التفاسير

< >
عرض

فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌ مُّبِينٌ
٢٢
-الأعراف

هميان الزاد إلى دار المعاد

{فدَلاَّهما} أنزلهما من علو إلى أسفل {بغُرورٍ} بكلام غير صحيح متعلق بدلى، أو بمحذوف حال من المستتر فيه، أو من الهاء أو منهما، أى ملتبسا أو ملتبسين بغرور، شبه حالهم بحال من أنزل أحدا من مكان مرتفع جداً بحبل ضعيف بقدمه أو من أصله، فإذا تدلى واستقبل بذلك الحبل انقطع وهلك، وذلك أنه غرهما بكلامه وقسمه، فأنزلهما من رتبهما الشريفة إلى هذه الدنيا المتعبة الموقعة فى المهالك وإلى المعصية، فذلك استعارة تمثيلية، ولا يكاد البلغاء يحملون الكلام على غيرها ما وجدوها، هذا ما ظهر لى وهو أولى من أن تجعل دلى استعارة تبعية، وبغرور ترشيحا أى بحبل غرور أو الغرور هو الحبل نفسه مبالغة فى ضعفه، وعلى كل حال، فالمعنى أنه خدعهما.
قال قتادة: إنما يخدع المؤمن بالله، فإنهما ظنا أن لا يحلف أحد بالله كاذبا كما قالا حين عاتبهما الله، وكان ابن عمر إذا رأى عبدا من عبيده مطيعا لله ومحسنا للصلاة أعتقه، فكان عبيده يفعلون ذلك طلبا للعتق، فقيل له: إنهم يخدعونك، فقال: من خدعنا بالله انخدعنا له، وقال لهما: إنى خلقت قبلكما، وأنا أعلم منكما فاتبعانى أرشدكما.
{فلمَّا ذاقا الشَّجرةَ} الفاء للاستئناف، أو لعطف قصة على أخرى، أو على محذوف أى اتبعاه، فلما ذاقا الشجرة وهى شجرة الحنطة أو التين أو العنب كما مرّ، والذوق الأكل اليسير قدر ما يجدان طعم المأكول وهو المراد بالأكل فى فأكلا منها، وبه استوجبا العقوبة وهى ظهور عورتهما كما قال:
{بَدَتْ لَهما سََوْآتُهما} ظهر لكل منهما قبله ودبر غيره وقبله، بأن انتثر عنهما لباس الجنة، وتمزق بالمعصية، وهو حلة، وقال وهب بن منبه: كان عليهما نور ستر عورتهما، وقال ابن عباس وقتادة: كان لباسهما ظفراً فلما عصيا تقلص عنهما وانكشط ولم يبق منه إلا فيما فى الأصابع والبنان، وإنما بقى ذلك ليتذكرا به المعصية، فيجددان الندم والتوبة كلما رأياه.
{وطَفِقا} شرعا، وقرأ أبو السمال بفتح الفاء {يخْصِفانِ} يرقعان {عَليهما} ورقة فوق ورقة {مِنْ وَرَقِ الجنَّة} ليصير كهيئة الثوب يستران به عورتهما، بادرا بذلك بقبيح انكشاف العورة فى عقليهما، فاعتبروا ذلك وهو ورق التين فيما قيل عن ابن عباس رضى الله عنهما، وقرأ الحسن فيما روى عنه محبوب بتشديد الصاد، والأصل يختصفان، نقلت فتحة التاء للخاء وأبدلت صادا، وأدغمت فى الصاد، وكذا روى عن عبد الله بن بريدة ويعقوب، والمشهور عن الحسن كسر الخاء مع تشديد الصاد، وبذلك قرأ الأعرج ومجاهد، فالأصل يختصفان أيضا، سكنت التاء وقلبت صادا وأدغمت، وكسرت الخاء على أصل التخلص من التقاء الساكنين، أو أصل الخاء الفتح بالنقل كما مر، ثم انكسرت تبعا للصاد.
والمشهور عن عبد الله بن بريدة يخصفان بضم الياء وتشديد الصاد مكسورة وفتح الخاء بينهما من خصف، فبالتشديد للمبالغة، وإن قيل: للتعدية لغير واحد قدر يخصفان أنفسهما كما قدر فى قراءة الزهرى يخصفان بضم الياء وإسكان الخاء وتخفيف الصاد من أخصف.
