التفاسير

< >
عرض

ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَٰشاً وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
٢٢
-البقرة

هميان الزاد إلى دار المعاد

{الَّذِى جَعَلَ لَكُمْ الأرْضَ فِراشاً}: صفة ثانية لربكم أو منصوب بمحذوف أى امدح الذى، أو خير لمحذوف أى هو الذى، أو مبتدأ خبره فلا تجعلوا لله، والرابط هو لفظ الجلالة، وضعاً للظاهر وموضع المضمر، وإنما ساغ ذلك الإخبار مع اختلاف زمان الجعل الأول، والثانى مضياً واستقبالا، لأن الأول باق أثره إلى زمان الثانى، أو لأن القول مقدر فمقول فيه: لا تجعلوا لله أنداداً، وعلى هذا الوجه يجوز نصبه على الاشتغال أرجح من الابتداء، والجعل هنا بمعنى التصيير بالفعل، وقد يكون تصييراً بالقول أو بالاعتقاد، ويجوز كونه بمعنى الخلق وعليه: ففراشاً حال من الأرض مقدرة، ومعنى جعلها فراشاً جعلها كالفراش فى التوسط بين الصلابة واللطافة، وفى البسط، حتى صارت مهيأة أن يناموا أو يقعدوا عليها كالفراش المبسوط، فلو جعلها صلبة كالحجر لعسر النوم عليها والقعود، ولو جعلها لطيفة كالماء لم يمكن النوم والقعود على سطحها، ولا دليل فى كونها كالفراش على كونها غير كرية الشكل، لأن الجسم الكبير يتراءى بسيطاً ولو كان كرياً، فالبيضة على دورها تظهر بسيطة لما صغر جداً كالقملة، وتتبين كرية الشكل وبسيطة بالرؤية والحس.
{وَالسَّمَآءَ بِنَآءً}: معطوفان على قوله الأرض فراشاً عطف معمولين على معمول واحد، وكأنهما جملة اسمية معطوفة على الأخرى غير أنهما تسلطا عليهما معنى الجعل واكتسى لفظهما بالإعراب الذى اقتضاه، ولذلك كان عاطفهما وعاطف ما أشبههما حرفاً واحداً وأيضاً أصلهما هنا مبتدأ وخبر والمبتدأ والخبر جملة يعطفها حرف واحد، وليس كل معمولين معطوفين كذلك، فإذا لم يكونا كذلك كما إذا جعلنا الثانى حالا، وكقولك ضرب زيد عمراً وبكر خالداً، فلما ساغ العطف بواحد لأنه فى التحقيق داخل على العامل أى وجعل السماء بناء، وضرب بكر خالداً، والسماء اسم للسماء الواحدة لا يدل على اثنين فصاعداً، إلا من جهة أل إذا قصدت الدالالة بها على ذلك، فهو اسم جنس يقع على الواحدة وما فوقها من جهة أل كالدينار والدرهم، وقيل هو جمع سماءة، والبناء اسم لما بنى بيتاً أو قبة أو خباء، يقال بنى على امرأته وابتنى بها، كناية عن الدخول عليها بالجماع الأول، لأنهم إذا أرادوا ذلك ضربوا عليها بناء من جلد أو كتان أو غير ذلك، وأصل البناء مصدر، بمعنى وضع البيت أو القبة أو الخباء أو نحوهن وتركيبه، فهو من التسمية بالمصدر كالنبات يطلق على خروج الشجر من الأرض، وعلى نفس الشجر، وفى الآية تلويح بأن الله - جل وعلا - لعظم فضله ورحمته جعل الإنسان كالعروس وكذا المرأة، وإن شئت فقل كالملك بكسر اللام فى بيت مفروش معد فيه ما يحتاج إليه، فالسماء كالسقف والأرض كالبساط والنجوم كالمصابيح، وفيه أصناف النبات والثمرات، وفيه الحيوانات والماء، وهذه المنافع عمت الناس فيجب على كل مكلف منهم شكرها، فأفقر الفقراء قد وصلته منافع الدواب، سواء تملكها أو لم يتملكها.
