أمنتم} لم يكن فيكم الخوف من العدو بعد الإحرام أصلا، وقال ابن الزبير: فمن أحصر حتى فاته الحج ولم يتحلل، فقدم مكة فخرج من إحرامه بعمل عمرة فاستمتع بإحلاله ذلك من تلك العمرة إلى السنة المستقبلة، ثم حج فيكون متمتعاً بذلك الإحلال إلى إحرامه الثانى فى العام المقبل.
وقيل معناه إذا أمنتم وقد حللتم من إحرامكم بعد الإحصار ولم تعتمروا فى تلك السنة، ثم اعتمرتم فى السنة القابلة فى أشهر الحج فاستمتعتم بإحلالكم إلى الحج، ثم أحرمتم بالحج، وقيل هو الرجل يمضى إلى البيت حاجا وجعل حجته عمرة بعد الأمن، ثم حج من قابل، والهدى فى ذلك كله لازم كما ذكر فى الآية بعد، وفى الأثر: "وإن رجع إلى بلده أو قام مكانه وأقام على إحرامه وكف عن النساء والطيب ثم حج فليس عليه هدى" ووقت نحر هديه يوم النحر إذا كان حاجا، وإذا كان معتمرا وقت الذى يبعث بالهدى معه يشترى يوم كذا وكذا، وينحر كذا وكذا، فإذا جاوز الوقت حل له كل شئ إلا النساء والطيب حتى يطوف بالبيت، متى ما طاف فيقضى عمرته، ويستحب له أن ينتظر بعد اليوم الذى وقت أن ينحر فيه الهدى بيوم أو بيومين مخالفة ما يحدث.
{فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهدْىِ}: هو شاة أو ما فوقها من بدنة وبقرة، وقيل بدنة أو بقرة، وتقدم كلام فى ذلك، والذبح بعد الإحرام، والأفضل يوم النحر، وأجاز الشافعى قبلة بعدما أحرم بالحج لا قبل أن يحرم به، ومنع أبو حنيفة الذبح قبل يوم النحر، وكذلك اختلفوا فى الذبح من أجل الصيد والشجر، والصحيح جوازه قبل يوم النحر، والذى يظهر لى أنه لا يأكل منه ولا من ذبح التمتع ونحو ذلك من الدم اللازم، لأنه كفارة. وقال أبو حنيفة: يجوز الأكل من دم التمتع، ويراه نسكاً، ومرادى بالدم اللحم وبالأول قال الشافعى وجمهور الأمة على جواز العمرة لمن أقام بمكة، سواء كان من أهلها أو لم يكن فى أشهر الحج بلا دم يلزمه، وقال بعض: يلزمه وإن رجع المعتمر إلى بلده أو ما ساواه فى البعد فلا دم عليه، وقيل: لزمه الأول، قال مالك: ومن قدم الحج فلا دم عليه، وكذا من قرنهما أو أدخل أحدهما على الآخر، وإن أحرم بالعمرة قبل أشهر الحج وفرغ منها قبلهن فلا دم، وإن لم يفرغ حتى دخلن لزم عند بعض ولم يلزمه عند بعض، وإن لم يفرع حتى دخلن وأدخل عليها الحج فلا دم، وإن أحرم بعمرة ولم يحرم فى تلك السنة فلا دم، ولو أحرم بها فى أشهر الحج، ومن أحرم بها فيهن وفرغ منها ثم مضى إلى ميقات بلده وأحرم منه بالحج فلا دم عليه، وقيل لزمه وذكروا عن عطاء، عن جابر بن عبد الله أنه قال:
"قدمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صباح أربع مضين من ذى الحجة مهلين بالحج، فلما طفنا بالبيت، وصلينا الركعتين، وسعينا بين الصفا والمروة قال: قصروا فقصرنا، ثم قال أحلوا فقلنا: مما ذا نحل يا رسول الله؟ قال: حل لكم النساء والطيب. ثم قال فغشيت النساء وسطعت المجامر، وبلغه أن بعضهم يقول: ينطلق أحدنا إلى منى وذكره يقطر منياً فخطبهم، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: لو استقبلت من أمرى ما استدبرت ما سقت الهدى، ولو لم أشق الهدى لحللت، ألا فخذوا مناسككم" ، فلما كان يوم التروية أهللنا بالحج من البطحاء فكان الهدى على من وجد، والصيام على من لم يجد، وأشرك بينهم فى الهدى البعير عن سبعة، والبقرة عن سبعة، وكان عطاء يقول: كان طوافهم طوافاً واحداً، وسعيهم سعياً واحدا، لحجتهم ولعمرتهم، وهذا فى القارن.
