التفاسير

< >
عرض

فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلطُّوفَانَ وَٱلْجَرَادَ وَٱلْقُمَّلَ وَٱلضَّفَادِعَ وَٱلدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ فَٱسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ
١٣٣
وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ ٱلرِّجْزُ قَالُواْ يٰمُوسَىٰ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا ٱلرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ
١٣٤
-الأعراف

هميان الزاد إلى دار المعاد

{فأرْسَلنا عَليهُم الطُّوفانَ} قال فى عرائس القرآن: قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، وقتادة، ومحمد بن إسحاق وغيرهم: دخل حديث بعض فى بعض لما آمن السحرة وصلبهم عدو الله فرعون، وانصرف موسى وهارون إلى عسكر بنى إسرائيل، أمر فرعون أن يكلف بنى إسرائيل ما لا يطيقونه، وكان الرجل من القبط يجىء إلى الرجل من بنى إسرائيل فيقول له: انطلق معى فاكنس خبثى، أو اعلف دوابى، واستق لى، وتجىء القبطية إلى الكريمة من بنى إسرائيل فتكلفها ما لا تطيق، ولا يطعمونهم شيئا، فإذا انتصف النهار قالوا: اذهبوا فاكسبوا لأنفسكم، ومر ما يخالف هذا فشكوا ذلك لموسى فقال: استعينوا بالله الخ، فقالوا: أوذينا من قبل أن تأتينا الخ كنا نطعم إذا استعملونا ولا يطعمونا الآن، قال: { عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم فى الأرض } يعنى مصر والشام { فينظر كيف تعملون } }. فلما أبى فرعون وقومه إلا التمادى فى الشر والإصرار، دعا موسى ربه وكان حديدا مجاب الدعاء، وكان إذا غضب اشتعلت قلنسوته نارا لشدة غضبه فيما قيل، قال: رب إن عبدك فرعون طغى فى الأرض وعتا عتوا كبيرا، وإن قومه نقضوا عهدك، وأحلفوا وعدك، فخذهم بعقوبة تجعلها لهم نقمة، ولقومى عظة، ولمن بعدهم من الأمم عبرة، فتابع عليهم الآيات: السنين، ونقص الثمرات، والطوفان، وغير ذلك، والطوفان هو كل طافٍ بالشىء وأتى عليه، والمراد هنا الماء من مطر وسيل، كثر عليهم حتى كادوا يهلكون، وكانت بيوت القبط يدخلها الماء حتى يصل إلى صدر القبطى، فلو جلس غرق، ولم يدخل بيوت بنى إسرائيل قطرة وبيوتهم مختلطة ببيوت القبط، وفاض الماء على وجه أرض القبط وحروثهم، فلم يقدروا على الحرث، ولا على عمل شىء، وجهدوا ودام ذلك عليه سبعة أيام من السبت إلى السبت فقالوا لموسى: ادع لنا ربك يكشف عنا هذا البلاء فنؤمن بك، ونرسل معك بنى إسرائيل، فدعا ربه فرفع عنهم الطوفان فلم يؤمنوا، ولم يرسلوا معه بنى إسرائيل، وعادوا إلى شر ما كانوا عليه.
وروى أنهم مطروا ثمانية أيام فى ظلمة شديدة، ولا يرون شما ولا قمرا، ولا يقدر أحد أن يخرج من داره، وبذلك قال ابن عباس، وقال مقاتل: الطوفان ماء طفا فوق حرثهم فأهلكها، وقال الضحاك: الغرق، وقال مجاهد وعطاء: الموت الذريع، وهو رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم روتها عائشة رضى الله عنها، وقيل: الموتان بضم الميم وهو هلاك الدواب.
وعن ابن عباس، والضحاك، ومجاهد: المطر الشديد تولى عليهم حتى هدم بيوتهم وضيق عليهم، وقيل: أفيض النيل عليهم. وعن ابن عباس: مصدر معمى عنى به شىء أطافه الله بهم، يعنى أنه مصدر من طاف يطوف فهو عام فى كل ما يطوف، وعن الأخفش: جمع طوفانة.
