التفاسير

< >
عرض

إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُرْدِفِينَ
٩
-الأنفال

هميان الزاد إلى دار المعاد

{إذْ} بدل من إذ فى قوله: {وإذ يعدكم} على أن الوعد كان فى وقت الاستغاثة فيما زعم بعض، أو مفعول لاذكروا محذوفا مستأنفا أو متعلق بيحق أو يبطل، وزعم بعضهم أنه يجوز تعليقه بيعدكم {تَسْتَغيثُون ربَّكُم} وقرأ أبو عمرو فى رواية أبى حاتم بإدغام الذال فى التاء، واستحسنها أبو حاتم، والاستغاثة طلب الغوث، والمراد النصر، قيل: لما علموا أنه لا بد من القتال أخذوا هم والنبى صلى الله عليه وسلم يقولون: رب انصرنا على عدوك، وزعم بعض أن الخطاب للنبى صلى الله عليه وسلم وحده، ولفظ الجماعة تعظيم له.
وعن ابن عباس، عن عمر بن الخطاب رضى الله عنهم:
"لما كان يوم بدر، نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألف، ثم مد يده فجعل يهتف بربه: اللهم أنجز لى ما وعدتنى، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد فى الأرض فما زال يهتف بربه مادا يديه، مستقبلا للقبلة حتى سقط رداؤه عن منكبه، فأتى أبو بكر رضى الله عنه، فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه وقال: يا نبى الله كفاك منا شدتك ربك، فإنه سينجز ما وعدك، وفى ذلك نزل: {إذ تستغيثون ربكم}" الخ.
وذلك الدعاء فى داخل العريش، وفيه معه أبو بكر وحده، وفى رواية ابن إسحاق أنه قال: خل بعض مناشدتك ربك، قيل: قال: خل البعض، ولم يقل خل الكل، لأن جهاده فى ذلك الوقت كان الدعاء فقط.
وفى رواية
"أنه لما رأى كثرة العدو، ركع ركعتين وأبو بكر عن يمينه وقال فى صلاته: للهم لا تخذلنى، اللهم أنشدك ما وعدتنى وذلك كله بعد أن عدَّل صفوف أصحابه وأمرهم ونهاهم، وبينما هو فى العريش مع أبى بكر إذ خفق خفقة ثم انتبه متبسما فقال: أبشر يا أبا بكر أتاك نصر الله هذا جبريل على ثناياه النقع" الثنايا أربع سنان، فى مقدم الفم اثنتان من فوق واثنتان من تحت، و النقع الغبار، ثم خرج من باب العريش يتلو: { سيهزم الجمع ويولُّون الدبر } قال علىّ: قاتلت يوم بدر شيئا من القتال، ثم جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنظر ما صنع، فإذا هو ساجد يقول: "يا حى يا قيوم" ثم رجعت إلى القتال، ثم جئت فإذا هو ساجد لا يزيد على ذلك، ثم ذهبت إلى القتال، ثم جئت فإذا هو ساجد يقول ذلك، ففتح الله عليه، ومات ستة رجال من المهاجرين، وستة من الخزرج، واثنان من الأوس، من المهاجرين، وستة من الخزرج، واثنان من الأوس.
وإن قلت: كيف قال أبو بكر خل عنك بعض مناشدتك ربك أو كفاك مناشدتك ربك؟
قلت: أجاب السهيلى نقلا عن شيخه بأن الغالب حينئذ على أبى بكر الرجاء، وعلى النبى صلى الله عليه وسلم الخوف، وقال الخطابى: بالغ فى الدعاء شفقة على أصحابه، وتقوية لقلوبهم، إذ علموا أن دعاءه مستجاب، ولما قال له أبو بكر ذلك كف، وعلم أنه استجيب له لما وجد أبو بكر فى نفسه من الطمأنينة، وكان صلى الله عليه وسلم فى تلك الحال فى مقام الخوف، وهو أكمل حالات الصلاة، وجاز عنده أن لا يقع النصر يومئذ، لأن وعده بالنصر لم يكن معينا لتلك الواقعة، وإنما قال: "اللهم إن تهلك هذه العصابة" الخ، لأنه لو هلك ومن معه لم يبعث داع إلى الإيمان، لأنه خاتم النبيين، وإنما تعب فى الدعاء لرؤيته الملائكة تنصب فى القتال، وأنصار الله يخوضون فيه، والجهاد جهاد سيف وجهاد دعاء، ومن سنة الإمام أن يكون وراء الجند لا يقاتل، ولا يظن أحد أن أبا بكر أوثق بربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى كلام الخطابى.
{فاسْتَجابَ لَكم أنِّى} بأنى وقرأ أبو عمرو فى الرواية المشهورة، وقيل: الشاذة، وعن ابن عمر فى رواية بكسر الهمزة على تقدير القول، أو على إجراء استجاب مجرى قال {مُمِدُّكم} مكثركم ومقويكم {بألْفٍ مِنَ الملائِكَةِ} وقرأ عاصم والجحدرى بألف بهمزة فألف فلام مضمومة جمع ألف كفلس وأفلس، وتوافق قراءته ما فى آل عمران، وكذا ما روى عنه وعن السدى بالآف.