{فَمَنْ لَم يَجِدْ}: هدياً لفقده ولفقد ثمنه.
{فَصِيامُ ثَلاثةِ أيَّامٍ فى الحجِّ: أى فعليه صيام ثلاثة أيام، أو قالوا وجب صيام ثلاثة أيام، ويقدر مضاف أى فى أيام الحج، وهى الأيام التى هو فيها محرم بالحج قبل التحلل منه، وهى اشتغال به، أو يقدر هكذا فى وقت الحج، أى وقت التلبس به، فقد بان لك أن الحج مصدر ناب عن اسم الزمان، والمعنى فى ذلك واحد، وقال أبو حنيفة: يصوم بعد التحلل من العمرة وقيل الإحرام بالحج، وذلك فى أشهر الحج، فيقدر مضاف هكذا فى أشهر الحج وفى أيام الحج، أو فى وقت الحج، أو فى زمان الحج، أو نحو ذلك، والمراد الحين الذى يصبح أن يحرم في بالحج، وجمهور العلماء على أنه يصوم يوماً قبل التروية ويوم عرفة، وما ثبت من أنه يستحب صيام يوم عرفة لغير الحاج لا للحج، لئلا يضعف عن الوقوف والدعاء، إنما هو فى صومه نفلا لا فى صومه للتمتع مع اليومين قبله، وقد روى عن على ذلك أنه يصوم يوماً قبل يوم التروية، ويوم التروية، ويوم عرفة، وهن سابع ذى الحجة وثامنة وتاسعة، فثبت أن العلماء من يختار صومه للتمتع، ولكن اختار بعض ألا يصومه المتمتع، وأن يصوم ثلاثة قبله متصلة به أو متصلة عنه لئلا يضعف عن الوقوف والدعاء، فإن كان لا يضعف عنها ندب قصده بالصوم، وإن لم يصم قبل يوم النحر فقيل يصوم التشريق، وهو قول مالك وأحمد والشافعى فى أحد قوليه، وقيل لا يصوم أيام التشريق، بل يصوم ثلاثة بعدهن، وهو رواية عن أحمد، وقول آخر عن الشافعى وهو أصح قوليه نسب لأكثر علماء الأمة: أنه لا يجوز صوم أيام التشريق والعيدين للتمتع ولا لغيره إلا قضاء رمضان، وما كان الصوم قبل، وعارضه يوم النحر فانه يصوم التشريق، فلو صام للتمتع مثلا قبل النحر يوماً أو يومين زاد الباقى بعده، وكره بعضهم الصوم فى أيام التشريق، ولا يصام يوم العيد وإن صيم لم ينعقد، وقيل ينعقد، فقيل: يجزى وقيل لا يجزى، وقيل: إذا لم يصم الثلاثة قبل النحر لم تجزه بعده، ولكن يلزمه الهدى ولا يجزيه الصوم بعد، واختار الشافعى الصوم قبل يوم عرفة، لأن الأجر فيه للجاح الإفطار.
{وسَبْعةٍ إذا رجعتم}: إلى أوطانكم مكة وغيرها، هذا قول ابن عباس وبه قال الشافعى، فلو صام قبل الرجوع إلى وطنه لم يجزه عندى، فانما يصوم فى طريقه راجعاً، وإن صام بعد وصول وطنه فقضاء لا أداء، وإن صام بعضاً فى الطريق وبعضاً فى وطنه فما صام فى الطريق أداء، وما صام فى وطنه قضاء. وقيل: المعنى إذا رجعتم من عمل الحج، أى فرغتم منه، فإذا فرغ منه صام خارج مكة أو فى مكة أو فى الطريق، وهو قول أبى حنيفة وقول آخر للشافعى وهو قول عمر ومجاهد إذ قال: إذا رجعتم من منى، وقال قتادة والربيع: هذه رخصة من الله جل وعلا، وإن المعنى إذا رجعتم إلى وطنكم ووصلتموه، وعن مجاهد إن شاء صامها فى الطريق يعنى، وإن شاء صامها قبل ذلك، ومن وصل وطنه ولم يصمها، أو صام ولم يفرغ من الصوم حتى وصله فقيل لزمه دم، وقيل: لا. وهذان القولان قول من قالوا يصوم فى الطريق، أو قالوا يصومه فيه أو قبله، ومن قال يصوم بعد الفراغ من الحج فقيل على الفور، فإن أخر يوماً وهو قادر فقد أساء، وقيل على التراخى ما لم يصل وطنه، وإن وصله فدم، وحيث لزمه دم بوصول وطنه على القولين بلزوم الدم، فقيل يقضيها وقيل لا قضاء، وإنما لزمه الدم، وإن صام بعد الثلاثة التى تصام قيل يوم النحر صام الباقى بعد يوم النحر متصلا، وصام السبعة، ولا يلزم اتصار الثلاثة بالسبعة إذا بقى بعض الثلاثة إلى ما بعد يوم النحر، ولزم تتابع الثلاثة فيما بينهما، إلا أن فصل مانع كعيد أو حيض أو نفاس، والسبعة فيما بينهم إلا لمانع، ومن أوجب صوم السبعة على الفور أوجب وصلها بالباقى من الثلاثة إلى ما بعد يوم النحر إلا لمانع، وإن لم يصم الثلاثة ولا بعضها قبل يوم النحر فلا يجزيه صومها، ويصوم السبعة بعد لزومه الهدى.