وقال وهب: الطوفان الطاعون بلغة اليمن، قيل: أرسل إلى أبكارهم فلم تبق واحدة، وفى الحديث:
"الطاعون رجز أرسل على طائفة من بنى إسرائيل، أو على من كان قبلكم، فإذا سمعتم به فى الأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا فرارا منه" وقال أبو قلابة: الجدرى، ولم يكن قبل ذلك، قيل: صرخ الناس إلى فرعون وخافوا الغرق، فأرسل فرعون إلى موسى فأتاه فقال: يا موسى اكشف عنا هذا فنؤمن ونرسل معك بنى إسرائيل، فدعا فأقلعت السماء وانشقت الأرض ماءها، وأنبتت من الكلأ والزرع ما لم يروا مثله قط فى مطر، فقالوا: لا والله لا نؤمن ولا نرسل بنى إسرائيل، ولقد جزعنا من أمر كان خيرا لنا، فنكثوا وعصوا فأقاموا شهرا فى عافية، ثم بعث الله عليهم الجراد كما قال الله سبحانه:
{والجَرادَ} الواحدة جرادة للمذكر والمؤنث، فأكل عامة زروعهم وثمارهم، وورق الشجر، وأكل الأبواب ومسامير الحديد التى فيها، والسقوف والخشب، والأمتعة والثياب، ابتلاه الله بالجوع، فكان لا يشبع، ولم تصب بنى إسرائيل جرادةٌ وكتب فى صدر كل جرادة جند الله الأعظم، وكثر فيهم حتى ركب بعضه بعضا ذراعا.
وروى
"أن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم يدعو على الجراد ويقول: اللهم اقطع الجراد، اللهم اقطع دابره، اللهم اعقم كباره، وأمت صغاره، وأفسد بيضه، وخذ بأفواهه عن معايشنا وأرزاقنا إنك سميع الدعاء فقيل: كيف تدع على جند من جنود الله بذلك؟ فقال، إنما الجراد نثر حوت من البحر" قال أبو قلابة: حدثنى من رأى الحوت ينثره، وقلَّ الجراد فى سنة من خلافة عمر رضى الله عنه، فأرسل راكبا إلى اليمن، وراكباً إلى الشام، وراكبا إلى العراق، فأتاه الراكب إلى اليمن بقبضة منه فكبر ثلاثا، وقال: خلق الله ألف أمة ستمائة فى البحر وأربعمائة فى البر، وأول أمة تهلك الجراد، فتتابع غيره كالنظام إذا قطع.
وسألت مريم ربها أن يطعمها لحما بلا دم فأطعمها الجراد فقالت: اللهم أعشه بغير رضاع، وتابع بينه بغير شياح، أى صوت. وعن الأوزاعى بيروت رجل صالح راكب على جرادة، عليه خفان طويلان، قال الراوى: أظنه قال أحمران أيضا، يقول: الدنيا باطل ما فيها، ويشير بيده إلى موضع فينساق إليه الجراد، وذلك ملك الجراد، وأقام عليهم سبعة أيام من سبت لسبت، وقيل ثمانية، فضجوا إلى موسى لئن كشفته عنا لنؤمنن ولنرسلنّ معك بنى إسرائيل، وقيل: ضجوا إلى فرعون فأرسل إلى موسى فأتاه فقال: ادع ربك يكشفه عنا نؤمن ونرسل، فدعا فكشف.
وروى أنه خرج إلى الفضاء فأشار بعصاه إلى المشرق والمغرب، فرجع الجراد من حيث جاء وقالوا: قد بقى لنا ما يكفينا من الزرع والثمر، فلا نترك ديننا ولا نرسلهم، وروى أنه بقى لهم ما يقوم به رمقهم، فعادوا إلى شر ما كانوا، وقاموا شهرا فى عافية، فأرسل الله سبحانه عليهم القمل كما قال:
{والقُمَّل} قال ابن عباس، وابن جبير: هو السوس الذى يخرج من الحنطة، كان يخرج أحدهم إلى الرحى عشرة أجرية ولا يرد منها إلا يسيرا، أو روى يخرج عشرة أقفزة فيرد ثلاثة، وروى أن موسى مشى بأمر الله إلى قرية من قرى مصر تسمى عين الشمس، فضرب بعصاه كثيب رمل أعفر بجانبها فانهال، فملأ فأكلُ ما بقى من زرعهم وثمارهم وشجرهم حتى لحس الأرض، ويدخل بين الثوب والجلد، فيعض ويأكل أحدهم طعاما ويمتلئ قملا.