وبعد فأقول: ما تقرر من أن الفعل لا يعمل فى ضميرين متصلين لمسمى واحد فى غير باب علم وظن وما ألحق بهما محله ما إذا لم يعمل فى أحدهما بواسطة حرف الجر، وإلا جاز مطلقا لكثرته مثل يخصفان عليهما، ويجره إليه، وأمسك عليك، وتأويل الكثير لا يحسن فلا حاجة إلى تقدير يخصفان على أنفسهما وأمسك على نفسك.
{ونَاداهُما ربُّهما} نداء وحى بواسطة عند الجمهور، وأن الكلام بلا واسطة مختص بموسى، وقيل: بلا واسطة، وتخصيص موسى بالنظر إلى من فى الأرض، ووقع ذلك لآدم فى الجنة، قال صلى الله عليه وسلم:
"آدم نبى مكلم" لكن يحتمل أن يريد أنه مكلم بالواسطة، ويؤيد قول الجمهور اشتراك حواء فى ذلك النداء، ولم يرو قط أنه كلم حواء بلا واسطة.
{ألم أنْهكما عَنْ تِلْكُما الشَّجرةَ} أى عن أكل ثمرها، فى هذه القصة دلالة على أن النهى المجرد عن القرينة للتحريم حيث عوقبا بمخالفته والاستفهام توبيخ لهما {وأقُل لكُما إنَّ الشَّيطان لكما عدوٌّ مبينٌ} قال لهما: إنه عدو لكما فاحذراه، وقال:
{ فلا يخرجنَّكما من الجنة فتشقى } قال عياض: وهذا هو العهد الذى نسيه آدم على قول من يجعل النسيان على بابه، وقد بانت لكما عداوته، تركه السجود حسداً، وقد قيل: إن ظهورها كالقول ومبين من أبان المتعدى، أى مظهر لكما عداوته بترك السجود، وإظهارها لحواء إنما هو بعلمها بتركه، أو من اللازم أى ظاهر العداوة، وقرأ أبى بن كعب: ألم تنهيا عن تلكما الشجرة، وقيل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين.
ولكما حال من عدو، وقال: يا آدم أما خلقتك بيدى، أما نفخت فيك من روحى، أما أسجدت لك ملائكتى، أما أسكنتك جنتى فى جوارى. وعن أبىّ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"إن آدم عليه السلام كان يمشى فى الجنة كأنه نخلة سحوق فلما واقع المعصية وبدت له سوأته فر على وجهه، وكان كثير شعر الرأس فأخذته شجرة متعرضة له بشعرة واحدة" وفى رواية: "بشعر رأسه يقال إنها الزيتونة، فقال لها، أرسلينى، قالت: ما أنا بمرسلتك، فناداه ربه: يا آدم أمنى تفر؟ قال: لا يا رب ولكن استحييتك" كذا روى الطبرى، وزاد غيره عن أبى قال: "أما كان لك فيما منحتك من الجنة مندوحة عما حرمت عليك؟ قال: بلى يا رب وعزتك، لكن ما ظننت أن أحداً يحلف بك كاذباً، قال: فبعزتى لأهبطنك إلى الأرض، ثم لا تنال العيش إلا كدَّا" وأهبط وعلم صنعة الحديد وأمر بالحرث، فحرث وسقى، وحصد ودرس، وذرى وطحن وعجن، وخبز وأكل، ولم يبلغ إلى ذلك حتى بلغ من الجهد ما شاء الله.
قال ابن عباس: قيل لآدم لم أكلت من الشجرة التى نهيتك عنها؟ قال: حواء أمرتنى. وقد روى أنها قطعت وناولته، قال: فإنى أعطيتها ألا تحمل إلا كرها، ولا تضع إلا كرها، فرنت فقيل لها: لك الرنة ولبناتك، وقيل: إنما رنت عند موت هابيل، فقال آدم ذلك لها، وروى أنه قال: يا آدم لم أكلت منها وقد نهيت عنها؟ قال: أطعمتنى حواء، قال لها: لم أطعمته؟ قالت: أمرتنى الحية، قال لها: لم أمرتها؟ قالت: أمرنى إبليس، قال تعالى: أما أنت يا حواء فكما أدميت الشجرة تدمين كل شهر، فذلك سبب الحيض، وقيل: أول من حاضت امرأة من بنى إسرائيل لفجرة فجرتها، ولعله انقطع بعد حواء وابتدأ بالإسرائيلية، وأما أنت يا حية فأقطع رجلك فتمشين على بطنك، وكانت قبل ذلك ذات قوائم أربع كالبعير أحسن ما يكون، وسيشدخ رأسك من لقيك، وأما أنت يا إبليس فملعون مدحور.