أتى رجل عمر بن الخطاب رضى الله عنه يوم النحر فقال: يا أمير المؤمنين إنى تمتعت ولم أجد الهدى ولم أصم. فقال: سل فى قومك، ثم قال: يا فلان أعطه شاة. ويفيدنا هذا أنه يجوز لمن عليه دين من ديون الله أن يسأل من يعطيه صدقة أو زكاة أو حقا من الحقوق ليؤدى ما لزمه، ودين الخلق أولى بذلك، ويجوز سؤال غير قومه، وإنما أمره بسؤال قومه، لأنهم أرأف به. وعن سعيد بن جبير: أنه يبيع ثيابه ويهرق دما. وقرأ ابن أبى عبلة: (وسبعة) بالنصب عطفاً على محل ثلاثة، لأن محله نصب على الظرفية لصيام، أو المفعولية له، ولكن أضيف إليه صيام إضافة المصدر لظرفه أو لمفعوله، فجر لفظه وتقديره نصب، ويجوز كونه مفعولا أو ظرفاً لمحذوف، أى وصوموا سبعة إذا رجعتم، والجمع فى رجعتم لمراعاة لمعنى من، والخطاب التفات من الغيبة، فإن من للغيبة ويجد مراعاة للفظها فى الإفراد وطبق لغيبتها.
{تِلْكَ}: الأيام المذكورة والسبعة.
{عَشَرةٌ كاملة}: فى العدد لم تزد ولم تنقص، فكاملة تأكيد لعشرة وجملة: تلك عشرة تأكيد للثلاثة والسبعة، قال الفرزدق:

ثلاثة واثنتان فهن خمس وسادسة تميل إلى سهام

ففى لك زيادة توصية بصيام الثلاثة والسبعة، وألا يتهاون بها ولا ينقص منها، ولا يزاد فيها على نية الوجوب معها، بل من شاء زيادة فلينو نفلا على حدة، والأولى أن يفصله، ومن عادة العرب التأكيد بالتكرير، كقوله الله الله لا تقصر فى فرائض الله، وقولك الله الله لا تتبع الهوى، وفى ذكر هذه الجملة دعاء إلى علم العدد جملة بعد علمه تفصلا، تقول العرب: علمان خير من علم وأكثر العرب لا تعرف الحساب، فضم لها الثلاثة والسبعة باسم واحد، وأيضاً فى الجملة نفى ما قد يتوهم من أن الواو فى قوله: {وسبعة} للتخيير من أن التمتع لزمه، وإما أن يصوم ثلاثة فى الحج، وإما سبعة إذا رجع، وهذا أولى من أن يقال نفى لما قد يتوهم من الإباحة، إذ لا يتوهم أن الواجب أحدهما، وأنه يجوز الجمع بينهما، على أن كلا واجب قال ابن هشام: تكون الواو بمعنى أو فى الإباحة، قاله الزمخشرى، وزعم أنه يقول: جالس الحسن وابن سيرين، أى أحدهما، وأنه لهذا قيل تلك عشرة كاملة لئلا يتوهم إرادة الإباحة، والمعروف من كلام النحويين، أنه لو قيل جالس الحسن وابن سيرين، كان أمراً بمجالسة كل منهما، وجعلوا ذلك فرقاً بين العطف بالواو والعطف بأو، وتكون الواو أيضاً بمعنى أو فى التخيير، قال أبو شامة: وزعم بعضهم أن الواو تأتى للتخيير مجازاً. انتهى كلام ابن هشام بتصرف وإسقاط، وقال: زعم ابن مالك أن أو التى للإباحة حالة محل الواو، وهو مردود، لأنه لو قيل جالس الحسن وابن سيرين كان المأمور به مجالستهما