وقال ابن عباس فى رواية، ومجاهد وقتادة والسدى والكلبى: الجراد الذى يثب ولا يطير فهو كما قيل عن قتادة: أولا الجراد، وكما قيل عن على: الجراد التى لا أجنحة له، يعنى لما تنبت ولم يُبق لهم عودا أخضر، وقال أبو عبيدة: صغار القردان، وقيل: كباره، يأكل ويعض، وعن أبى العالية: أرسل صغار القردان على دوابهم فأهلكها، فلم يستطيعوا الميرة، وقال عبد الرحمن بن أسلم: البراغيث، وقال حبيب بن أبى ثابت الجعلان، وقال عطاء الخراسانى: هو القمل بفتح القاف وإسكان الميم كما قرأه الحسن، لزم جلودهم كأنه الجدرى، ومنعهم النوم والقرار، وأخذت أشعارهم وحواجبهم وأشفار عيونهم، ويمتلئ طعامهم، ويبنى أحدهم أسطوانة من جص ويزلقها حتى لا يرقاها شىء، ويجعل عليها طعامه فيجده ممتلئا قملا، وما أصيبوا ببلاء أشد عليهم منه.
وقيل: حيوان صغير جدا أسود، وإن فى أرض مصر منه الآن شيئا، فجزعوا وضجوا، لئن كشف ليؤمنن وليرسلن، وقد قام فيهم سبعة أيام، وقيل ضجوا إلى فرعون، وأرسل إلى موسى مثل ما مر، فدعا فكشف فانتشر إلى أطراف الأرض، ونقضوا العهد، ورجعوا أخبث مما كانوا، وقالوا تحققنا الآن أنه ساحر، حيث جعل الرمل دواب، كيف نؤمن ونرسل وقد أهلك زرعنا وأشجارنا وأموالنا، فماذا يفعل أسوأ من ذلك، لا نؤمن به وعزة فرعون، وبقوا شهرا، وقيل: أربعين يوما فى عافية، فأرسل الله عليهم الضفادع كما قال:
{والضَّفَادِعَ} أوحَى الله سبحانه أن يقوم على ضفة النيل فيغرز عصاه فيه، ويشير بالعصى إلى أدناه وأقصاه وأسفله وأعلاه ففعل، فتداعت له الضفادع بالنقيق من كل جانب، وأسمع بعضها بعضا، وخرجت من النيل كالبحر سراعا نحو باب المدينة، فدخلت عليهم بيوتهم، وامتلأت أفنيتهم وأبنيتهم وأطعمتهم، ولا يكشف أحد ثوبا ولا إناء ولا شرابا إلا وجد فيه ضفادع، وكان الضفدع يراعى ذقن الرجل إذا هم أن يتكلم وثب فيه وينام على فراشه وسريره، فيستيقظ وقد ركبته الضفادع حتى لا يستطيع أن ينصرف للشق الآخر، ولا يعجنون عجينا إلا انشدخت فيه، ولا يطبخون قدرا إلا امتلأت، وكانت تثب فى نيرانهم فتطفيها، وفى طعامهم فتفسده.
وعن عكرمة، عن ابن عباس: كانت الضفادع برية، فلما أرسلها الله على فرعون سمعت وأطاعت، وجعلت تقذف نفسها فى القدور وهى تفور، وفى التنانير وهى مسحورة، أثابها - بحسن طاعتها - برد الماء، وعن ابن جبير: كان الرجل يجلس فى الضفادع إلى ذقنه، وإذا فتح فاه يتكلم أو يأكل وثبت فيه، وضجوا إلى موسى أو إلى فرعون، فأرسل إلى موسى كما مر، وقالوا: هذه المرة لا نعود، فأخذ مواثيقهم وكانت طرقهم ودورهم مملوءة بما مات منها بأرجلهم، فدعا موسى فلحق ما حيى منها بالبحر، وأرسل الله الريح فنقلت عنهم ما مات، وقيل: المطر وقد قامت عليهم من سبت لسبت، وقاموا فى عافية شهرا، وقيل أربعين يوما وقد نقضوا العهد، فأرسل الله سبحانه عليهم الدم كما قال:
{والدَّمَ} صارت مياههم كلها دما، روى أن الله جل جلاله أمر موسى عليه السلام أن يضرب النيل بعصاه ففعل، وسال عليهم دما عبيطا فشكوا إلى فرعون لا شراب لنا إلا الدم، فقال: إنه سحركم فيجتمع الإسرائيلى والقبطى على إناء ماء، فيخرج للقبطى دم وللإسرائيلى ماء، ويأتى القبطى أو القبطية إلى إسرائيلى أو إسرائيلية، يصب من مائه فى القربة، فيصير فى الوعاء دما، ومن فيه فى فمه فيصير فى فم القبطى دما، وكذا المرأة والنيل يسقى الزرع والشجر على حاله، واعترى فرعون العطش، فكان يمص الأشجار فيصير ماؤها، فى فمه دما، وقيل ملحا أجاجا، وقال زيد بن أسلم: الدم الذى سلط عليهم هو الرعاف، وكانوا فى ذلك سبعة أيام من سبت لسبت، وقيل ثمانية، فضجوا إلى موسى أو لفرعون، فأرسل إلى موسى كما مر، فدعا فكشف عنهم ونقضوا، قال كعب: لبث موسى فى آل فرعون سنة بعد ما غلب السحرة يريهم الآيات: الطوفان وما بعده آية بعد أخرى كما قال الله سبحانه:
{آياتٍ} حال من الطوفان وما بعده {مُفَصَّلاتٍ} واحدة بعد أخرى، يقومون فى كل واحدة سبعة أيام، وبينها وبين الأخرى شهر، وقيل ثمانية أيام أو غير ذلك مما مر، وقد قيل قعد فيهم يريهم الآيات عشرين سنة بعد ما أمر السحرة، ووجه الفصل بينهن بالزمان امتحان أحوالهم أيفون أم ينقضون، أو معنى مفصلات مبينات لا يشك عاقل فيها.
