التفاسير

< >
عرض

وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَ جَنَّٰتٍ مَّعْرُوشَٰتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَٰتٍ وَٱلنَّخْلَ وَٱلزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَٰبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَٰبِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ
١٤١
-الأنعام

هميان الزاد إلى دار المعاد

{وهُو الَّذى أنشَأ} خلق بإبداع {جنَّات} من بين الكروم {مَعْروشَاتٍ} مرفوعات الكروم على بناء يبنى لها، أو على نحو خشب تغرز أو تمدها فتكون عليها {وغيرَ معْروشاتٍ} غير مرفوعات لم يبن لها ذلك، ولم يغرز فتكون منبسطة على الأرض، يقال عرّشت الكرم أعرشه بالتخفيف وبالتشديد إذا جعلته عريشا، أى سقفاً على ما غرز له أو بنى، أو رفعته على سقف سابق، واعترش الكرم صار عريشاً على غيره أى سقفاً، أو على سقف فالجنات المعروشات، وغير المعروشات، كلها من الكروم، وذلك قول الضحاك ومجاهد، ويسمى الكرم عريشاً.
وقال ابن عباس والكلبى: المعروشات كل ما ينفرش على الأرض ولا ساق له، فيكون كسقف عليها كالكروم والقرع والبطيخ، وفيه نظر، فإنهُ لا يعهد نحو نبات القرع والبطيخ فى جنات، وغير المعروشات ما لا يكون كالسقف على الأرض، لأن له ساقاً يرفعه كالنخل والزرع وغير ذلك، ونسب أيضا لابن عباس القول الأول، وقيل: المعروشات ما من شأنه أن يعرش عرش أو لم يعرش وهو ما فى البساتين المتخذة عند القرى والأمصار من الكروم وغيرها، وغير المعروشات ما كان فى البرارى والجبال من الكروم وغيره، فإنهُ لمن شأنه أن لا يعرش، وفيه نظر، لأنهُ لا تعهد تسمية الشجرة الواحدة أو اثنين جنة، ولا تعهد الكثرة والاتصال فى البرارى إلا أن يعد شجر البرارى المثمرة، وقيل: المعروشات الكروم، وغير المعروشات ما ينبت على الأرض ينبسط عليها.
{والنَّخل والزَّرع} ذكرهما بالعطف على الجنات إذا لم يدخلا فى المعروشات وغير المعروشات وعلى دخولهما، فذكرهما لأنهما المقصود الأصلى، وكذا ذكر الزيتون والرمان والزرع وكلما يحرث كالبر والشعير ونحوهما، وكاللفت والجزر ونحوهما.
{مُخْتلفاً أُكُلُه} حلاوة وحموضة، وجودة ورداءة، وهيئة وقدرا ولونا، والهاء للزرع والنخل وغيرهما، بتأويل ما ذكر، ولذلك أفرد، أو أفرد باعتبار فرد فرد على العموم البدلى، أى أكل كل واحد أو الهاء لأقرب مذكور وهو الزرع، ويعلم الباقى بالقياس عليه، قيل: أو للنخل والباقى يحمل عليه، واختص لأنه أول بالنسبة للزرع، فهو كالعمدة مع فصله عما بعده، ومختلفا حال مما عادت إليه هاء أكله وهى مقدرة لا مقارنة، لأنه حال لأنشأ ليس فيه ما يؤكل، فضلا عن أن يختلف هذا الذى يؤكل، والأكل بضم الهمزة ما يؤكل وهو ثماره، لكن الضم منقول عندنا للتنوين.
{والزَّيتُون والرُّمان مُتشابهاً وغيرَ مُتشابهٍ} يتشابه بعضه مع بعض، ولا يتشابه بعضه مع الآخر لوناً وطعماً، وقدراً وهيئة، وورقاً وثمراً، ومر كلام فى ذلك عند قوله:
{ وهو الذى أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات } الآية فإن هذه الآية وتلك سواء ذكر فيهما أنواعاً خسمة، ولكن اختلف الترتيب بينهما، ذكر هنالك الحب والنخل أولا لكونهما العمدة، وذكر هنا العنب أولا لكونه ألذ مع ما زاد من تطريته بتنويعه إلى معروش وغيره، إذا قلنا: إنه العنب، وذكر هنا متشابهاً مرتين، وهنالك الأول مشْتبها، والأخير متشابها لزيادة التأكيد هنا، فإن متفاعلا أبلغ من مفتعل، لأن التفاعل للمسابقة أظهر، وما للمسابقة يشتد التفاوت فيه، واختص المبالغة بما هنا لأنه ثانٍ بالنسبة لما هنالك، وهكذا كان مترفاً تزداد تشديداً وكالمبالغة بثم فى قوله: { كلا سوف تعلمون* ثم كلا سوف تعلمون } دالة على ازدياد الإنذار والتشديد فيه، وقال هنالك: { انظروا إلى ثمره } قصداً للاستدلال على الوجود والوحدانية والقدرة التامة، فالآية سبقت فى ذلك وقال هنا.
