التفاسير

< >
عرض

ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ
٦
-الفاتحة

جواهر التفسير

الهداية تطلق على الدلالة، وخصها بعضهم بالدلالة المصحوبة باللطف وأُجيب عما عساه يتجه إلى هذا من سؤال عن قول الله تعالى: { فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْجَحِيمِ } [الصافات: 23] الذي تنافي الهداية فيه اللطف المزعوم بأن الآية واردة مورد التهكم على حد { فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [التوبة: 34] وكما قال الشاعر:-

وخيل قد دلفت لها بخيل تحية بينهم ضرب وجيع

والهداية في القرآن ذات مدلولات متعددة، فلذلك تأتي تارة مسنداً فعلها إلى الله وحده ومنفيا عمن سواه، كما في قوله تعالى في خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم: { إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ } [القصص: 56] وفي قوله: { وَمَآ أَنتَ بِهَادِي ٱلْعُمْيِ عَن ضَلالَتِهِمْ } [النمل: 81] وقوله: { لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ } [البقرة: 272] ويُسند فعلها تارة إلى غيره تعالى كإسناده إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله { وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } [الشورى: 52] وإسناده إلى النبيين من قبله كما في قوله عزّ من قائل: { وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا } [الأنبياء: 73] وإسناده إلى القرآن في قوله سبحانه: { إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ } [الإسراء: 9] وتأتي تارة محصورة في المؤمنين وحدهم دون الكافرين كما في قوله سبحانه في وصف القرآن: { هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ } [البقرة: 2] وقوله: { هُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ } [النمل: 2] وقوله: { هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ } [لقمان: 3] وقوله سبحانه في وصف المؤمنين: { وَهُدُوۤاْ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَهُدُوۤاْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْحَمِيدِ } [الحج: 24] وقوله: { وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا } [العنكبوت: 69] وقوله: {وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} وقوله: { وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ } [محمد: 17] وقوله: { وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ، سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ } [محمد: 4- 5] وقوله: { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ } [يونس: 9] وقوله في النبيين: { أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ } [الأنعام: 90] وتأتي تارة شاملة للمؤمنين والكفار كما في قوله سبحانه: { إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً } [الإنسان: 3] وقوله: { وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ } [البلد: 10] بل تأتى تارة نصا في الكفار وحدهم كما في قوله سبحانه: { وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ } [فصلت: 17] ومن هذا الباب قول الله تعالى: { ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ } [طه: 50] وقوله: { وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ } [الأعلى: 3].
وقد استظهر أصحابنا رحمهم الله من هذا أن الهداية تنقسم إلى قِسمين: هداية بيان، وهداية توفيق، فهداية البيان تعم المؤمن والكافر ويُحمل عليها نحو قوله تعالى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ}، وأما هداية التوفيق فهي محصورة في المؤمنين، ويُحمل عليها نحو قوله عز وجل: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ}، وهداية البيان يصح إسناد فعلها إلى غير الله تعالى كما في قوله: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} فإن المراد بهدايته صلى الله عليه وسلم إلى الصراط المستقيم دعاؤه إليه المقرون ببيان معالمه، أما هداية التوفيق فليست من مقدور البشر وإنما هي من مقدور القادر على كل شيء الذي يصرف القلوب كيف يشاء، وإذا نظرنا إلى الآيات التي أوردناها وجدنا أن الهداية أوسع مدلولا وأكثر تشعبا مما ذكره أصحابنا، فمدلولها يشمل هداية الدين وغيرها، ومتعلقها الإِنسان المخاطب بهداية الدين وغيره من المخلوقات، لذلك أميل إلى ما قاله بعض أئمة التفسير في القديم والحديث في تفسير الهداية وتقسيمها إلى أقسام:-
