التفاسير

< >
عرض

أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ فَمَالِ هَـٰؤُلاۤءِ ٱلْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً
٧٨
-النساء

هميان الزاد إلى دار المعاد

{أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكَكُّم المَوْتُ}: وقرىء يدرككم بالرفع على تقدير فقد يدرككم الموت، أو فأنتم يدرككم، أو تنزيل أينما تكونوا منزلة أينما كنتم، كذا قيل بهذا الأخير جريا على جواز رفع المضارع فى الجواب إهمالا لأداة الشرط عنه، اذا لم تعمل فى لفظ الشرط كقوله: وان أتاه خليل الخ، وهذا قد شهرته فى النحو، ثم تبين لى ضعفه، كيف نبنى القرآن على شعر مع احتمال التأويل أيضا مثل: فهو يقول.
ويجوز أن يكون جواب أينما محذوفا دل عليه: ولا تظلمون فتيلا، أو أغنى عنه فيكون الوقف على تكونوا ويدرككم مستأنف، ولم يرد الزمخشرى بقوله: أينما متصلا بقوله: لا تظلمون أنه متعلق به، فضلا عن أن يلزم خروجه عن الصدر، بل أراد اتصال المعنى، بمعنى أنه يغنى عن جواب أينما، أو يقدر مثله له، أو أنه يتعلق بلا تظلمون فقدر جوابا لها، دل عليه المذكور.
نعم الراجح أن أينما يناسب مواضع الدنيا المعتبرة بالموت، فهو لما بعده لا لما قبله، لضعف قولك: ولا تظلمون فتيلا من ثواب عملكم، أينما تكونوا من مواضع الآخرة، والخطاب لمن له الضمير فى قوله: وقالوا ربنا من المنافقين أو المؤمنين، أو مستأنف فى المنافقين القائلين فى شأن أحد، لو كانوا عندنا ما ماتوا ولا قتلوا، واذا كان الموت لا بد منه فلأن يموت الانسان شهيدا خير من أن تموت غير شهيد.
{وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ}: أى فى حصون ظاهرة لعلوها. من برج بمعنى ظهر، هذا قول الجمهور، وعن قتادة البروج القصور المحصنة، وقيل: البرج فى الأصل البيت على طرف القصر.
{مُّشَيَّدَةٍ}: أى مرفوعة أو مطلية بالشيد وهو الجير، قال مجاهد: كان ممن قبلكم امرأة، وكان لها أجير، فولدت جارية، فقالت لأجيرها: يقتبس لنا نارا، فخرج فوجد بالباب رجلا، فقال له الرجل: ما ولدت هذه المرأة؟ قال: جارية. قال: أما أن هذه الجارية لا تموت حتى تزنى بمائة، ويتزوجها أجيرها، ويكون موتها بالعنكبوت، فقال الأجير فى نفسه: فأنا لا أريد هذه بعد أن تفجر بمائة، لأقتلنها، فأخذ شفرة فدخل فشق بطن الصبية، وخرج على عقبه وركب البحر.
وخيط بطن الصبية، فبرئت وشبت، فكانت تزنى، فأتت ساحلا من سواحل البحر، فأقامت عليه تزنى، ولبثت ما شاء الله، ثم قدم ذلك الرجل الساحل وله مال كثير، فقال لامرأة من أهل الساحل: اطلبى لى امرأة من القرية أتزوجها، فقالت: ها هنا امرأة من أجمل النساء، ولكنها تفجر، فقال: ائتنى بها فأتيتها فقالت: إنى قد تركت الفجور: ولكن إن أراد تزوجته فتزوجها الرجل، فوقعت منه موقعا حسنا، فبينما هو يوما عندها اذا اخبرها بأمره، فقالت: أنا تلك الجارية، فأرته الشق الذى فى بطنها وقالت: قد كنت أفجر فما أدرى أبمائة أو أكثر.
قال: فان الرجل قال لى: يكون موتها بالعنكبوت فبنى لها برجا فى الصحراء وشيده، فبينما هى يوما فى ذلك البرج، إذ عنكبوت فى السقف، فقالت: هذا يقتلنى لا يقتله أحد غيرى، فحركته فسقط، فاتت فوضعت ابهام رجلها عليه فشدخته، وساخ سمه بين ظفرها ولحم الأصبع، فاسودت رجلها فماتت، وفى ذلك نزلت هذه الآية:{أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ المَوْتُ وَلَوْ كُنتُم فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ}.
وعن ابن مسعود رضى الله عنه
: "نام رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصير، فقام وقد أثر فى جنبه، فقلنا: يا رسول الله لو اتخذنا لك، فقال:ما لى وللدنيا ما أنا فى الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها" .
{وَإِن تُصِبْهُمْ}: أى المنافقين.
{حَسَنَةٌ}: ما يحسن فى الطبع من خير الدنيا، كخصب وصلاح الغلة وكثرتها، والرخص، وربح ونصر وغنيمة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
{يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِندِ اللهِ}: ولا يقولون هى من عند الله بسببك يا محمد وبركتك.
{وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ}: ما يكره طبعا كفساد الغلة، وغلاء السعر، كجدب وخسارة، وعدم النصر والغنيمة ومرض وبلاء.
{يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِكَ}: يا محمد جئت بها أنت لشؤمك، وهذا كما قاله الله عن اليهود:
{ وان تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه } قال عن قوم صالح: { قالوا اطيرنا بك وبمن معك } وقيل: الآية فى اليهود، تشاءمت برسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا منذ دخل المدينة نقصت ثمارها، وغلت أسعارها، فرد الله عليهم.
ويعترض بأن اليهود لا يدخلون فى قوله:
{ وقالوا ربنا لما كتبت علينا القتال } إلا أن قالوه فى زمان موسى عليه السلام، ولا فيما قبل تلك الآية.
قال الثعالبى: ليست الآية فى المؤمنين، لأنهم لا يليق بهم هذه المقالة ولا فى اليهود، لأنهم لم يكونوا للنبى صلى الله عليه وسلم تحت أمر فيصيبهم بسببه السوء انتهى، ولا يخفى أنه يمكن لهم ـ لعنهم الله ـ أن يتشاءموا به، ولو لم يكونوا له صلى الله عليه وسلم تحت أمر، ولو لم يكذبوا فى اصابة السيئة، كلما أصابتهم السيئة، لأن الله جل وعلا قال: {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} كما قال: {وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ} ووافق أنه بعد قدومه صلى الله عليه وسلم أصابهم بسبب ذنوبهم بعض القحط، وغلاء السعر، وقد قيل: الآية فى المنافقين، وأن الحسنة الظفر، والغنيمة يوم بدر، والسيئة القتل والهزيمة يوم أحد، ولهذه الروايات مع أن الحسنة التى هى العمل الصالح لا يقال فيها أصابتنى، بل أصابتها مثلهم، وكذا السيئة، ثم تحمل الحسنة والسيئة على العمل الصالح والذنب، ورد الله عز وجل عليهم بقوله:
{قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللهِ فَمَالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا مَّآ أصَابَكَ} يا انسان.