ولم يخرج المأمور عن العهد بمجالسة أحدهما، هذا هو المعروف من كلام النحويين، ولكن ذكر الزمخشرى عند الكلام على قوله تعالى: {عشرة كاملة} أن الواو تأتى للإباحة نحو جالس الحسن وابن سيرين، وإنما جاء بالفذلكة رفعاً لتوهم إرادة الإباحة فى: {فصيامُ ثلاثة أيّام فى الحجِّ وسبعةٍ إذا رجعتُم} وقلده فى ذلك صاحب الإيضاح البيانى، ولا تعرف هذه المقالة لنحوى: انتهى كلام ابن هشام. وأراد بصاحب الإيضاح البيانى الخطيب القزوينى احترازاً من صاحب الإيضاح النحوى وهو الفارسى، ورد قوله: ولم يخرج المأمور إلخ بأن الأمر للإباحة فلا عهدة فيه، وأجيب بأن المراد بقوله: كان المأمور به مجالستهما معاً أن الواو لمطلق الجمع للإباحة، والأمر كالإلزام مجالسة كل منهما، والفذلكة الإجمال بعد التفصيل، وهى تحث من قولك فذلك، وليست مختصة بأن يقال فذلك بل هى اسم لكل إجمال بعد تفصيل، بلفظ قولك فذلك أو فتلك أو تلك أو ذلك أو المجموع أو نحو ذلك، ولا يختص بالفاء ولكن سمى ذلك فذلكة لأن الغالب أن يقول فذلك، ورد الدمامينى قوله ولا تعرف هذه المقالة لنحوى، بأن الفارسى نص فى شرح كتاب سيبويه على أن الواو تأتى للإباحة، قال كرجل أنكر على ولده مجالسة أهل الريب والزيغ، فقا دع مجالسة هؤلاء وجالس الفقهاء والقراء وأهل الحديث، فذلك كله بمعنى.
وقد رجع ابن هشام عن هذا فنص فى حواشى التسهيل على أن الواو تأتى للإباحة، وأنه لو قيل: جالس الحسن وابن سيرين فللمخاطب أربعة أحوال: تركهما وفعلهما، وترك الأول دون الثانى، وعكسه. وأقول ولعل الواو تستعمل فى مقام الإباحة أو التخيير، وليست تفيد أحدهما، بل يفيدهما المقام، كأنه قال جالس هذا وإن شئت فجالس ذاك، كما أشار إليه ابن هشام فى التخيير عن محققى شراح الشاطبية، ويحتمل أن يكون قوله تعالى: {تلك عشرة} دفعا لما قد يتوهم أن قوله: {سبعة} كناية عن كثرة العدد، لأنها تستعمل بمعنى العدد الكثير كعشرة وأحد عشر وما فوق ذلك، وتستعمل بمعنى ما زاد على الستة بواحد، وفى هذا أيضاً زيادة محافظة عن تعيين العدد بحيث لا يزاد فيه ولا ينقص عنه، ويجوز أن تزاد تلك الاحتمالات كلها، ويجوز أن تكون تلك عشرة كاملة إخبار بمعنى الأمر، أى أكملوا عشرة، وقال الحسن: المعنى كاملة الثواب، ويجوز أن يكون المعنى كاملة البدلية الهدى تامة فى قيامها مقام الهدى من حيث الثواب، أو من حيث إنها كفارة مثله، فجئ به دفعاً لما يظن ظان أن الثلاثة قامت مقام الهدى وحدها، ويجوز أن يكون المعنى بيان كمال العشرة، لأنها أول عدد كامل إذ بها تنتهى الآحاد.
{ذلِكَ}: المذكور من لزوم الهدى لمن وجده والصوم لمن لم يجده.