الأول: هداية الوجدان الطبيعي والإِلهام الفطري، وتكون للإِنسان وغيره منذ الولادة، فالمولود يشعر بحاجته إلى الغذاء فيصرخ طالبا له بفطرته، ويُلهم امتصاص الثدي بمجرد وصوله إلى فيه.
الثاني: هداية الحواس والمشاعر، وهي تتميم للهداية المذكورة في القسم الأول، وهي أيضا مشتركة بين الإِنسان وغيره، بل غير الإِنسان أكمل فيها وفيما قبلها منه فإن حواس الحيوان وإلهامه تكمل له بعد ولادته بقليل، أما الإِنسان فإنه يتدرج فيها في زمن طويل، ولذلك لا تظهر عليه عقب الولاده علامات إدراك الأصوات والمرئيات، وعندما يبصر لا يمكنه تحديد المسافات فيرى البعيد قريبا وتحدثه نفسه بأن يمد إليه يده وهذا الغلط في الحس لا ينفك عن الإِنسان حتى بعد نموه وكماله، ألا تراه يرى النجم نقطة في السماء وهو قد يكون أكبر من الأرض بملايين المرات، وهذان القسمان داخلان في عموم قوله تعالى:
{ ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ } [طه: 50] وقوله: { وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ } [الأعلى: 3].
الثالث: هداية العقل وهي خاصة بالإِنسان من بين الكائنات الحية المستقرة في الأرض وهذا لأن الإِنسان ينوء بثقل أمانة الخلافة في الأرض وهو كائن اجتماعي تتوقف مصالحه على التعارف والتفاهم بين بني جنسه ولم يعط من قوة المشاعر الباطنة والظاهرة ما يكفيه للقيام بما تقتضيه الحياة الاجتماعية كما أعطى النحل والنمل فإن الله قد وهبها من الإِلهام الفطري ما يكفيها لأن تعيش مجتمعه يؤدي كل واحد منها وظيفة العَمَل لجميعها ويؤدي الجميع وظيفة العمل للواحد، وهذا سبب الترابط بين أفرادها ووجود النظام فيما بينها.
أما الإِنسان فلم تكن له هذه الخاصية ولم يتوفر له هذا الإِلهام، ومع ذلك فهو يتميز عنها بما منحه من شرف الخلافة في الأرض والسيادة فيها، وقد وهبه الله في مقابل ذلك هداية العقل التي هي أقوى من هداية الحس والمشاعر، فإن العقل هو الذي يصحح أخطاء الحواس والمشاعر ويكشف عن أسباب هذه الأخطاء، فعندما يرى البصر الكبير صغيرا على البعد، ويرى العود المستقيم معوجا في الماء، ويذوق الصفراوي الحلو فيحس منه المرارة يحكم العقل في ذلك فيفند هذه الأخطاء ويبين أسبابها، وحمل بعضهم على هذه الهداية قول الله سبحانه
{ وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ } [البلد: 10].
الرابع: هداية الدين، فإن العقل وحده لا يستطيع أن يقوّم سلوك الإِنسان المعوج، ويهدي فكره المنحرف فإن الخطأ يتسلط عليه كما يتسلط على الحس، وقد يتأثر عقل الإِنسان بالجو الذي يعيش فيه، والمحيط الذي يتربى وسطه، فيستحسن ما يستقبحه غيره، ويستقبح ما يستحسنه سواه، وقد تستعلى عواطفه أو رغباته على العقل فتطمس نوره وتوهن قواه، ولذلك ينساق كثير من الناس - مع ما أتوه من قوة التفكير - وراء شهواتهم وعواطفهم، غير مبالين بالمصير الذي تؤديهم إليه، بل يسخّرون أحيانا طاقاتهم العقلية والحسية للوصول إل ما يهدفون إليه من مقاصد دنيئة، بدلا من استخدام العقل فيما يؤول إلى سعادة الإِنسان الشخصية والنوعية، ولا تقف رغبات الإِنسان عند حد معين، ولذلك كثيرا ما تفضي به إلى التطاول إلى ما فيه يد غيره، وعدم المبالاة بإمتهان كرامة بني جنسه، فيؤدي الأمر إلى التنازع والتدافع والتقاتل والتفاني، ولا تغني تلك الهدايات شيئا، وهذا أمر مشاهد حتى في الشعوب والأمم التي تعد نفسها أرقى من غيرها حضارة، ولا أدل على ذلك مما يحصل أحيانا في سلسلة الحروب الدولية، من إبادة شعوب أو استرقاقها، واهلاك الحرث والنسل بالوسائل العلمية، التي تستخدمها عقول ضلت سبيل الرشد وأخفقت في بناء مجتمع بشري ينعم بالسعادة والهناء والإِستقرار، ومن ثم كان الإِنسان بحاجة إلى هداية أسمى من الهدايات السابقة الذكر تملأ القلب خشية من سلطة غيبية أعلى وأجل من تصورات البشر ومدارك العقول والأفكار، وتضع حدودا للأعمال ورسوما لكل ما تتطلبه حياة الإِنسان فلا يعدو أحد على غيره، كما تصل الإِنسان بالغيب الذي يتطلع إليه وما هو ببالغه إلا من طريق هذه الهداية.
هذا وقد أودع في غريزة كل إنسان الشعور بهذه القوة الغيبية التي لا يحاط بها علما، والتي تهيمن على الوجود كله وإليها يرد الإِنسان بفطرته كل ما لا يعرف له سببا لأنها هي التي تهب كل موجود ما يكون به قوام وجوده، كما أودع في غريزة كل أحد بأن هذه الحياة الدنيا ليست هي الحياة النهائية التي يحياها الإِنسان ولذلك يتطلع كل أحد إلى حياة أوسع منها.
