التفاسير

< >
عرض

وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
٢٨٠
-البقرة

هميان الزاد إلى دار المعاد

{وَإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ}: أى إن ثبت صاحب ضيق فى المال، وكان ممن لكم عليه رأس مال فى الربا، أو لكم عليه دين حلال من وجوه الدين، أو قرض أو تباعة من التباعات.
{فَنَظِرةٌ}: أى فعليكم نظرة أو فالواجب نظرة، أو وجبت نظرة، أو فلتكن نظرة، فنظرة عليكم أو فنظرة وجبت، وعلى هذين الوجهين سوغ الابتداء بالنكرة كونهما فى جواب الشرط، ونظرة اسم مصدر بمعنى الإنتظار أو الانتظار، يقال انظره أو انتظره بمعنى أخره أو راقبه؛ ولم يعاجله. وقرئ فنظرة بسكون الظاء للتخفيف، وذلك لغة تميم فى الثلاثى المكسور العين، وقرأ عطاء: فناظرة بالأف بعد النون والهاء التى هى ضمير غير منقوطة بعد الراء غير منونة، وهى عائدة إلى ذى العسرة الذى عليه الحق، أى فصاحب الحق ناظرة أى منظره أو منتظره، أو فصاحب الحق صاحب نظرته على أن ناظرا فى هذا الوجه للنسب كلاين ومكان عاشب، أى ذو عشب وقرأ عطاء أيضا فى رواية فناظرة بألف وهاء منقوطة منونة: والمعنى فصاحب الحق ناظرة والتاء للمبالغة على غير قياس، أو على التأويل بالنفس، وعلى هاتين القراءتين، فاللفظ خبر ومعناه أمر، ويجوز على القراءة الأخيرة أن يكون ناظرة بمعنى المصدر، أى فنظرة كقراءة الجمهور بأن استعمل اسم الفاعل بمعنى المصدر لعلاقة الاشتقاق أو التعلق قال الزجاج ناظرة مصدر ككاذبة وخاطئة، فإما أن يريد ما ذكرت من التجوز أو أراد أنهُ مصدر على خلاف القياس، وقرأ عطاء أيضا فى رواية فناظرة بألف وإسكان الراء تليها هاء الضمير على أنه فعل أمر أى انظره فهو من الصيغة التى للمبالغة استعملت فى غير المفاعلة تأكيدا فى الإمهال أى فبالغه فى انتظارها.
{إلَى مَيْسَرةٍ}: أى يسر وهو وجود المال أو زمان يسر فهو مصدر ميمى أو اسم زمان شاذ قياسا على الوجهين لضم الوسط وزيادة تاء التأنيث وقرأ غير نافع وحمزة بفتح السين وهو أشهر وقرئ ميسرة بضم السين وكسر الراء وهاء الضمير بعدها وإسقاط هاء التأنيث للإضافة، لأن الإضافة تسبغ حذفها فى الجملة كقوله تعالى (وأقيم الصلاة) والأصل وإقامة الصلاة وقول الشاعر:

وأخلفوك عدا الأمر الذى وعدوا

والأصل عدة وقرأ كذلك مع فتح السين، وإنما قلت بعموم الانتظار فى الآية لرأس مال الربا، ولغير ذلك، لأن كان لا خبر لها فهى فى كلام مستأنف فى مطلق من حصلت له عسرة، ولما ورد فى الأحاديث من انتظار المعسرتى الديون والقرض، ولو كان ذلك فى رأس مال الربا لقال: وإن كان لا عسرة بالنصب، فيكون فى كان ضمير صاحب الربا وذلك تفسير مجاهد وجماعة، وقال ابن عباس وشريح والضحاك والسدى: إن الآية فى انتظار المعسر برأس مال الربا، لأن الآية قبلها فى الربا، والمعنى وإن كان ذو عسرة برأس مال الربا، ويجوز أن يكون لها خبراً أى وإن كان ذو عسرة غريماً لكم، وذكر عن شريحرحمه الله أن رجلا خاصم رجلا إليه فقضى عليه وأمر بحبسه ليقضى ما عليه من أمانة أتلفها، فقال رجل كان عند شريح: إنه معسر والله تعالى يقوله فى كتابه: { وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة } فقال شريح: إنما ذلك فى الربا: وأن الله تعالى قال: { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل } ولا يأمرنا الله بشئ ثم يعذبنا عليه، أى حكمت بما أمرنى به فكيف يعذبنى عليه، والجمهور على ما فسرت به من العموم، وهو قول مجاهد كما مر، وذلك إذا لم يكن فقر مدقع، وإن كان فقر مدقع فالحكم هو النظرة ضرورة ولا يخالفهم فيه ابن عباس ولا غيره، وعن أبى هريرة عنه صلى الله عليه وسلم: "كان رجل يداين الناس فكان يقول لفتاه إذا أتاك معسر فتجاوز عنه لعل الله يتجاوز عنا فلقى الله فتجاوز عنه" وعن أبى قتادة: طالب رجلا بمال فتوارى، ثم وجده فقال: إنى معسر.
فقال أبو قتادة: فإنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
"من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه" وفى رواية عنه صلى الله عليه وسلم: "من أنظر معسراً أو وضع عنه أنجاه من كرب يوم القيامة" وفى رواية: "من أنظر معسراً أو وضع عنه أظله الله فى ظله يوم لا ظل إلا ظله" رواه أبو اليسر، وعن الحسن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رحم الله من يسر على معسر أو محا عنه" .
{وأنْ تَصدَّقُوا} على غرمائكم المعسرين بترك الدين والتابعة كلها، أو بترك البعض والفعل فى تأويل المصدر مبتدأ خبره خير، وأصله تصدقوا أبدلت التاء الثانية صاداً وسكنت وأدغمت فى الصاد، وقرأ عاصم بتخفيف الصاد على أن الأصل تتصدقوا بتائين فحذف إحداهما تخفيفا.
{خَيْرٌ لَكُمْ}: نفع عظيم لكم فى الآخرة أو أفضل لكم مما تأخذون لمضاعفة الثواب، أو أفضل لكم من النظرة، والجمهور أن المعنى أن التصدق على غريمكم المعسر خير من إنظاره، وقيل المراد بالتصدق الإنظار بمعنى أن النظرة منفعة لكم فى الآخرة أو أفضل لكم من عدمها، وعدمها لا فضل فيه، لكن الطبع يراه حسنا وسمى النظرة تصدقاً تشبيهاً لأن فيها نفعاً كما أن فى التصدق نفعاً وثوابها كثواب الصدقة، قال صلى الله عليه وسلم:
"لا يحل دين رجل مسلم فيؤخره إلا كان له بكل يوم صدقة" .
{إنْ كُنْتم تَعْلَموُن}: أنه خير لكم فافعلوا، قال يعلى بن شداد بن أوس: كنت مع أبى إذا أبصر غريما له فلما رآه الغريم أسرع حتى دخل منزله وأغلق الباب، فجئنا حتى قمنا عل بابه فطلبناه، فقالوا ليس ها هنا، فقال أبى: إنى أن نظر إليه آنفاً حتى دخل، فلما سمع الغريم خرج، فقال له أبى: ما حملك على ما صنعت؟ قال: العسرة. قال: أقال اللهّ فقال: اللهم إنى أشهدك وأشهد ملائكتك أفى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من أنظر معسراً أو وضع له أظله الله يوم القيامة فى ظله، وأشهدك يا رب أنى تصدقت عليه" وروى أنهُ لما نزل قوله تعالى: { فإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم } الآية قال عمر والمداينون: بل نتوب إلى الله تعالى فإنه لا طاقة لنا بحرب الله ورسوله فرضوا برءوس المال فشكى بنو المغيرة العسرة وقالوا: أخرونا إلى أن تدرك الغلات فأبوا أن يؤخروا، فأنزل الله تعالى: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} الآية.