{كلُوا من ثَمره إذا أثمرَ} وقرئ بضم الثاء والميم قصداً إلى ذكر الانتفاع والامتنان به، والدلالة على وجود الله، والقدرة التامة والوحدانية أحق بالتقديم، لأن هذا هو المقصود بالذات، أعنى ما ذكرته من الوجود والقدرة والوحدانية، وهاء ثمره كهاء أكله، ومعنى الأمر بالأكل من ثمره الأمر بالأكل منه، ولو لم يدرك، أو إباحة الأكل منه، ولو قيل إيتاء حقه دفعاً لما يتوهم من تحريم الأكل منه، لأن فيه حقا لأهله وهم المساكين، وضمير أثمر عائد إلى ما عادت إليه الهاء لا إلى ثمره، أى كلوا من ثمره إذا أخرج ثماراً، وقد يعود إلى ثمره على معنى الإدراك، أى إذا كمل ذلك الثمر بأن أدرك، كما ضيقوا على أنفسهم بتحريم البحائر ونحوها، وتحريم نصيب من الحرث والأنعام يجعلونه للأصنام وغير ذلك، ويكون الأمر للإرشاد إذا كان أثمر بمعنى كمل ثمره بأن أدرك.
{وآتُوا حقَّه يَوم حَصَاده} أوصلوا حقه الواجب فيه إلى أهه أعطوهم إياه وهم المساكين يوم قطعه، والحصاد فى الآية أصل لقطع ثمر النخل وحقه والزكاة إذا بلغ ثمره خمسة أو ساق كما بينته السنة، وكان الحب ثمراً أو براً أو شعيراً أو زبيباً أو ذرة أو سلتاً كما جاءت الآثار عندنا، وقيل: بالزكاة فى جميع الحبوب والثمار حتى الرمان والزيتون والتين والفول، بتقدم عموم الجنات، وعموم الزرع، وقيل: بوجوب الزكاة ولو فى القليل لعموم الآية، وليس كذلك، لأن السنة قد بينت.
ومنها ما روى أنه صلى الله عليه وسلم بعث معاذاً إلى اليمن فأمره أن يأخذ الزكاة من التمر والزبيب والبر والشعير والذرة ودخل السلت، أما فى البر أو الشعير فقال صلى الله عليه وسلم:
"ليس فى الخضروات زكاة" وذلك الحق هو العشر فيما يسقى بلا علاج، ونصفه فيما يسقى كالسقى على الناضح وغيره من الدواب، وكالسقى بالدولاب والبابور، ويعتبر الفرض يوم الحصاد، فكلما حصد وجب فيه إذا جمع عرمة أو عرمات فلا يأكل منه إلا بحساب، ولكن إن ضاع قبل الدوس والتصفية بلا تضييع لم تغرم فيه، وإن جف ونقص عن النصاب وجبت بالقدر الذى هو حال الحصاد، وذلك يوجب تحزيراً كما قيل أيضا: تجب إذا أدركت فلا يأكل فى هذا القول إذا أدركت إلا بحساب، وقيل: تجب بالإدراك ويؤدى على الموجود فقط إذا دوس إذا أمرنا بالأكل منه إباحة وأمرنا بالإعطاء منه إذا حصد، وذلك على الإمكان منه ما يمكن الإعطاء، والكيل منه بمجرد القطع كالتمر.
ومنه ما يحتاج للتصفية، وعلى هذا فقال: {يوم حصاده} تعجيلا وإنشاطا وترغيبا، ولقربه حينئذ من التصفية، فيوم بمعنى زمان، ووقت حصاده وتصفيته زمان واحد متصل يحمل الإعطاء على قدر الإمكان وهو يمكن إذا صفى، ومسائل الزكاة مبسوطة فى الفقه، وحمل الآية على الزكاة الواجبة المعهودة هو قول ابن عباس، وأنس، وطاووس، والحسن، وجابر بن زيد، وسعيد بن المسيب، ومحمد بن الحنفية، وقتادة.
