التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ
٢٧٧
يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَٰواْ إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ
٢٧٨
فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَٰلِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ
٢٧٩
-البقرة

هميان الزاد إلى دار المعاد

{إن الَّذين آمنُوا}: صدقوا بوجود الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وبالقرآن وسائر الوحى.
{وعَمِلُوا الصَّالحاتِ}: الفرائض أو الفرائض والمندوب إليه.
{وأقامُوا الصَّلاةَ}: أو زادوا نفلا.
{وآتُوا الزَّكاة}: أو زادوا نفلا من الصدقة عليها، والصلاة والزكاة داخلان فى الصالحات وخصهما بالذكر لمزيدهما.
{لَهُم أجْرُهم عِنْد رِّبهمْ}: يوم القيامة.
{وَلا خَوْفٌ عَليْهِم}: فِيه.
{ولا هُم يَحْزنُونَ}: على ما فعلوا من الخير بأبدانهم أو من أموالهم، لأنهم يجدون أجره ولو فاتهم العمل أو أبطلوه لحزنوا على ما فاتهم من عمله أو ثوابه.
{يا أيُّها الَّذينَ آمنُوا اتَّقوا اللّهَ وذَرُوا مَا بَقِىَ مِنَ الربا}:
احذروا عقاب الله بترك المعاصى، أو احذروا معصية الله عز وجل، واتركوا ما بقى من الربا لم تقبضوه ولو حل أجله قبل أن تسلموا أو قبل نزول تحريمه، وقيل معنى ما بقى ما فضل على رأس المال، وقرأ الحسن ما بقا بالألف وفتح ما قبلها على لغة طيئ فى كل فعل ثلاثى مختوم بياء مكسورة ما قبها وعنه ما بقى بإسكان الياء سكونا ميتا بعد كسرة القاف.
{إنْ كُنتُم مُؤمِنينَ}: صادقين فى إيمانكم، ومن لم يصدق فى إيمانه يجب عليه الاتقاء لله، وترك الباقى من الربا أيضاً، وكذا من لم يؤمن لكن خص الذى آمن وصدق فى إيمانه، لأنه المنتفع بالأمر والنهى، قال مقاتل: نزلت الآية فى أربعة إخوة من ثقيف: مسعود، وعبد ياليل، وحبيب وربيعة ابنا عمر والثقفى، كانوا يداينون بنى المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم من قريش، فلما ظهر النبى صلى الله عليه وسلم على الطائف أسلم الإخوة ثم طلبوا رباهم من بنى المغيرة، فنزلت الآية، وقيل: خطاب لأهل مكة كانوا يربون ولما أسلموا عند الفتح أمرهم الله أن يأخذوا رءوس أموالهم دون الزيادة، وروى أنهُ لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قال فى خطبته فى اليوم الثانى من الفتح:
"الأكل ربا فى الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربا العباس فإنه موضوع كله، وكل شئ من أمر الجاهلية تحت قدمى موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وأول دم أضعه من دماء نادم ابن أبى ربيعة بن الحارث" كان مسترضعا فى بنى سعد فقتله هذيل وكان العباس وخالد بن الوليد شريكين فى الجاهلية يسلفان فى الربا إلى بنى عمير من ثقيف، فجاء الإسلام ولهما أموال عظيمة فى الربا ونزلت الآية فى تحريم الربا فقرأها عند الفتح، فقيل سبب نزولها العباس وخالد، وقيل قال ذلك فى حجة الوداع وبه قال مسلم فى رواية عن جابر بن عبد الله، وقيل: لما قال ذلك عام الفتح وقد بدا بالعدل فيمن يليه كالعباس، رجع إلى المدينة واستعمل على مكة عتاب بن أسيد وقد نزل أهل الطائف على الإسلام، فطلبوا رباهم إلى بنى المغيرة وقالوا: لا نعطى فإن الربا قد وضع، ورفعوا أمرهم إلى عتاب بن أسيد بمكة، فكتب بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عتاب فعمل بها ثقيف فكفت، وروى أن أهل الطائف اشترطوا فى إسلامهم شروطا منها أن لهم رباهم وربا الناس عنهم موضوع، فقرر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم شروطهم، ثم نزلت الآية فرد ذلك عليهم، وكتب أسفل الكتاب: "لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم" وقيل نزلت فى العباس وعثمان بن عفان أسلفا فى التمر بالربا، ولما حصر الجذاذ قال صاحب التمر إن أنتما أخذتما حقكما لم يبق لى ما يكفى عيالى، فهل لكما أن تأخذا النصف وتؤخرا النصف وأضعف لكما؟ ففعلا، فلما جاء الأجل طلبا الزيادة فبلغ ذلك النبى صلى الله عليه وسلم فنهاهما، وأنزل الله عز وجل هذه الآية فسمعا وأطاعا وأخذا رءوس أموالهم، وعن عروة بن الزبير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أسلم على شئ فهو له" .
