التفاسير

< >
عرض

فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ
٢٥
-آل عمران

هميان الزاد إلى دار المعاد

{فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ}: هذا الاستفهام إستعظام لما يلحق بهم يوم البعث من سوء الحال، لما اغتروا به من الدعاوى الباطلة، وهى ما ذكرت آنفاً، روى أن أول راية ترفع يوم القيامة من رايات المشركين، راية اليهود فيفضحهم الله على رءوس الأشهاد، ثم يأمر بهم إلى النار، وذلك لأنهم جمعوا إلى المعاصى وقتل الأنبياء، تحريف كلام الله، وكتمانه، والكذب عليه، وتبديل الأحكام ونسبة ما بدلوا إلى الله.
و{كيف} حال، أى: كيف يصنعون، أو كيف ينجون، أو خبر أى كيف حالهم والجملة دليل جواب إذا، واللام بمعنى فى عند الكسائى، أى فى يوم أو للتعليل على حذف مضاف، أى الحساب يوم، أو لقضائه، أو لجزائه، وهذا ترجيح على قول الكسائى بأن فائدة ذلك يوم الحساب، والجزاء، والقضاء، وببقاء اللام على أصلها، ولو كان قول الكسائى معتبراً فيه جزماً ما ذكرنا من الحساب، والجزاء، والقضاء هكذا، فكيف إذا جمعناهم فى يوم لا ريب فيه للحساب والجزاء والقضاء، لأن حذف المضاف أيسر، وجملة {لاَّ رَيْبَ فِيه} نعت يوم، وفيه تهويل بأن ذلك اليوم الذى يستعظم ما يلحقهم فيه لا بد منه.
{وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ}: من اليهود وغيرهم.
{مَّا كَسَبَتْ}: أى أحضر لها جزاء ما كسبت من الأعمال وافياً من خير أو شر، لا يزاد فى شرها، ولا ينقص من خيرها، كما قال:
{وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}: بنقص حسنة أو زيادة سيئه، وقد علمت إنما كسبت بمعنى ما عملت من خير أو شر، ولك أن تقول: بمعنى ما حصلت من ثواب أو عقاب فلا يقدر على هذا مضاف، وهو جزاء والواو فى قوله سبحانه {لاَ يُظْلَمُون} لكل نفس روعى لفظها فى {كَسَبَتْ} ومعناها فى {لاَ يُظْلَمُون}، لأن معناها كل إنسان فجمعت وذكرت، ولا دليل فى الآية على عدم خلود صاحب الكبيرة، لأن معنى توفية ما كسبت توفية ما ختم عليه عمله، فإيمانه وأعماله، أبطل ما ختم به الجزاء بها، فيوفى جزاء ما ختم به، فإذا قيل: كيف تبطل جرعة خمر عبادة ستين سنة، قلنا فكيف يجوز عقلك العقاب بمدة طويلة فى النار، وعذاب لا يشبههما نار وعذاب على جرعة، فإن عقلك لا يقبل إلا أن يكون عقابها مثل: كية واحدة بنار الدنيا، أو جوعة عظيمة، أو عطشة عظيمة، كيومين، فإذا لا يدخل العقل فى ذلك والله أعلم.
قال ابن عباس رضى الله عنهما: لما فتح رسول الله عليه وسلم مكة وعد أمته ملك فارس والروم، فقال المنافقون واليهود: هيهات من أين يملك محمد فارساً والروم وهما أعز وأمنع من ذلك؟ ألم يكف محمداً مكة والمدينة؟ حتى طمع فى فارس والروم؟ فأنزل الله جل جلاله: {قُلِ اللَّهُمَّ...}.