والزكاة مشروعة فى المدينة، ففى هذا القول نزلت هذه الآية فى المدينة، وجعلت فى هذا الموضع من الأنعام وهى محكمة، وقيل: ليست الآية فى الزكاة المذكورة، بل المراد صدقة واجبة فى مكة عند الحصاد لا قبله، ولا يؤخر فنسخت بآية الزكاة، وعن ابن عباس: نسخت آية الزكاة كل صدقة فى القرآن، فإن كانت هذه غير الزكاة فقد نسخت بأول آية نزلت فى الزكاة، وإن كانت هذه فى الزكاة فهى ناسخة لكل صدقة غير الزكاة.
وقيل: إن هذه غير الزكاة الواجبة المعهودة الآن، وإنما غير واجبة، فليست منسوخة بالزكاة، بل بقى استحبابها، وبه قال سعيد بن المسيب فى رواية عنه، وهو قول مجاهد قال: إذا حصدت فحضرك المساكين فاطرح لهم منه شيئا قبل لقط السنبل، فإذا دوسته وذريته فاطرح لهم منه، وإذا عرفت كيله فاعزل زكاته عشره أو نصف عشره، وهذا بيان الحق المندوب إليه، وكذا بيانه على القول بأنه حق واجب غير الزكاة، فإنه هو الذى ذكره من الطرح فى الوقتين، ولكن لفظ الحق أنسب بالوجوب فقد وجب، ثم نسخ بالزكاة، وأنسب بأن يكون هو الزكاة، لكن يضعفه لزوم إيجابه فى كل ما يخرجه، وفى كل غلات الشجر المتخذ حتى الرمان.
وقيل فى بيان الحق المذكور: إنه غير الزكاة واجبا أو مندوبا إليه على القولين أنه إطعام من حضرك، وترك ما سقط من الزروع والتمر لمن يلقطه، وهو رواية عن الحسن، وعطاء، ومجاهد، وحماد، وعن ربيعة: هو السنبل، وعن مجاهد: كانوا يلقون العذق عند الصرام فيأكل منه من مر، وقيل: كان أهل المدينة إذا صرموا النخل يجيئون بالعذق فيعلقونه فى جانب المسجد فيضربه بعصاه، فما سقط أكله، واتفقوا أن لا واجب من ذلك بعد نزول الزكاة، قال صلى الله عليه وسلم للأعرابى القائل بعد ذكر الزكاة: هل علىَّ غير ذلك؟ قال:
"لا إلا أن تطوع" والحديث فى صحيح الربيع بن حبيب، وقرأ غير الأخوين والحرمين بفتح حاء حصاده وذلك لغتان.
{ولا تُسْرفوا} لا تجاوزوا ما حده الشرع بأن تنفقوا فى المعصية ولو قليلا كالنفقة على الصنم، وتحريم نحو البحيرة وسهم الصنم، أو تضيعوا أو تمنعوا الزكاة أو بعضها، أو يأخذ السلطان الزكاة مما لم تجب فيه، أو يأخذ أكثر مما وجب، أو يعطوا ما لهم ويبقوا يتكففون الناس، أو يحتاج عيالهم:
{ ولا تبسطها كل البسط } قال سفيان: ما أنفقت فى غير طاعة الله فهو سرف ولو قليل، قال مجاهد: لو أنفقت درهماً أو مداً فى معصية الله كنت مسرفاً، قالا: وما أنفقت فى طاعة الله فلا سرف ولو كان أباقبيس ذهبا إذا أبقى لنفسه ولعياله.
ولما صرم ثابت بن قيس بن شماس خمسمائة نخلة فقسمها فى يوم واحد، ولم يترك لأهله شيئا، نزلت فيه: {ولا تسرفوا} فهى مدنية، ولعله فعل ذلك، وقرأ له رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: {ولا تسرفوا} وذلك لأنه لم يترك لعياله، وكذا قال السدى: الإسراف أن تعطى مالك وتقعد فقيراً، قال الزجاج: إن أعطى ولم يوصل لعياله شيئاً فقد أسرف، وقد جاء فى الحديث: "ابدأ بمن تعول" وعن سعيد: الإسراف هنا منع الزكاة لأنه مجاوزة الحد.
{إنَّه لا يحبُّ المسْرفينَ} لا يعد لهم ما يعد الحبيب لحبيبه، بل يعاقبهم إذ لم يرض عن إسرافهم.