وذكروا عن الحسن
"أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال يوماً لأصحابه ما هذه أو قال ما هذا: يعنى السماء فقالوا السماء، قال: هذا الرقيع موج مكفوف غلظها خمسمائة عام، وغلظ كل سماء خمسمائة عام، وبين كل سماء وسماء خمسمائة عام، وبين السابعة ألف مائة عام، وغلظ كل أرض خمسمائة عام، وبين الأرض والسماء خمسمائة عام، وبين كل أرض وأرض خمسمائة عام" . وعنه صلى الله عليه وسلم: "إنى أراكم تجزعون من حر الشمس وبينكم وبينها مسيرة خمسمائة عام، فوالذى نفسى بيده لو أن بابا من أبواب جهنم فتح بالمشرق ورجل بالمغرب لغلى منه دماغه حتى يسيل من منخرية" خاطبهم بذلك فى مسير له فى يوم شديد الحر إذا نزل منزلا فرأى رجلا ينتعل ثوبه من شدة حر الأرض، وفى هذا الحديث دليل على كون الشمس فى هذه السماء الدنيا لا فى الرابعة كما شهر.
{وأنزل من السماء ماء}: المطر وهو إما من السماء أحد السماوات السبع، أو المراد بالسماء السحاب، سمى سماء لأنه علا فأظل، أو لأنه من جهة السماء كما هو ظاهر قول تعالى:
{ أو كصيب من السماء } }، { { وأنزلنا من السماء ماء } } { { أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع فى الأرض } }. قال خالد بن مقدان: المطر ماء من تحت العرش فينزل من سماء إلى سماء حتى يجتمع فى سماء الدنيا، فتجىء السحاب السود فتدخله فتشربه مثل شرب الإسفنجة فيسوقها حيث يشاء، وعلى كل حال، من: للابتداء فإن المطر يبتدئ من الجنة أو السماء إلى السحاب، ومن السحاب إلى الأرض وكذا إذا قلنا إنه من أسباب سماوية تثير الأجزاء الرطبة من أعماق الأرض إلى جو الهواء، فينعقد سحاباً ماطراً.
{فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَّكُمْ}: الفاء تدل على أنه ليس بين الإنزال والإخراج إلا مدة القلة، وعلى السببية فهى للترتيب، وترتيب كل شىء بحسبه أو المراد وخصت مدة فأخرج به، أو أراد بإخراج الثمرات خلق مادتها وأصلها فى الشجرة، وجملة أخرج معطوفة على جملة أنزل، وجملة أنزل معطوفة على جملة جعل، والله - جل وعلا - قادر على إخراج الثمار بلا ماء وعلى إيجادها بلا شجر ولا أرض، وعلى خلق الحيوان بلا نطفة وعلى إيجاده بلا أم ولا أب ولا من الأرض ولا غيرها، وكذا سائر مخلوقاته التى يخلق بأسباب ومواد، هو سبحانه قادر على أن يخلقها بلا سبب ولا مادة، ويدل على قدرته أنه خلق الأسباب والمواد بلا سبب ولا مادة، وما خلق منها بسبب ومادة فقد انتهى إلى ما ليس بسبب ولا مادة، وإلا لزم التسلسل والدور، ولكن فى خلق الأشياء بأسباب ومواد برهان محسوس مشاهد لا يمكن إنكاره ولطف بخلقه بأن يقبل المعرض، وينتبه الغافل، ويتبصر الأعمى. إذا شاهدوا تدريج الشىء من حال إلى حال، وتولد شىء من شىء تدريجياً، تولداً يستحيل فى عقولهم أن يكون بالذات بلا فاعل، وأن يكون بصنع مخلوق، فلو خلق الأشياء بلا سبب ومادة ولا تولد ولا تدرج لم يكن فى خلقها من العبر والسكون إلى قدرته العظيمة ما فى خلقها الأشياء بسبب ومادة وتولد وتدريج، وذلك حكمة. وجعل الماء الممزوج بالتراب والتراب الممزوج بالماء سبباً فى إخراج الثمرات، ومادة لها بأن أفاض صورة الثمار وكيفيتها على المادة الممتزجة من الماء والتراب، أو أبدع فى التراب قوة فاعلة وفى الأرض قوة قابلة يتولد من اجتماعهما أنواع الثمر، ونعتقد فى ذلك كله أنه لا خالق إلا الله، فكل من القوة التى فى الماء وفعلها والقوة التى فى الأرض وقبولها مخلوق الله تبارك وتعالى، ومن فى قوله: {من الثمرات} للتبعيض لقوله:
{ فأخرجنا به ثمرات } فإن ثمرات بالتنكير جملة من الثمرات بالتعريف، كما أن رجالا جماعة من الرجال فالثمرات بأل كل، فإنما يفيد بالتبعيض بواسطة من، ويدل على كونها للتبعيض أيضاً توسطه بين المنكرين: ماء ورزق، المراد بهما بعض الماء وبعض الرزق، إذ لا شك أنه لم ينزل من السماء الماء كله، ولا أخرج بالمطر الثمرات كلها، ولا جعل كل الرزق ثمرات، وليس الماء كله يخرج بعض الثمرات فقط، فكأنه قيل فأخرج به بعض الثمرات ليكون بعض رزقكم، ويجوز أن تكون من للتبيين ومفعول أخرج هو من التبعيضية على القول باسميتها ومحذف نابت عنه هى ومجرورها على القول بحرفيتها وهو الصحيح، فأخرج به شيئاً ثابتاً من الثمرات، ورزقاً بمعنى المصدر مفعول لأجله، أو بمعنى مفعول أى مرزوق بدل من المفعول الذى هو من أو محذوف أو رزقا بمعنى مرزوق، ومفعول به لأخرج ومن الثمرات حال من رزقا، ولكم نعت لرزقا على أنه بمعنى مرزوق أو مفعول به لرزقا على أنه بمعنى المصدر قوى باللام كأنه ليس رزقا إياكم ولا مانع من كونه نعتا لرزق بمعنى المصدر، ويجوز تعليق لكم بأخرج، ويجوز كون رزقا مفعولا من أجله لأنزل وهو أعم، لأن المعنى وأنزل من السماء ماء ليكون منه الرزق، وهو يشمل المأكول والمشروب وغيرهما كالملبوس، والثمرات جمع قلة، لأنه جمع بألف وتاء، وإنما ساغ جمع القلة هنا والمقام مقام كثرة، لأن اللفظ ولو كان لفظ قلة لكن المراد الكثرة لأن الثمرات جمع الثمرة، والثمرة بالإفراد مراد به ثمار كثيرة، إما لأجل أل أو من تسميتهم الثمار المتلاحقة الكثيرة ثمرة، كما يقال أدركت ثمرة بستانه فكل مفرد من أفراد الجمع الذى هو قوله الثمرات هو ثمار، فالثمرات بهذا القصد أدل على الكثرة من الثمار الذى هو جمع كثرة، ويدل لذلك قراءة محمد بن السميدع: من الثمرة، بالإفراد، لأن المراد بها الجماعة لا الواحدة، أو استعمل جمع القلة فى الكثرة كقوله تعالى: { كم تركوا من جنات وعيون } بدليل كم التكثيرية كما عكس فى قوله: { ثلاثة قروء } بدليل لفظ العدد لا أصله أن يضاف لجمع القلة هكذا حكم ثلاثة وعشرة وما بينهما، أو نفاذ الكثرة من أل فتكون أل جائزة لجمع القلة ملحقة له بجمع الكثرة، وأجاز القاضى أن يلوح بالآية زيادة على ظاهرها إلى معنى باطن، وهو تمثيل البدن بالأرض والنفس بالسماء والعقل بالماء، وما أفاض عليه من الفضائل العملية والنظرية المحصلة بواسطة استعمال العقل للحواس، وازدواج القوى النفسانية والبدنية بالثمرات المتولدة من ازدواج القوى السماوية الفاعلة، والأرض المنفعلية بقدرة الفاعل المختار، فإن لكل آية ظهراً وباطنا، ولكل حد مطلعاً. انتهى.
