التفاسير

< >
عرض

وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوۤءًا بِجَهَٰلَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٥٤
-الأنعام

هميان الزاد إلى دار المعاد

{وإذا جاءكَ الَّذينَ يؤمنُون بآياتنا} هم هؤلاء الضعفاء المؤمنون الذين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن طردهم، فقل: سلام عليكم، قال خبَّاب بن الأرتّ: لما نزلت: {وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا} كنا إذا أتينا النبى صلى الله عليه وسلم قال: {سلام عليكم} ولفظه خبر، ومعناه دعا لهم بالسلامة من عذاب الدنيا والآخرة، ويجوز أن يكون خبرا لفظا ومعنى بمعنى سلام عليكم أى قد ذكرهم الله بخير، أو سلمكم من عذاب الآخرة، كذلك قال عكرمة: نزلت فى الذين نهى الله نبيه صلى الله عليه وسلم عن طردهم، فكان صلى الله عليه وسلم إذا رآهم بدأهم بالسلام، وقال عكرمة: نزلت فى أبى بكر وعمر، وعثمان وعلى، وبلال وسالم بن أبى عبيدة، ومصعب بن عمير، وحمزة وجعفر، وعثمان بن مظعون، وعمار بن ياسر، والأرقم بن أبى الأرقم، وأبى سلمة ابن عبد الأسد.
وقيل: إن قوماً جاءوا إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا أصبنا ذنوباً عظاماً، فلم يرد عليهم شيئاً فنزلت، وقيل: إن الآية على إطلاقها فى كل مؤمن، وهو أنسب بما شهر وأجمعوا عليه أن السورة نزلت جملة، فكيف يقال: كان كذا فنزل فيه من سورة الأنعام كذا، اللهم إلا أن يقال: نزل جبريل بتلاوة الآية فى شأن كذا، ونزل بتلاوتها فى شأن كذا، يذكره صلى الله عليه وسلم ويقول له: احكم بما فيه فى شأن كذا، ولم ينزل بها لتكتب مرة أخرى وتتلى مكررة، بل كفى نزولها مرة واحدة أولا، ومن قال بعمومها أبو العالية، قال خالد بن دينار: كنا إذا دخلنا على أبى العالية قال: {وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا} الآية يتأولها عامة فكان يستعملها مع أصحابه.
{كتَبَ ربُّكم عَلى نَفْسه الرَّحْمة} وعد لكم الرحمة فى الأزل ولا تتخلف كما يجب أن لا يترك أحد ما فرض عليه، والله أوفى من وعد، ولا يخلف الميعاد، والرحمة فضل منه، ولا واجب عليه، فشبه وعده بما فرض فقال: {كتب ربكم على نفسه} وقيل كتب فى اللوح المحفوظ، وهذا من كلام الله الذى أمر رسوله أن يقوله لهم، كأنه قيل: فقل سلام عليكم، وقل كتب ربكم على نفسه الرحمة، وقيل قوله: {كتب ربكم} إلخ ليس من مقول قل، بل كلام مستأنف من الله، خاطب به المؤمنين، ونفس الله ذاته الواجب الوجود، الذى ليس بجسم، كما أنه ليس بعرض ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شئ.
{أنه مَن عَملَ منْكُم سوءًا بجهالةٍ} بفتح الهمزة على أن المصدر من جملة خبرها وهو اسم الشرط، وجملة الشرط والجواب بدل من الرحمة، وذلك قراءة نافع وابن عامر وعاصم ويعقوب، وقرأ الباقون بكسر الهمزة على الاستئناف، والهاء فى أنه ضمير الشأن، والمراد بالجهالة فعل الجهل، فإن شأن المحرم لا يفعله إلا من لم يعلم بتحريمه، أى عمل منكم سوءاً، أى ذنباً بفعل الجهالة، ففى هذا التقدير تكون الباء للتصوير، صور عمل السوء بفعل الوارد بالجهالة الاقتراف الذى لا يجوز، والسوء مطلق ما لا يحسن بقطع النظر عن كونه ذنباً، فيعلم أنه ذنب من قوله: {بجهالة} وسواء كان الاقتراف مع عدم العلم بالتحريم، أو مع العلم به، فمن الأولى ما مر عن عمر رضى الله عنه من أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو فعلت ذلك حتى ننظر، أو أراد بالجهالة جهل ما يتبعه من المفاسد الدينية فى الدنيا.
ومنه أيضا ما مر عن عمر رضى الله عنه أو جهل العقاب، فإن من لم يعلم بالعقاب أصلا ومن علم به، ولم يكن علمه تحقيقاً حتى يمنعه عن ارتكاب موجبه، سواء فى فقد تحقيق ذلك العلم، وكذا عدم العلم بما يفوت من الثواب، أو عدم تحقيقه، وأما أن يراد بالجهالة الجهل فى التحريم، وتنزيل من لم يجهل، لكنه يكون بمنزلة من جهل فى عدم الانتهاء عن الحرام، فهو جمع بين الحقيقة والمجاز، وفيه خلاف إلا أن يحمل على عموم المجاز، وبالوجه الثانى الذى هو أن الجهالة اقتراف ما حرم ولو مع علم، يقول مجاهد: إذ قال من الجهالة إذ لا يعلم حلالا من حرام، ومن جهالته أن يركب الأمر، وعنه من عمل ذنباً أو خطيئة فهو بها جاهل، ومن الجهالة بمعنى عمدها لا يجوز ولو مع علم، وقوله صلى الله عليه وسلم:
"اللهم إنى أعوذ بك أن أجهل أو يجهل علىَّ" وقول الشاعر:

ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا

وقول الشاعر:

على أنها قالت عشية زرتها جهلت على عمد ولم

وعن الحسن: كل من عمل معصية فهو جاهل، وقيل: إنه بمعنى جاهل بما فاته من الثواب، وما استحقه من العقاب، وبقدر من عصاه، وليس هذا التأويل كافياً فى كلام الحسن، لأنه يعمل سوءاً وهو عالم أيضا بما فات، وبالعقاب أو بقدر من عصاه، إلا أنه لم يرسخ، والباء تتعلق بعمل، أى مع جهالة أو بسببها أو بمحذوف من حال أى ملتبسا بجهالة.
{ثمَّ تابَ مِنْ بَعْدِه} من بعد العمل أو من بعد السوء {وأصْلَح} عمله فى المستقبل، أو أصلح ما أفسد، أو أنى بصالح العمل لما بعد، فالأول فى المشرك والموحد الذى فعل ما يكفى فيه الندم والرجوع، والثانى فى موحد فعل ما لزم فيه غرم مال أو نحوه.
{فإنَّه غفورٌ} لذنوبه {رحيمٌ} ينعم عليه بالجنة، والجملة دوام من وقره ابن عامر وعاصم ويعقوب بالفتح، على أن المصدرية مبتدأ محذوف الخبر، أى فله الغفران والرحمة، خوف الغفران والرحمة جزاءه، أو خبر لمحذوف، أى فأمره الغفران والرحمة، أو فجزاؤه الغفران والرحمة.
قال أبو سعيد الخدرى:
"جلست فى عصابة من المهاجرين، وإن بعضهم ليستتر ببعض من العراء، وقارئ يقرأ علينا إذ جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام علينا فسكت القارئ وسلم، قال:ما كنتم تصنعون؟ قلنا: يا رسول الله كان قارئ يقرأ علينا وكنا نسمع إلى كتاب الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحمد لله الذى جعل من أمتى بل أمرت أن أصبر نفسى معهم وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وسطنا ليعدل لنفسه فينا، ثم قال بيده هكذا فتحلقوا، وليس فيهم أنصارى غيرى، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبشروا يا صعاليك المهاجرين بالنوم التام يوم القيامة تدخلون الجنة قبل أغنياء الناس بنصف يوم وذلك خمسمائة عام" .