{فَإن لَّم تَفْعَلُوا}: ترك ما بقى من الربا، كأنه قيل فإن لم تتركوا ما بقى منه.
{فَأْذنُوا بحَرْبٍ مّنَ اللّهِ وَرَسُولهِ}: أى فاعلموا بحرب من الله ورسوله من أذن بالشئ بمعنى علم، وهو مر من إذن الثلاثى بوزن علم، والمراد بالعلم بها التهديد، كأنه قيل فأيقنوا بأن الله عدوكم وأنتم عدوه، يدل ذلك قراءة الحسن، فأيقنوا بحرب من الله ورسوله، وكذا قال ابن عباس وغيره: معناه فاستيقنوا. فقرأ حمزة وعاصم فى رواية ابن عباس فأذنوا بهمزة ممدة بألف وكسر الذال أمر من آذن الربا عى بمد الهمزة وفتح الذال بمعنى أعلموا بالحرب غيركم من جنتكم فهم يدخلون فى الحرب أيضا أو أعلموا أنفسكم بقطع الهمزة، اعلموا وفتحها وكسر اللام وهو من أذن التلاثى بمعنى استمع بإذنه، والسمع من طرف العلم إدخلت بهمزة التعدية فصار رباعيا، فكان المعنى: صيروا غيركم عالما بالحربن فذلك من التعبير عن الشئ باسم سببه، فإن العلم مسبب عن الاستماع، ونكر حربا للتعظيم أى فأذنوا بحرب عظيم من الله ورسوله، والآية تقتضى أن يُقاتَل المصرّ على الربا بعد الاستتابة حتى يفئ إلى أمر الله، كالباغى فكفره نفاق كالباغى، وإن استحله قتل بالردة، ولما نزلت الآية قال ثقيف: لا أيدى لنا بحرب الله ورسوله، ى لا يدين لنا فحذفوا نون التثنية تشبيها بالإضافة، كما قال ابن الحاجب فى مثل ذلك، ولا يقال إنه مضاف لضمير المتكلم وهونا، وأدخلت اللام بينهما زائدة لأنه لا يكون اسم لا معرفة، وقواعد المذهب ألا يقتل المربى ولو أصر، لكنه يعزر أو ينكل إلا أن جئ لتعزيره أو تنكليه، فقاتل فإنه يقاتل فإن قتل هدر سواء قاتل وحده أو قاتل معه غيره، فإنهم يقاتلون ويهدرون، ثم رأيت الفخر قال: يعزر ويحبس إلى أن تظهر توبته، وإن كانت لهُ شوكة وعسكر قوتل كما تقاتل الفئة الباغية، وكما حارب أبو بكر مانعى الزكاة، وكذا لو تركوا الأذان أو دفن الموتى إلا أن فى الأذان من حيث الوجوب وحيث الكفاية فيه خلاف، وعن ابن عباس من عامل الربا استتيب فإن لم يتب قتل، قال ابن عباس: يقال لآكل الربا يوم القيامة خذ سلاحك للحرب.
{وَإنْ تُبتْمُ عن الربا}: الذى وقعتموه بعد التوحيد أو قبله ولم تقبضوه إلا بعده.
{فَلَكُم رءوسُ أمْوالِكُم} أصولها دون فوائدها وكذا إن لم يتوبوا فإنهم مخاطبون بذلك ولو مشركين غير تائبين، لأن المشرك على الصحيح مخاطب بفروع الدين كأصله، وخص التائبين لأنهم المتعظون بالحكم إلا أن الموحد إن أربا بعد توحيده وأحل الربا فذلك منه ردة لا يعطى رأس ماله بل يصرف حيث يصرف مال المرتد.
{لا تَظْلِمُونَ} من لكم عليه الربا يأخذ الزائد على رءوس أموالكم.
{ولا تُظْلَمُونَ: بالنقص عن رءوس أموالكم، ولا بالمطل ولا بانتظار الأجل إن كان الأجل لبطلان الأجل فى الربا إن كان، كما بطل الربا، وظاهر الآية أنهُ لا يأخذ إلا عين ماله وهو المراد بروءس الأموال، لا يقبل عوض رأس ماله، ولا يجوز له أخذ عوضه، وهو كذلك إلا إن تلف فلهُ عوضه، وذلك فى جنب كل منهما، ولا يجوز أن يترك كل منهما للآخر مالهُ فى مقابلة ما عليه، وقيل بالجواز، ولأن يجعله فى حل وقيل بالجواز، وأجمعوا على منع إعطاء الزائد وعلى منع أخذه، ومن لم يجد صاحبه أوصى له بحقه وقيل يتصدق به للفقراء عليه.