وقوله بقدرة الفاعل المختار عائد إلى قوله الفاعلة والمنفعلة تنازعاه، وقوله فإن لكل.. إلخ هو حديث رواه الحسن مرسلا وظهر الآية ما ظهر لأهل العلم بالظاهر وباطنها ما تضمنه من الأسرار التى أطلع الله عليها أرباب الحقائق، وقيل ظاهرها تلاوتها وباطنها فهمها والحد أحكام الحلال والحرام، والمطلع الإشراف على معرفتها.
{فَلاَ تَجْعَلُوا للَّهِ أَنْدَاداً}: متصل فى المعنى بقوله:
{ اعبدوا ربكم } إما على أن لا حرف نهى وتجعلوا مجزوم، والجملة معطوفة على جملة اعبدوا، عطف نهى على أمر، وكلاهما غير إخبار، وإما على أن لا نافية وتجعلوا منصوباً بأن مضمرة وجوباً، فى جواب الأمر والمصدر معطوفة بالفاء مصدر مقدر من اعبدوا، أى لتكن منكم عبادة ربكم فعدم جعلكم لله أنداداً، أو متصل فى المعنى بقوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، على أن لا نافية وتجعلوا منصوب كذلك على جواب الترجى، لأن الترجى فى عدم القطع مثل الأمر والنهى ونحوهما، مما ينصب المضارع فى جوابه أى لعلكم يكون منكم الاتقاء وعدم جعل الأنداد لله، وقد تقدم جواز اتصال ذلك فى المعنى بقوله: {الذى جعل} بأن يكون الذى مبتدأ ولا تجعلوا خبراً ولا ناهية، أو الذى منصوب على الاشتغال وتجعلوا مشغول والفاء فى الخبر أو المشغول لتضمن المبتدأ أو المنصوب على الاشتغال معنى أو شرط ففيها تلويح بالسببية، ومن منع الإخبار بالأمر والنهى يقدر القول أى مقول فيه لا تجعلوا، والمعنى على اتصال ذلك بالذى جعل على أوجهه أن من هدى إليكم هذه النعم العظام والآيات الجسام ينبغى أن تزدجروا وتنتهوا عن إشراك الأنداد به، والنداء: المثل الذى يعادى ويقاوم. قال جرير:

أتيما تجعلون إلى ندا وما تيم لذى حسب نديدى

وإلى فى البيت بمعنى اللام متعلق بتجعل أو هى على أصلها على تضمين تجعل معنى تضم متعلق بتجعل أو حال من تيما أو ندا أى مضموماً إلى، والنديد والند بمعنى واحد، وهما مأخوذان من ندندوداً أى نفر نفورا.
ومنه حديث الإيضاح: ما ند لكم فاصنعوا به هكذا، وناددت الرجل خالفته قيل: خص بالمخالف المماثل فى الذات، كما خص المساوى بالمماثل فى القدر، وذكر بعضهم أن الند المشارك فى الجوهر، وأن المثل يقال فى أى مشاركة كانت، فكل ند مثل ولا عكس، وتفسير الشيخ هودرحمه الله بالعدل تفسير بالمقاوم، وقد فسره بعضهم بالمقاوم والمضاهى، أو تفسير الشيخ هو تفسير بالمساوى يقال: هذا عدل ذاك أى مقابله وموازنه، ويقال عدله أى مساويه، وعبارته يعنى أعدالا أى لا تعدلونهم بالله تعبدونهم. انتهى.
