التفاسير

< >
عرض

ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ تَمَاماً عَلَى ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ
١٥٤
-الأنعام

هميان الزاد إلى دار المعاد

{ثم آتيْنا مُوسَى الكِتَاب} عطف على وصَّاكم وثم، إما بمعنى الواو مجازاً استعمالا للمقيد فى المطلق، وإما باقية على التراخى، وفيه وجهان: الأول: أن التراخى باعتبار الإخبار أى وبعد ذلك أخبركم أنا أتينا موسى.
والثانى: تراخى الرتبة، أى ذلك وصاكم به قديما وحديثا من لدن آدم، وأعظم من ذلك أنا آتينا موسى الكتاب متضمنا لتصديقك فيما قلت يا محمد من ذلك وغيره، ويجوز أن يكون للتراخى الزمانى، وفيه وجهان:
الوجه الأول: أن بعطف قول ناصب لقوله: {آتينا موسى} إلى {يؤمنون} بثم على قل من قوله: {قل تعالوا} أى ثم قل عنَّا يا محمد آتينا موسى، وإنما قدرت القول للطول، ولك أن لا تقدره بل تعطف ما بعد ثم على محكى القول الأول.
الوجه الثانى: أن يجعل الخطاب فى وصَّاكم لبنى آدم مطلق كلهم وآدم، أو لمن فى زمان النبى صلى الله عليه وسلم، على أن تكون توصيتهم على عهد آدم عليه السلام فى جملة من وصى على ما مرّ من أن ذلك كله مما وصى به آدم وأولاده إلى يوم القيامة، فتكون التوصية به متقدمة من لدن آدم، وآتينا موسى الكتاب متأخر الزمان متراخ.
وأغرب من قال معطوف له إسحاق قبل انتصاف السورة والكتاب التوراة.
{تماماً} مفعول من أجله وهو اسم مصدر، ومعناه الإتمام وفاعل الإتمام هو الله تعالى فيتحدد فاعله وفاعل ناصبه وهو الفاعل فى آتينا، ولو جعلناه بظاهره صدر تم الثلاثى، لكان فاعله الكتاب، أو مصدر مفعول مطلق أى تم الكتاب تماما، أو حال من الكتاب أى ذا تمام أو تاما أو هو نفس التمام مبالغة أو اسم مصدر حال من نا، أى ذوى تمام أو متمين أو هو مفعول مطلق لآتينا، لأن إيتاء موسى الكتاب إتمام.
{على الَّذى أحْسَن} أى عليه، أى على موسى، فوضع الظاهر وهو الذى موضع الضمير ليصفه بالإحسان، أى أحسن فى قوله واعتقاده وعمله وتبليغه الرسالة.
وقال مجاهد: الذى للجنس كأنه قيل: على من أحسن، أو الفريق الذى أحسن، ويدل له قراءة ابن مسعود: على الذين أحسنوا أى إتماما للكرامة على موسى، أو على كل من أحسن فى عمله من قومه، أو مطلقا مَنْ، ويجوز وقوع الذى على العلم، فالرابط محذوف لا الضمير المستتر فى هذا الوجه، أى على العلم الذى أحسنه، أى أجاده، أى زيادة على علمه بالشرائع، وقيل: الذى حرف مصدر، أى على إحسان موسى، أو على إحسان الله، ولا نسلم مصدرية الذى، وقرأ يحيى بن يعمر: أحسنُ بالرفع، فيكون اسم تفضيل خبر المحذوف، وهو صدر صلة حذف صدر صلة، غير أنى بلا طول على القلة، أى الذى هو أحسن، والذى فى هذا الوجه واقع على الذين، أو على الوجه، فيكون تماماً على الذين الذى هو احسن، أو تاماً على الوجه الذى هو أحسن ما تكون عليه الكتب، وهذا الأخير هو معنى قول الكلبى: أتم له الكتاب على أحسنه وتفضيل دين موسى أو كتابه إنما هو بالنسبة إلى غير سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، بل دين الأنبياء كلهم دين الإسلام.
{وتَفْصيلا لِكلِّ شئٍ} يحتاج إليه فى الدين لا لكل شئ مطلقا، وهو معطوف على تماما، أى ولأجل التفصيل أو ومفصلين أو وفصَّلنا تفصيلا، وكذا العطف فى قوله: {وهدًى ورحْمةً} أى هدى من الضلالة وإنعاماً {لَعلَّهم} أى لعل بنى إسرائيل كما دل عليه موسى وكتابه {بلقَاءِ ربِّهم} بالبعث للجزاء.
{يُؤْمنُونَ}