{مُرْدِفينَ} بفتح الدال عند نافع ويعقوب، أى متبعين بإسكان التاء وفتح الباء، أى تبع الله غيرهم إياهم، فهذا من أردف المتعدى لاثنين، وأنيب الثانى وحذف الأول، فالمعنى على هذا أنهم مقدمة الجيش، أو أتبعهم الله غيرهم، أى جعلهم تابعين لغيرهم، وهو كالأول لكن أنيب المفعول الأول، والمعنى أنهم من خلف الجيش، ولك أن تقول: هو من أردف المتعدى لواحد، فتعين هذا المعنى الثانى أى متبعين بشد التاء وفتح الباء، وقرأ الباقون بكسر الراء من أردف المعتدى لاثنين، وهما محذوفان، أى اتبع الملائكة بعضا منهم بعضا من المؤمنين بقطع الهمزة وإسكان التاء، أو اتبعوا أنفسهم المؤمنين بقطع الهمزة وإسكان التاء ونصب الأنفس، أو من أردف المتعدى لواحد وهو محذوف، أى متبعين المؤمنين بشد التاء وكسر الباء، أو متبعين بعضهم بعضا بالشد والكسر، ورفع بعضهم.
قال ابن عباس: ملك خلف ملك، وفسر بعضهم هذه القراءة بأن كل ملك أردف ملكا وراءه، وادعى بعضهم أنه ضيف لم تأت بمقتضاه رواية، وليس كذلك، لأن معنى إردافه إياه تقدمه عنه، فيكون خلفه، وروى الخليل عن رجل من أهل مكة: مردفين بكسر الراء وضمها وتشديد الدال وكسرها الأصل مرتدفين بمعنى مترادفين، أبدلت التاء دالا فأدغمت، فالتقى ساكنان، فحركت الراء بالكسر اتباعا للدال أو بالضم اتباعا للميم، ووجه التوفيق بين قراءة بألف بالإفراد، وما فى سورة آل عمران بأن المراد بهذه الألف الواحدة الذين كانوا مقدمة أو ساقة، أو وجوههم وأعيانهم، أو من قاتل منهم.
وقال الربيع بن أنس: أمد الله المؤمنين بألف ثم صاروا ثلاثة آلاف، ثم صاروا خمسة آلاف، وروى أن لمسلمين بلغهم أن كرز بن جابر يمد المشركين فشق عليهم، فأنزل الله:
{ ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف } فبلغت كرز الهزيمة فلم يُمدّ المسلمون بالزائد على الثلاثة الأولى أو الخمسة، وهو ألفان.
وروى أن جبريل نزل فى خمسمائة على الميمنة، وفيها أبو بكر فيما قيل وميكائيل فى خمسمائة على الميسرة، وفيها على فى صور الرجال، على خيل بلق عليهم ثياب بيض، وعلى رءوسهم عمائم بيض، قد أرخوا أطرافها بين أكتافهم قاله ابن عباس.
وعن على: نزل جبريل فى ألف على الميمنة، وفيها أبو بكر، وميكائيل على الميسرة فى ألف، وأنا فيها، وقيل: أمدهم الله بتسعة آلاف، ذكرت ثلاثة آلاف فى آية، وخمسة فى أخرى، وألف فى هذه الآية.
وقال ابن عباس: كانت سيما الملائكة يوم بدر صوف أبيض، وكانت سيماهم أيضا فى نواصى خيلهم، وروى عنه أن سيماهم يوم بدر عمائم سود، ويوم حنين عمائم حمر، وعن الزبير أن سيماهم يوم بدر عمائم صفر، وعنه صلى الله عليه وسلم يوم بدر:
"هذا جبريل آخذا برأس فرسى عليه أداة الحرب" وعن ابن عباس: أن الملائكة لم تقاتل سوى يوم بدر، بل يحضرون ويكونون عددا ومددا، هذا ما عليه الجمهور، واختاره بعض.
قال سعد بن أبى وقاص: رأيت عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن شماله يوم أحد رجلين عليهما ثياب بيض، ما رايتهما قبل ولا بعد، يعنى جبريل وميكائيل، يقاتلان كأشد القتال، قال النووى: وفيه بيان إكرامه صلى الله عليه وسلم بقتال الملائكة، وإن قتالهم لم يختص بيوم بدر، قال: وهذا هو الصواب خلافا لمن زعم اختصاصه، وفيه أن رؤية الملائكة لا تختص بالأنبياء، بل يراهم الأصحاب والأولياء.
وعن ابن عباس:
"حدثنى رجل من بنى غفار قال: أقبلت أنا وابن عم لى حتى صعدنا فى جبل، فشرفنا على بدر، ونحن مشركان ننتظر الوقعة فننتهب مع من ينتهب، فبينما نحن فى الجبل، إذ دنت سحابة فسمعنا فيها حمحمة الخيل، فسمعت قائلا يقول: أقدم حيزوم، فأما ابن عمى فانكشف قناع قلبه فمات مكانه، وأما أنا فكدت أهلك، ثم تماسكت والمعنى أقدم الخيل يا حيزوم بضم الدال، وحيزوم فرس جبريل عليه السلام فيعول من الحزم، أو سمى لأنه صدر لخيل الملائكة، والحيزوم الصدر، وقال صلى الله عليه وسلم لجبريل: من القائل من الملائكة أقدم حيزوم؟ فقال: ما كل أهل السماء أعرفه" ، وعن أبى أسيد ملك ابن ربيعة، وكان ممن شهد بدرا قال بعد أن ذهب بصره: لو كنت اليوم ببدر ومعى بصرى لأريتكم الشعب الذى خرجه منه الملائكة لا أشك ولا أتمارى، وقيل: لم تقاتل الملائكة يوم بدر كما لم تقاتل فى غيره كقوله: {وما جَعَله اللهُ...)