التفاسير

< >
عرض

وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ
١٧
قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ
١٨
-طه

هميان الزاد إلى دار المعاد

{وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ} الباء للظرفية أو للإلصاق. والاستفهام للتقرير يتضمن استيقاظا لما يرتب على عصاه من المعجزات وتثبيته، لئلا يذهله ما يكون من أمرها كذا ظهر لى وسماه السيوطى فى الإتقان إيناسا.
وخص اليمين ولم يقل: وما تلك بيدك لما ذكرت من التثبيت لأنها فى يمينه فكأنه قيل له: انظر إلى ما فى يمينك وتَثَبَّتْ فلا يهولنك ما يصير منه
وقال أبو عمرو عثمان بن خليفة -رحمه الله -: فإن قيل: لِمَ قال يمينك ولم يقل بيدك لاشتبه عليه أيهما أراد والله لا يلبس على خلقه ولا على رسوله ولا على أمته لأنه أرسل بالبيان والرحمة والحجة انتهى والباء متعلقة بمحذوف وجوبا حال من تلك سواء جعلت خبراً وما مبتدأً أو بالعكس؛ لأنه اسم إشارة وناصب الحال معنى الإشارة. وعلى قول الكوفيين يجوز أن يكون تلك اسما موصولا، ويمينك متعلق بمحذوف صلة له ذكره ابن هشام والشيخ خالد.
{يا مُوسَى قَالَ هِىَ عَصَاىَ} ما بعد هذا زيادة فى الجواب عما كان السؤال عنه، كقوله صلى الله عليه وسلم - لما سئل عن ماء البحر -:
"هو الطهور ماؤه الحل ميتته" . والمستحسن من الجواب أن يكون مطابقا للسؤال أو أعم منه لا أخص ولا مغايرا إلا لحكمة.
ويحتمل أن يكون فهم من السؤال أن المراد تمديد النعم، فأجاب بما يطابق.
وإنما ذكر المسند إليه وهو قوله: هى مع أنه معلوم؛ لأنه فى مقام يكون سماع السامع مطلوبا للمتكلم لعظمة السامع، وهو هنا الله، فبسط الكلام بذلك بذكر المسند إليه.
وقرأ الحسن عصاى بكسر الياء اعتبر أن أصلها للسكون فكسرها لالتقاء الساكنين. كذا ظهر لى وسكنها ابن أبى إسحاق.
والمشهور عصى بكسر الصاد وتشديد الياء قلب الألف ياء وأدغمها وكسر ما قبلها وهى لغة هذيل. وحكاها الواحدى فى البسيط عن طىِّء.
قال الشيخ خالد: قرأ عاصم الجحدرى وابن إسحاق وعيسى بن عمر هى عَصَىّ ورويت عن النبى صلى الله عليه وسلم قاله الشاطبى.
قال ابن هشام: ندر كسر ياء الإضافة بعد الألف فى قراءة الأعمش والحسن هى عصاى.
{أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا} أعتمد عليها إذا عييت، وعند المشى والوثوب، وعند الوقوف على رأس القطيع، أعنى عند الرعى.
{وَأَهُشُّ} أخبط الورق من الشجر.
وقرأ النخعى أهش بكسر الهاء، وكلاهما من هش الخبز يَهش إذا انكسر لهشاشته. قال لقمان بن عاد: أكلت حِقا وابن لبون وجدعا وهشِشت نخب وسيلا وقع والحمد لله من غير شبع. ووقف على المنصوبين المنونين بالإسكان ونخب: واد قريب من الطائف كثير السِّدر وذلك لقوته وعظمته. وقالوا: الجزور أكلة لقمان والغلة جرعته.
وقرأ عكرمة بالسين المهملة وضم الهاء أو كسرها أى أقبل بها على الغنم زاجراً للغنم.
{بِهَا عَلَى غَنَمِى} وزعم بعضهم أن الواو فى وأهش واو الحال. والهش: الزجر. وهو ضعيف من جهتين: الأولى أن المضارع المثبت الواقع مع مرفوعه حالا لا يقرن بالواو.
وأجاز بعضهم إن فصل عنها فيحتاج هنا إلى تقدير المبتدأ. والأصل عدم الحذف. والثانى: أن فى جعل الواو عاطفة إفادة معنى بقوله: أتوكأ عليها، ومعنى آخر بالهش.
وإذا جعلنا الواو للحال كان الهش الذى هو الزجر قَيدا للتوكؤ. فيفيد أنه يتوكأ عليها فى حال الزجر. وذكر حاجتين مما يعمل بالعصى ولى من ذكر حاجة إلا إن جعلنا التوكؤ لغير الزجر وجعلنا الهش بمعنى الزجر وجعلنا الحال مقدرة أى أتوكأ عليها عند الإعياء مثلا مقدراً لزجر الغنم بها إذا احتجت. قيل: اسم العصَى نبعة ولها ألف معجزة.
{وَلِىَ فِيهَا مَآرِبُ} جميع مأربة بهمزة ساكنة وقد تقلب ألفاً وتثليث الراء بمعنى حاجة. وإنما قال: {أُخْرَىْ} ولم يقل: أخر بضم الهمزة وفتح الخاء لتأويل المآرب بالجماعة أو الجملة.
ومن تلك المآرب: أنه إذا سار ألقاها على عاتقة واعتمد عليها بيده فيستريح ويحمل عليها ما يحتاج إليه من طعام أو ماء وغيرهما كالسلاح. وكان فى رأسها شعبتان يقدح بهما النار وإذا آذاه الحر ألقى عليها كساء واستظل. وقيل: يركزها وتعود شجرة يستظل تحتها وإذا قص حبله وصله بها بل إذا لم يكن عنده حبل أصلا أو كان أدلاها فى البئر فتطول على طول البئر وتصير الشعبتان دلوا وإذا تعرضت السباع لغنمه قاتل بها. وإذا ظهر له عدو قاتل بها أو فضلت عنه وحدها.
وروى أنه يحمل عليها وتمشى وحدها كالدابة وتحدثه ويركزها فينبع الماء. قيل: والطعام وإذا اشتهى ثمرة ركزها وأثمرتها. وإذا رفعها زال الماء والطعام وكانت تقيه من الهوام وكانت تثمر له ما يحتاج إليه، وتخرج له من ماء وطعام ما يحتاج إليه فى اليوم، وتضئ له بالليل كالسراج. وكانت قبل من شجر الريحان وهى العصى التى أخذها من بيت عِصِىّ الأنبياء من عند شعيب عليه الصلاة والسلام حين اتفق معه على الرعية. وهى عصى آدم هبط بها من الجنة.
وعن بعضهم أنه ذكر المنافع المتعلقة بالعصى تفصيلا بالهش والتوكؤ وإجمالا بقوله: ولى فيها مآرب أخرى كأنه أحس بما يحدث بها بعد السؤال من أمر عظيم فقال: ما هى إلا عصى تنفع نفع نبات جنسها أو أراد الله تعديد المنافع واستكثارها ويريه عقب ذلك الآية العظمى كأنه يقول: أين أنت عن هذه المنفعة العظمى التى تنسى عندها كل منفعة.
وروى أنه سأله ليبسط منه ويقلل هيبته.
وقيل: أجمل موسى ليسأله عن تلك المآرب فيزيد فى إكرامه.
وقيل: انقطع لسانه بالهيبة فأجمل. وكان لتِلك العصى اعوجاج فى رأسها إذا طال الغصن جفاه به، وإذا طلب كسره لواه بالشعبتين.