{لمَن لَّمْ يَكُن أهْلُهُ حَاضِرى المسْجِدِ الحَرامِ}: أى ذلك حكم ثابت، أو ذلك ثابت لمن لم يكن أهله من أهل مكة وما يليها، وهم الحاضرون للمسجد الحرام، أى قريبون إليه، وحاضرى جمع مذكر سالم محذوف النون للإضافة، والياء لالتقاء الساكنين نطقاً، وثبتت فى الكتابة فى الإمام، والذى كان أهله حاضرى المسجد الحرام هو مَنْ وطنه قريب من المسجد الحرام، بأن كان فى مكة أو فى قريب منها، وعن عطاء قيل: ما لا تقصر فيه الصلاة، فهو من حاضرى المسجد الحرام، وما تقصر فيه فليس من حاضريه، فليزمه ما يلزم المتمتع، وقيل: من كان بينه وبين مكة ليلة فهو من حاضرى المسجد الحرام. وقال الشافعى: من لم يكن على مرحلتين من الحرم فهو من حاضريه لازم عليه ولا صيام، وإن تمتع، وقيل عنه: من كان على مسافة القصر فليس من حاضريه، وإن كان على أقل فمن حاضريه وقيل: من وراء الميقات فليس من حاضريه، ومن كان فى الميقات أو دونه فمن حاضريه، وهو قول أبى حنيفة، وقيل: من كان دونه فمن حاضر المسجد ومن كان فيه أو خلفه فليس من حاضريه. وقال مالك: من كان من أهل مكة فهو من حاضريه، ومن لم يكن منهم فليس من حاضريه، ولو كان وطنه فى الحرم. وقال ابن عباس ومجاهد وطاووس: من كان مسكنهُ داخل الحرم فهو من حاضريه، ومن كان وراءه فليس من حاضريه، وقال ابن جريج: من كان من أهل عرفة والرجيع أو صبحان أو نخلة فمن حاضريه، ومن كان وراء ذلك فليس من حاضريه، وقيل: من لزمته الجمعة فى مكة فمن حاضريه ومن لم تلزمه فليس منهم، قيل: الحاضرة فى هذا القول ضد البداوة، ولا يختص بهذا القول، بل يكون أيضاً فى قول التقصير، والمذهب عندنا أن حاضر المسجد الحرام من كان دون الفرسخين منه، أو من مكة، أو من كان داخل الحرم، أقوال ثلاثة فى المذهب، وقال أبو حنيفة: الإشارة فى قوله عز وجل: {ذلك لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام}، عائدة إلى التمتع، فيكون المعنى إن التمتع مباح لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام، وكان يقول التمتع والقران لغير حاضرى المسجد الحرام، يقول: إن تمتع أو أقرن حاضره لزمه دم جنابة، ويدل له ما ذكروا عن عطاء عن ابن عباس: يا أهل مكة ليس لكم متعة، فإن كنتم فاعلين لا محالة فاجعلوا بينكم وبين مكة وادياً، أى ليس لكم أن تحرموا بعمرة فى أشهر الحج وحدها، وتحلوا منها، وظاهره أن لهم القران، واختلفوا فى القارن من أول الأمر أو أدخل حجاً على عمرة، أو عكس من أهل مكة ومن سائر الآفاق أن يلزمه ما يلزم المتمتع الصحيح أنه لا يلزمه، وقيل: حاضر المسجد الحرام دون سائر أهل الآفاق. زعم بعض أن القارن ملحق بالمتمتع فى سنة، واختلفوا فيمن قام بمكة قبل أشهر الحج ولم يستوطنها، فقيل هو كمستوطنها، وقيل لا، ويدل على أن الإشارة للمتمتع كما هو مذهبنا، ومذهب الجمهور ما أخرجه البخارى فى صحيحه ومسلم فى غير صحيحه
"من حديث عكرمة يسأل ابن عباس عن متعة الحج فقال: أهلَّ المهاجرون والأنصار وأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حجة الوداع، وأهللنا، فلما قدمنا مكة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدى فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة فلبسنا الثياب، وقال: من قلد الهدى فإنهُ لا يحل من شئ حتى يبلغ الهدى محله. ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج، فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة، وقد تم حجنا، وعلينا الهدى" كما قال الله تعالى: {فما استَيْسرَ منَ الهدْى فمن لم يجد فصيامُ ثلاثة أيام فى الحج وسبعة إذا رجعتم} إلى أمصاركم، والشاة تجزى، فجمعوا بين النسكين بين الحج والعمرة، فإن الله أنزله فى كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وأباحه للناس غير أهل مكة، قال الله تعالى: {ذلك لمنْ لم يَكُن أهلُه حاضِرى المسجدِ الحرام} قال الحميدى: قال أبو مسعود الدمشقى: هذا حديث عزيز لم أجده إلا عند مسلم بن الحجاج، ولم يخرجه فى صحيحه من أجل عكرمة فإنه لم يرو عنه فى صحيحه، وعندى أن البخارى إنما أخذه من مسلم، قلت: حفظت أن مسلما هو الذى أخذ علم الحديث عن البخارى، فالأنسب أن مسلماً هو الذى أخذ هذا الحديث عنه البخارى.
{واتَّقُوا الله}: فى كل ما أمر به أو نهى عنه، ولا سيما الحج، أى خافوه إجلالا، أو خافوا عقابه، وخوف عقاب.
{واعْلَمُوا أنَّ اللّهَ شَدِيدُ العِقابِ}: على من لم يمتثل أمره ولم ينته عما نهى لتصلوا بعلم ذلك إلى الامتثال والانتهاء.