{فاسْتَكبرُوا} عن الإيمان {وكانُوا قَوماً مُجْرمين * ولما وَقَعَ عَليهم الرِّجْز} هو العذاب بتلك الآيات، فكأنه قيل: لما وقعت تلك الآيات، وهذا لا يلزم منه أنهم لم يطلبوا الكشف إلا بعد وقوعها كلها، ولكنه أخبر عن نقض العهد الذى هو آخر يترتب عليه إغراقهم، وهذا كما تقول: جاء زيد وقت العصر مع أنه قد جاء وقت الظهر أيضا، ورجع وقرأ ابن محيصن، ومجاهد، وابن جبير: الرجز بضم الراء فى جميع القرآن إلا
{ رجز الشيطان } } { { والرجز فاهجر } فكسرهما ابن محيصن، قال أبو حاتم: رآهما بمثابة النتن الذى يجب التطهر منه، وقال قوم منهم سعيد بن جبير: الرجز الطاعون، وأنه عذاب سادس بعد الخمس، مات به منهم فى اليوم الواحد سبعون ألفا، وروى فى ليلة واحدة، ويجمع بينهما بأن مراد من عبر باليوم هو اليوم العام لليل والنهار، فلم يستطيعوا التدافن.
وروى أن موسى أمر بنى إسرائيل أن يذبحوا كبشا كبشا، ويضمخوا أبوابهم بالدم فرقا بينهم وبين القبط فى نزول العذاب، قال عياض: وهذا ضعيف، وهذه الأخبار وما شاكلها إنما تؤخذ من كتب بنى إسرائيل، فلذلك ضعف، وفى اختصاص هذه الآيات بالقبط مع اختلاط إسرائيليين بهم معجزة عظيمة، وفى توالى هذه المعجزات مع علم الله أنهم لا يؤمنون تقوية العذاب عليهم فى الآخرة حيث لم يؤمنوا بواحدة منهن مع كثرتهن ووضوحهن، وحيث ازدادوا كفرا عند كل واحدة، هذا هو الحق، وزعم بعض أهل السنة أن الجواب فى تواليها، أن الله يفعل ما يشاء ولا يسأل عما يفعل، وكونه يفعل ما يشاء ولا يسأل عما يفعل حق، لكن الجواب به فيه ضعف وقصور، قال ذلك البعض، وأما على قول المعتزلة فى رعاية المصلحة فلعله تعالى علم من قوم فرعون أن بعضهم كان يؤمن بتواليها.
{قالُوا يا موسَى ادْعُ لنا ربَّك بما عَهِدَ عِنْدكَ} ما مصدرية أو اسم موصول، أى بعهده عندك، أو بالذى عهد عندك، وكل من العهد أو الذى عهده النبوة، أو دعاء عهد أن يجيبه إذا دعا به كما أجاب فى مجىء الآيات، أو جمع ما يتوسل به من طاعة ونعمة من الله، أو ما أوصاك أن تدعو به، قال شيخ الإسلام: سميت النبوة عهدا لأن الله عهد أن يكرم النبى وهو عهد أن يستقل باعبائها أو لأن فيها كلفه واختصاصا، كما بين المتعاهدين أو لأن لها حقوقا تحفظ كما يحفظ العهد، أو لأنها كعهد ومنشور يكتب للولاة ا هـ. والياء متعلق بادع، وبمحذوف حال من ضمير ادع، أى متوسلا أو مأتيا بما عهد عندك وجملة: {لَئِن كشفْتَ عنَّا الرِّجْز لنُؤمننَّ لكَ} ننقاد لك مقدر قبلها قسم، ويجوز جعل الباء للقسم، فجوابها فى تلك الجملة.