التفاسير

< >
عرض

وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمينَ
٩٥
-البقرة

هميان الزاد إلى دار المعاد

{وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بما قدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ}: أى بما قالوا وما اعتقدوا من الكفر بالنبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ وغيره. وما فعلوا من الكبائر كتحريف القرآن، وذلك يستلزم كذبهم لما كانت عامة أفعال الإنسان بيده من جلب الخير ودفع الشر نسب تقديم العمل إليها، ولو كان من غير عملها، ولما كانت آلة للقدرة صح إطلاقها على النفس وهو معنى الآية، أى بما قدمت أنفسهم أى بما قدموا، كما نطلق على القدرة كقوله جل وعلا: { يد الله فوق أيديهم } وأبدا ظرف مؤكد لتأييد لن توكيداً لغوياً لا اصطلاحياً فضلا عن أن يقال: لا يؤكد الحرف بالاسم، ونفى تمنى الموت عنهم أبداً إخباراً بالغيب معجزة عظيمة، لا يكاد اليهود إلى أن يكابروها أمر الله نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يدعوهم إلى تمنى الموت، وأن يعلمهم أن ما تمناه منهم مات فيدخل الجنة بعد موته على زعمه، ففعل النبى ذلك فعلموا صدقه فى أنهم لو تمنوه لماتوا فلم يتمنوه، لعلمهم أن اعتقادهم وأقوالهم وأفعالهم توجب النار دون الجنة، وأنهم كاذبون، وللحرص على الحياة، ويحتمل أن الله جل وعلا تحداهم لنبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأنهم إن صدقوا فليجعلوا علامة صدقهم تمنى الموت مطلقاً لا يقيد التعليل بأن يدخلوها كما زعموا، فمنعهم الله جل وعلا عن تمنيه لتظهر الآية لنبيه ـ صلى الله عليه وسلم.
وفى كلام ابن عباس والزجاج إشارة إلى ذلك، وفى كلام عياض وأبى محمد الأصيلى، فأما الزجاج فقال: فى هذه الآية أعظم حجة وأظهر دلالة على صحة الرسالة، لأنه قال لهم فتمنوا الموت، وأعلمهم أنهم لم يتمنوه أبداً، فلم يتمنه واحد منهم، وأما أبو محمد الأصيلى فقال: من أعجب أمرهم أنه لا توجد جماعة منهم ولا واحد من يوم أمر الله نبيه يقدم عليه ولا يجيب إليه، وهذا موجود مشاهد لمن أراد أن يمتحنهم، وأما عياض فقال: ومن الوجوه البينة فى إعجاز القرآن أى وردت بتعجيز قوم فى قضايا وإعلامهم أنهم لا يفعلونها، فما فعلوا ولا قدروا عليها كقوله:
{ قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة } .. انتهى.
وأما كلام ابن عباس فيأتى قريباً قال ـ صلى الله عليه وسلم:
"والذى نفسى بيده لا يقوله رجل منهم إلا غص بريقه مكانهُ" أعنى مات، وروى البيهقى فى الدلائل عن ابن عباس رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم: "لو تمنوا الموت لغص كل إنسان بريقه فمات مكانه وما بقى يهودى على وجه الأرض" وكان ابن عباس يقول: المراد بالتمنى فى الآية السؤال بالألسنة مطلقاً، أى فاطلبوا الموت بألسنتكم وإن لم يكن الطلب من قلوبكم، وهذا يؤيد الاحتمال الذى ذكرت بقولى، ويحتمل أن الله ـ جل وعلا ـ تحداهم لنبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ.. إلخ. والجمهور على أن المراد به تمنيه بالقلب والإخبار باللسان معاً بأن يتمنوه بالقلوب ويقولوا بالألسنة ليتنا متنا أو نحب الموت، أو اللهم أمتنا، وعندى أن التمنى من عمل القلب، وقولك: ليت لى كذا تعبيراً عما فيه، وقال الزمخشرى: التمنى قول الإنسان ليت لى كذا وأنه ليس من عمل القلب.. انتهى.
وإن قلت: إن كان من عمل القلب لزم أن يكون التحدى بما فى القلب وهو سر لا يطلع عليه، والتحدى بما فيه محال، فمن أين تعلم أنهم لم يتمنوا؟ قلت: لو تمنى أحد منهم ولم يمت لم يكن شئ أحب إليه من الاختيار بذلك ليبطل به حجة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لشدة رغبتهم فى إبطالها وشدة عداوتهم له، وبالإخبار يخرج ذلك عن كونه سرا فلم يكن التحدى بما فى القلب مع أنه لا يلزم أن يكون ذلك تحدياً لجواز أن يكون مجردا إعلام بأنهم لا يتمنونه ولو تمنوه لماتوا وهم عالمون ذلك من أنفسهم، وإذا خاطبهم ـ صلى الله عليه وسلم ـ بذلك علموا أنه مطلع بوحى الله على ما فيهم، سواء كان عدم التمنى والموت بالتمنى قبل نزول الآية أو بعده، وإن قيل من جانبهم لعلهم أو بعضهم قد تمنوا فلم يموتوا، ومنعهم عن الإخبار أنهم لا يصدقون، قلت: قد كذبوا بأشياء محسوسة لا مطمع فى تصديقها، فلم يمنعها عدم التصديق من أن يخبروا بها كيف لا يخبرون بأمر صدقوا فيه مع أنه غير مشاهد، وأنه قد يقوونه بالحلف، ثم إنه لو تمنى أحد منهم بلسانه أو مع قلبه ولم يمت لاشتهر ونقل لكثرة الطاعنين فى الإسلام والحرص فى تزييفه، وقد جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً.
{واللهُ عليمٌ بالظَّالِمِينَ}: فيجازيهم ولا يخفون عنه فيقولوا فهذا تهديد لهم والظالمون بهم، وأصل الكلام والله عليم بهم فوضع الظاهر موضع المضمر ليصفهم بالظلم، ويحتمل أن يراد الظالمون كلهم والله عليم أيضاً بغير الظالمين، ولكن خص الظالمين بالذكر لأن السياق فيهم وللإيعاد والتهديد، ووصفهم بالظلم لأنه أعم من الشرك فكل مشرك ظالم لنفسه وليس كل ظالم مشركاً، فإن السارق والزانى بلا مشركاً تحليل وتارك الصلاة غير محل لتركها ونحوهم ظالمون لا مشركون وليفيد أنهم ظالمون لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والمؤمنين فى دعوى ما ليس لهم ونفيه عمن هو له.