وفسره بعض بالمثل كأنهما مترادفان، وأما تفسيره بالشريك بالعبادة ففيه ميل إلى التفسير بالمعنى المقصود فى الآية. وإن قلت لم سمى الله ما يعبده المشركون أنداداً مع أن الند هو المساوى فى الذات والصفات المخالف فى الفعل، وهم لم يزعموا أن معبوداتهم تساوى الله فى الذات والصفات، ولم يزعموا أنها تخالفه فى الفعل؟.. قلت: لأنهم تركوا عبادة الله وعبدوها، وسموها آلهة فشابهت حالهم حال من يعتقد أنها تساوى الله فى الذات والصفات، كوجود الوجود والقدرة، فكأنهم قالوا تدفع عنهم ما قدر الله عليهم من بأس، وتعطيهم ما منعهم الله من خير، ففى ذلك استعارة تمثيلية مقصود فيها التهكم لا تهكمية، هى استعارة أحد الضدين للآخر. ووجه التهكم ما شنع عليهم به، من أنهم جعلوا أنداداً متعددة لمن يمتنع أن يكون له ند، حتى نهاهم عنها وعليهم كيف تتخذونها وأنتم تعلمون. قال زيد بن عمرو بن نفيل، وهو موحد جاهلى، له ذكر فى مسند الربيع بن حبيبرحمه الله :

أرب واحد أم ألف رب أدين إذا تقسمت الأمور
تركت اللات والعزى جميعاً كذلك يفعل الرجل البصير
ألم تعلم بأن الله أفنى رجالا كان شأنهم الفجور
وأبقى آخرين ببر قوم فيربو منهم الطفل الصغير

فارق دين قومه ووجد الله - جل وعلا - ومعنى أدين: أطيع وأنقاد له، وشأنهم بالنصب خبر كان والفجور اسمها وشأنهم فعل ومفعول، والفجور فاعل أو الجملة خبر كان واسمها ضمير الشان، وبر قوم بكسر الباء: إحسان القوم، وهو ضد الفجور، ويربو ينمو ويزيد، والخطاب فى الآية للمشركين الذى يعلمون أن الخالق الرازق هو الله كما علمت، فالمراد بالعلم فى قوله تبارك وتعالى: {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} العلم الخاص وهو العلم بأن الله تعالى خلق الخلق، وأنزل الماء، وأخرج الرزق. وقيل الخطاب لكفار بنى إسرائيل، أى وأنتم تعلمون من الكتب التى عندكم أن الله سبحانه لا ند له. وقال ابن فورك: يحتمل أن تناول الآية المؤمنين الجمهور على الأول. أى وأنتم تعلمون أن الله هو الخالق الرازق لا غيره، ولا يكون إله إلا من يخلق ويزرق، لو تعلمون أن تلك المعبودات لا تماثله ولا تقدر على مثل ما يفعله، كقوله تعالى: { هل من خالق غير الله } }؟ { { وما من دابة فى الأرض إلا على الله رزقها } }، { { هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شىء } ولك ألا تقدر ليعلم مفعولا بأن تنزله منزلة اللازم، ولا تستحضر متعلق العلم فى قلبك، ولا تستشعر أنه كذا ولا كذا، كأنه قيل: وأنتم أهل للعلم والنظر والرأى، ولو تأملتم أدنى تأمل لاضطر عقلكم إلى العمل، بمقتضى أنه الخالق الرازق، ومقتضى ذلك هو ألا تعبدوا سواه، وإذا قدرت المفعول، فالمقصود التهديد على فسادهم، لا تقييد النهى عن الأنداد بالعلم بالمفعول، فإن العالم والجاهل المتمكن من العلم سواء فى التكليف بترك الأنداد. والتهديد هنا أوكد من التهديد فى عدم تقدير المفعول وهو مقصود فيهما جميعاً وجملة: أنتم تعلمون، حال من واو تجعلوا.
قال اليافعى: قوله:
{ يا أيها الناس اعبدوا ربكم } إلى {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} لصرف الآفات والعاهات والحيات والأذى عن الجنان والزرع والحدائق وجميع الأشجار. يتطهر ويصوم يوم الخميس ويخرج يوم الجمعة سحرا ويصلى فى أركان الموضع الأربعة ركعتين فى كل ركن متصلات، الأولى بأم القرآن وأرأيت الذى يكذب، والثانية بأم القرآن والفيل وقريش.. ويكتب الآية بقلم الزيتون أو الطرفا أو الطومار فى ورقة خضراء من الطومار بزعفران وماء ورد، ويبخر بعود، ويجعلها فى قصبة، ويقرأ الآية أيضاً عليها ويجعلها فى رأس أعلى الشجرة، وكذا من أراد حفظ بلد ودار بجعلها فى أعلاه ويصلى فى أركانه قبل الجعل.