التفاسير

< >
عرض

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَٰتُكُمْ وَبَنَٰتُكُمْ وَأَخَوَٰتُكُمْ وَعَمَّٰتُكُمْ وَخَالَٰتُكُمْ وَبَنَاتُ ٱلأَخِ وَبَنَاتُ ٱلأُخْتِ وَأُمَّهَٰتُكُمُ الَّٰتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَٰتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَٰعَةِ وَأُمَّهَٰتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ ٱلَّٰتِي فِي حُجُورِكُمْ مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱلَّٰتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَٰئِلُ أَبْنَائِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَٰبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ ٱلأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً
٢٣
-النساء

هميان الزاد إلى دار المعاد

{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ}: أى حرم عليكم نكاح أمهاتكم، لأن النكاح هو معظم ما يقصد من النساء، ولتبادره إلى الفهم ولأن السباق واللحاق فيه، ولا وجه لبقاء تحريم ذوات من ذكر على الإطلاق حتى مس ما يجوز مسه، ونظر ما يجوز نظره، ومناولة منهن ولهن، والتكلم لهن والإنصات لهن، وتعليمهن والتعليم منهن، وأمرهن ونهيهن، فإن الأحكام الخمسة كالتحريم والتحليل لا تتعلق بالأعيان والأم من ولدتك وولدت أباك وأمك ولو علت من جهة أبى أبيك، أو جهة أو أمك أو أبى أمك.
{وَبَنَاتُكُمْ}: البنت كل أنثى رجع نسبها إليك بالولادة، ولدتها أنت أو ولدها ابنك، أو ولدتها بنتك، أو ولدتها بنت ابنك، أو ابن ابنك، أو ولدتها بنت بنتك، أو ابن بنتك، وهكذا ولو سفلت.
{وَأَخَوَاتُكُمْ}: من أب و أم، أو من أب أو من أم.
{وَعَمَّاتُكُمْ}: العمة أخت أبيك أو أخت جدك، لو علا من أبيهما وأمهما أو من أبيهما أو من أمهما.
{وَخَالاَتُكُمْ}: الخالة أخت أمك أو أخت جدتك من أمك ولو علت ومن أبيهما وأمهما، أو من أبيهما أو من أمهما، وعمة أمك فى حكم عمتك، وخالة أبيك فى حكم خالتك، وكذا ما فوق أبيك وأمك.
{وَبَنَاتُ الأَخِ}: الذى من الأب والأم، أو الذى من الأب، أو الذى من الأم ولدها أخوك أو ولدها ابن أخيك، أو بنت أخيك، وهكذا ولو سفلت.
{وَبَنَاتُ الأُخْتِ}: من الأب والأم، أو من أحدهما، ولدتها أختك أو ولدها ابن أختك، أو بنت أختك، وهكذا ولو سفلت.
{وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِى أَرْضَعْنَكُمْ}: النساء اللاتى لم يلدنكم، ولكن دخل أجوافكم بعض لبنهن المغذى، ولو قليلا فى حال لم تجاوزوا عامين، وقد كان لا تحرم المصة والمصتان ولا خمس، بل تحرم عشر، ثم نسخت إلى خمسة ثم خمسة إلى أقل قليل، كما بسطته فى شرح النيل، وفى شرح ما شرحته من دعائم ابن النظر، ومن حكم بالخمس من الصحابة، فإنه لم يبلغه الشيخ.
{وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ}: الإناث اللاتى ولدتهن من أرضعتكم، قبل أن يرضعنكم أو بعده أو معه، ولا تكون من أرضعتك أما لأخيك وأختك ولا من ولدت من أرضعتك أختاً لها، إلا أن أرضعتهما، ومعلوم أن الأم بالزوج، وإلا لم تكم أما، وإن الأخت بالأب ولا لم تكن أختاً ممن له ابن التى أرضعتك أبوك بالرضاعة كما يفيده تسميتها أماً لك، وبنتها أختاً لك إذ قد جمعكما أب وأم بالرضاع، فإذا صحت تسميتها أما، من له اللبن أباً وبنتها أختك، فليحرم عليك من جهتهم ما يحرم من جهة أبيك الوالد، وأمك الوالدة، وأختك منهما. وقد قال صلى الله عليه وسلم:
"يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" وهو حديث صحيح عام، وخص بعض فى لبن الفحل، فقال: لم يقل الله "وبناتكم من الرضاعة". كما قال: وأخواتكم من الرضاعة، وفروع المسألة فى شرح النيل، قيل: لا دليل يخص منه أخت ابن الرجل من الرضاع، وأم أخيه من الرضاع، وزعم بعض أنه يجوز لك أن تتزوج أخت ابنك من الرضاع، ولو لم يجز أن تتزوج أخت ابنك من النسب، ويجوز أن تتزوج أم أخيك من الرضاع، ولو لم يجز أن تتزوج أم أخيك من النسب، والزمخشرى ذكر جواز التزوج فى المسألتين وقال: كالمتبرئ منه إنهم قالوا ذلك، وعلل ذلك بأن كون الأنثى أختاً من الأم لابنك إنما هو لكون الأخت بنتاً لأمرأة وطئها غيرك، فليس بينك وبين أخت ابنك حرمة النسب، بل حرمة المصاهرة، فلم يصح التخصيص بخلاف ما إذا ارتضع إبنك من امرأة لها بنت من أجنبى، فإن البنت أخت لابنك من الرضاع، ولا تحرم عليك هذه البنت، إذ لا نسب بينكما، ولا مصاهرة، أو بأنه إذا كانت لك أخت لأب كانت أمها موطوءة أبيك، وبنتها ربيبة له، فلا تحل لك لجهة النسب، وإذا ارتضعت أختك من امرأة فالمرأة أختك من الرضاع، فلا تحرم عليك، لأن أباك لم يطأها، فلم يصح التخصيص، لأن الحرمة فى النسب للمصاهرة لا للنسب، وليست حرمة الرضاع كحرمة النسب من كل وجه، بل من وجه تحريم النكاح، ومن جهة جواز النظر والخلوة بها والسفر معها، إذا أمن الفتنة فى ذلك كله، ولا إرث بالرضاع، ولا نفقة به، وسواء فيما ذكر من المحرمات، وما يذكر المسلمة المشركة والحرة والأمة.
{وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ}: أم المرأة وجدتها من جهة الأب، أو من جهة الأم، وأم المرأة بالرضاع من جهة أبى الرضاع، أو من جهة أو الرضاع، إذا عقد الرجل على الأنثى حرمت عليه أمها وجدتها، ولو لم يدخل ولم ير ما بطن ولامس، وأما البنت فلا تحرم بالعقد على الأم حتى يدخل بالأم. قال صلى الله عليه وسلم:
"أيما رجل نكح امرأة، فلا يحل له نكاح ابنتها، وإن لم يكن دخل بها فلينكح ابنتها، وايما رجل نكح امرأة فلا يحل له أن ينكح أمها، دخل بها أو لم يدخل" أخرجه الترمذى سئل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن ذلك فأجاب بالحديث وذلك، قول الجمهور. وقيل عن زيد بن ثابت وابن عمر وابن الزبير، وبه قال عمران بن الحصين، وهو قول عمر ومسروق، قال مسروق: هى مرسلة فأرسلوا ما أرسل الله. وعن ابن عباس: أبهموا ما أبهم الله، إن الأم لا تحرم إلا بدخول على ابنتها، كما أن البنت لا تحرم إلا بالدخول على أمها، وهو رواية عن ابن عباس. وقرأ: وأمهات نسائكم اللاتى دخلتم بهن، قال ابن عباس: والله ما نزل إلا هكذا، قال فى الكشاف وعن جابر روايتان، وعن سعيد بن المسيب عن زيد: إذا ماتت عنده فأخذ ميراثها كره أن يخلف على أمها، وإذا طلقها قبل أن يدخل، فإن شاء فعل. انتهى كلام سعيد. قال الزمخشرى: أقام الموت فى ذلك مقام الدخول، كما قام مقامه فى باب المهر.
{وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِى فِى حُجُورِكُمْ مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِى دَخَلْتُمْ بِهِنَّ}: الربيبة: ولد المرأة من أخرى، وولد الرجل من أخرى وكذا الربيب. والمراد هنا بنت المرأة من غير زوجها، والربيب فى الأصل: فعيل بمعنى مفعول وإنما ألحقته التاء إنه فعيل بمعنى مفعول، لأنه تغلبت عليه الاسمية فخرج عن باب امرأة جريح أو فعيل، وذلك أن ولد المرأة من غير زوجها الذى عندها يربه زوجها الذى عندها كما يرب ولده فى الغالب، أو الجملة، أى يقوم بمصالحه، وليس زنى: يزنى بالتشديد كلمة مختومة بحرف العلة، أصالة غير كلمة رب يرب، بل هى رب شذذ مبالغة، فقيل: ريب: فقلبت الياء الثالثة ألفاً، إلا أن يقال من ربا يربو، بمعنى نما بمعنى أن الإنسان يتسبب فى نمو الطفل، وفيه تكلف، ومعنى كون الربائب فى حجوركم أنهن فى تربيتكم وحفظكم، وذلك أن من ربى طفلا يكون فى حجره، وهو مقدم أثواب الإنسان، فالحجور جمع حجر، بمعنى المقدم من الثياب. وقال أبو عبيدة: الحجور جمع حجرة وهى البيت أى فى بيوتكم ومن نسائكم: حال من ربائبكم، أو من ضميرهن المستكن فى قوله: {فِى حُجُورِكُم}، ومن للابتداء، ويجوز أن يكون من نسائكم اللاتى دخلتم بهن حالا من نسائكم فى قوله: {وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُم} فتكون من للبيان، وذلك على قول جواز الحال من المضاف إليه بلا شرط، فيكون المعنى وأمهات نسائكم حال كون نسائكم دخلتم بهن، فإن لم تدخلوا بهن لم تحرم أمهاتهن، ومعلوم أن الربائب من نسائهم، ولو صرف قوله من نسائكم إلى قوله: وأمهات نسائكم، ومن أجاز استعمال الكلمة فى معنييها أجاز صرفه إلى ربائبكم على الابتداء، وإلى نسائكم قبله على البيان على أنه حال من ربائب ونساء، وهو مبنى على عدم اشتراط كون ناصبها هو العامل، فى صاحبها، وإن اعتبر ذلك الاتصال بين أمهات فى مطلق من الاتصال، لم يكن ذلك من استعمال الكلمة فى معنييها، وذلك إن كلا من الابتداء والبيان اتصال، وإن قلنا: من حقيقة فى الابتداء، فباعتبار هذا الاتصال يكون ذلك من عموم المجاز، لامن استكمال الكلمة فى حقيقتها ومجازها، والجمهور على أن قوله {اللاَّتِى فِى حُجُورِكُم} ليس بقيد، بل كلام على الغالب لأن الربيبة المرباة فى حجر، أقوى شبهاً ببنته، فخصت بذكر حرمتها، والتى لم ترب فى الحجر مثلها فى الحرمة، وروى عن على: إن لم يربها فى حجره حلت له، وذلك إذا فارق أمها وتمت عدتها، وإن ماتت أمها كرهت له حتى تتم عدة الوفاء، والصحيح حرمة الربيبة أبداً، ولو لم ترب فى الحجر إن دخل بأمها كما فى الآية. ومعنى الدخول: الجماع، وكنى عنه بالدخول لأنها تكون فى ستر ويدخل عليها بالجماع ويلحق بالجماع مسها بذكره عمداً. أى موضع من بدنها، ومس فرجها بيده عمداً، ونظر فرجها هذا ما عندنا، ومثله لأبى حنيفة إذ قال: لمس المنكوحة ونحوه كالدخول، وكذا تثبت عندنا وعنده الحرمة بالزنى، فمن زنى بامرأة حرمت عليه بنتها ولو سلفت، وأمها ولو علت، وعلى آبائه وأولاده، وهو قول الجمهور ومنهم عمران بن الحصين، أو هريرة، والحسن، والعراقيون والحجازيون والربيبة: العبدة البعيدة كالقريبة، ومنه بيت الربيبة.
{فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} فى نكاح بناتهن وهن ربائبكم، وهذا تصريح بمفهوم النعت الذى هو قوله {اللاَّتِى دَخَلْتُمْ بِهِنَّ}، صرح به لئلا تقاس الربائب على أمهات النساء فى مطلق الحرمة بالفقد، وقد مر ما يلحق بالدخول، روى أن عمراً خلا بجارية له فجردها واستوهبها ابنٌ له فقال: إنها لا تحل لك، وعن مسروق أنه أمر أن تباع جاريته بعد موته، وقال: إنى لم أصب منها إلا ما يحرمها على ولدى من اللمس والنظر. وعن الحسن فى الرجل يملك الأمة فيغمزها لشهوة أو يقبلها أو يكشفها أنها لا تحل لولده بحال، قال حماد بن أبى سليمان وعطاء: إذا نظر إلى فرج امرأة فلا ينكح أمها ولا ابنتها، وعن الأوزاعى: إذا دخل فعراها ولمسها بيده أو غلق الباب، وأرخى الستر فلا يحل له نكاح ابنتها، وهكذا عندنا، وعن ابن عباس وطاووس وعمرو بن دينار: إن التحريم لا يقع إلا بالجماع وحده.
{وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ}: أى أزواج أبنائكم، سميت الزوجة حليلة والزوج حليلا، لأن كلا منهما يحل الآخر، فلذلك من الحلال ضده الحرام، وقيل: لأن كلا يحل حيث حل الآخر لأنهما يسكنان معاً، ويحلان معاً فى ثوب واحد فذلك من الحلول، فى موضع بمعنى النزول فيه، وقيل: لأن كل واحد يحل إزار الآخر، فذلك من الحل ضد العقد، والجمهور على الأول، وبه قال الزجاجى.
{الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ}: بلا واسطة، أو بواسطة ابن أو ابنة ولو سفلا، فلا يحل لك زوجة ابنك، أو زوجة ابن بنتك، أو زوجة ابن بنت إبنك، أو زوجة ابن ابن بنتك، وهكذا. وخرج بقوله: {مِنْ أَصْلاَبِكُمْ} المتبنى وهو الذى يتخذه الرجل ابناً، وهو ابن لغيره، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج زوجة زيد بن حارثة مع أنه قد تبنى زيد بن حارثة، فقال المشركون: تزوج زوجة ابنه، فنزل:
{ وما جعل أدعياءكم أبناءكم } وقال: { لئلا يكون على المؤمنين حرج فى أزواج أدعيائهم } وهو زينب بنت جحش، بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب جد النبى صلى الله عليه وسلم، فهى بنت عمته صلى الله عليه وسلم، قيل: كانت زوجة المتبنى حراماً على متبنيه، ثم نسخ التحريم، والتحقيق عندى أن التبنى شئ فعلوه، ولم ينزل فيه شئ فى حل زوجة المتنبى ولا حرمتها، ثم نزل الحل، ويدل لهذا قوله تعالى: { ذلكم قولكم بأفواهكم } ولو كان ذلك ثم نسخ لم يقل الله تعالى { ذلكم قولكم بأفواهكم
}
}. {وَأَنْ تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأخْتَيْنِ}: الفعل فى تأويل مصدر مرفوع معطوف على أمهاتكم، أو على حلائل أبنائكم، والأول أولى: أى أمهاتكم وجمعكم بين الأختين، وجميع هؤلاء المحرمات سواء فيهن النكاح والتسرى، أو إحداهما بالنكاح والأخرى بالتسرى، وذلك قول الجمهور ومنهم على، وهو الصحيح. قال مسروق: يحرم من الإماء ما يحرم من الحرائر، وذكر بعض: أن رجلا أسلم من الشرك، وعنده أختان بالتسرى، فأمره أن يفارق إحداهما، وفى رواية: أن يطلق إحداهما، وسئل ابن مسعود عن الأختين الأمتين يطؤهما الرجل يملك اليمين؟ فقال: لا، فقيل له: يقول الله { وما ملكت أيمانكم } فقال: يعيركم مما ملكت يمينك، يشير إلى بلادة السائل ويزجره، وكانت عند ابن عمر أختان فوطئ إحداهما ولم يطأ الأخرى، حتى خرجت الأولى من ملكه، أى أبى من ذلك حتى تخرج لأنه لا يحل الجمع وعن الحسن: لا يطأ الأخرى حتى تخرج الأولى من ملكه، قال مالك: له أيطاء أيتهما شاء، والكف عن الأخرى، موكول إلى أمانته، فإن أراد وطء الأخرى لزمه أن يحرم فرج الأولى بعتق أو كتابة أو غير ذلك، والآية دلت على ذلك إذ قال {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُم} ولم يقل تزوج أمهاتكم فالمراد، والله أعلم، وطء أمهاتكم والعطف على الأمهات أو شىء على شىء، وحكم المعطوف حكم المعطوف عليه، بل المراد تحريم التلذذ، ولو بدون الوطء، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "ما اجتمع الحلال والحرام إلا غلب الحرام" فقوله تعالى: { أو ما ملكت أيمانكم } تحلل الجمع بالتسرى أو به وبالنكاح، وقوله {وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأخْتَيْنِ} يحرمه فليغلب الحرام، والحق فى التقرير أن نقول: إن ما ملكت أيمانكم عام، وتخصيص المحرمات خاص، فليغلب الخاص، وهو تحريم الجمع، وأجاز عثمان جمع الأختين بالتسرى، ومثله أيضاً جمعهما إحداهما به وأخرى بالنكاح، قال قبيصة بن أبى ذؤيب: إن رجلا سأل عثمان بن عفان عن أختين مملوكتين لرجل هل يجمع بينهما؟ فقال: أحلتهما آية، وحرمتهما آية، وأما أما فلا أحب أن أمنع ذلك فخرج عن عنده فلقى رجلا من الصحابة فسأله عن ذلك فقال: أما أنا فلو كان لى من الأمر شىء لم أجد أحداً فعل ذلك إلا جعلته نكالا. روى مالك: ذلك فى الموطأ قال ابن شهاب: أراه على بن أبى طالب، يعنى الرجل الذى لقى وجزم القاضى أن عثمان رجح آية التحليل، وعلى آية التحريم، وأن مذهبه أصح. قال مالك: بلغنى عن الزبير بن العوام مثلما قال على، وروى أنه سئل على عن ذلك فقال: أحلتها آية وحرمتها آية، وأنا أنهى نفسى وولدى عنها.
{إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ}: من الجمع بينهما، فإنه لا إثم فيه، لكن تجب المفارقة بعد نزول الآية، أى لكن ما قد سلف لا إثم فيه، فالاستثناء منقطع وباعتبار أن الإثم قد تضمنه النهى يكون الاستثناء متصلا على حد ما مر قيل: كل هذه المحرمات تعرفها الجاهلية إلى نكاح امرأة الأب، والجمع بين الأختين، ولذلك قال فى النوعين {إَلاَّ مَا قَدْ سَلَف} وقيل: إلا ما قد سلف من الجمع فى الجاهلية، فأن عقده صحيح لا يبطل، ولكن يختار أيتهما شاء.
"قال رجل: يا رسول الله أسلمت وتحتى أختان. قال: طلق أيتهما شئت" وفى الحديث "لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها" ومثل ذلك سائر المحارم والضابط أن كل امرأتين بينهما قرابة، أو لبن ولو كان ذلك وبين المرأة لم يجز لك نكاحها، لم يجز لك الجمع بينهما، ومروع ذلك فى شرح النيل، قيل أيضاً: المعنى إلا ما كان من يعقوب عليه السلام، فإنه جمع بين أختين "ليا" أو يهوذا، و"راحيل" أو يوسف عليه السلام واتفقوا على جواز الجمع بين المحرمات بالملك دون النكاح ولا تسر ولا تلذذ بنظر أو مس، ومن تزوج أختين بعقد بطل العقد، وجدد لمن شاء وحرمت من دخل عليها، وإن رتب بطلت الثانية، وقيل: كان ذلك طلاقاً للأولى وحرمت الثانية، وقيل: لا تحرم إلا أن دخل عليها.
{إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً}: ألا ترون أنه لم يعاقب على ما قد سلف، ولم يلزم شيئاً عليه، حتى أنه قد أثبت العقد السالف وأثبت النسب إلا ما يجب من فراق أحدى المحرمتين، واختيار أربع نسوة من أكثر.