والهدايات الثلاث السابقة لا تصل إلى تحديد ما يجب على الإِنسان لذي القوة الغيبية الذي خلقه في أحسن تقويم وسخر له ما يحتاج إليه كما لا تصل إلى تحديد ما تكون به السعادة في الحياة الأخرى، ومن هنا كانت ضرورته إلى الدين وإفتقاره إلى توجيهه، والهدايات الثلاث السابقة مشتركة بين البر والفاجر، ويرى بعض المفسرين أنها يشار إليها جميعا بقوله تعالى:
{ وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ } [البلد: 10] وبعضهم يرى دخول الهداية الرابعة ضمن الإِشارة وهذه الهداية الرابعة - أعني هداية الدين - قد يشارك فيها الفاجر إذا فسرت بالبيان دونما إذا فسرت بالتوفيق كما أسلفنا من قبل، وهداية التوفيق تنقسم إلى ثلاث مراتب:-
المرتبة الأولى: التوفيق لقبول الحق والعمل به وإليها الإِشارة بنحو قوله عز وجلَّ:
{ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ } [البقرة: 272].
المرتبة الثانية: التوفيق للإِستمرار على الحق والإِستزادة منه، وإليها الإِشارة بنحو قوله تعالى:
{ وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا } [العنكبوت: 69] فإن الجهاد نفسه لا يكون إلا بهداية توفيقية من الله سبحانه، وقوله: { وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ } [محمد: 17] واختُلف في هذه الهداية، هل هي مكتسبة من العبد نظراً إلى العمل يسببها؟ نحو الجهاد الوارد في قوله عزَّ وجل: {وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا}، أو هي هبة من الله لعبده نظرا إلى أن الله هو الذي أفاضها عليه، والاختلاف باختلاف الاعتبارات ليس غير، ولذلك تصح نسبة إكتسابها إلى العبد كما تصح نسبة هبتها إلى الله تعالى.
المرتبة الثالثة: التوفيق لجوار الله سبحانه في جنات عدن وإليها الإِشارة بقوله عز وجل:
{ وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ، سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ ٱلْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ } [محمد: 4- 6] وقوله: { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ } [يونس: 9] وهذه هي أسمى مراتب الهدايات وأرقى منازل المهتدين، وجميع الهدايات السابقة سُلّم للصعود إليها، ووسائل للحصول عليها.
والأصل في كلمة هدى أن تستعمل بمعنى الإِمالة - هكذا نقل القرطبي في تفسيره - واستدل له بقوله تعالى:
{ إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ } [الأعراف: 156] أي ملنا، وبحديث عائشة في الصحيحين: "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهادى بين رجلين" أي يتمايل من المرض، ومنه الهدية لأنها تمال من مِلك إلى مِلك والهَدْيُ للحيوان الذي يساق إلى الحرم، لأنه يمال به من مكان إلى مكان، وفي الاستدلال لذلك بقوله تعالى: {إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ} نظر فإنه من هاد يهود وليس من هدى يهدي.
ويتعدى فعل الهداية إلى المفعول الثاني بنفسه كما في هذه الآية، وفي قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام:
{ فَٱتَّبِعْنِيۤ أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً } [مريم: 43] ويتعدى إليه باللام نحو قوله سبحانه حكاية عن أهل الجنة: { ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاۤ أَنْ هَدَانَا ٱللَّهُ } [الأعراف: 43] ويتعدى إليه بإلى نحو قوله عز وجل { وَهُدُوۤاْ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَهُدُوۤاْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْحَمِيدِ } [الحج: 24].
وللعلماء آراء في التفرقة بين معنى الهداية إن تعدت بِنَفْسِها إلىالمفعول الثاني ومعناها إن تعدت إليه بحرف. ولم تقم أدلة على صحة آرائهم بل قامت على دحض بعضها لذلك استغنيت عن ذكرها. وَطلبُ الهداية هنا محمول على طلب المزيد منها، أو على طلب التوفيق للاستمرار عليها لأن الإِنسان عرضة للخطأ والضلال والتأثر بالمؤثرات الداخلية والخارجية، وبهذا يجاب عما لو سُئل:
أليس مَن حمد الله بمحامده، ووصفه بصفاته، وخصه بالعبادة والإِستعانة مهتديا؟ فلماذا يطلب منه الهداية؟ وهل هو إلا تحصيل حاصل؟..
والصراط الطريق ومنه قول الشاعر:

أمير المؤمنين على صراط إذا اعْوجَّ الموارد مستقيم

وقول الآخر:

وطِئْنَا أرضهم بالخيل حتى تركناهم أذل من الصراط

وأصله السراط بالسين لأنه يسترط السابلة أي يبتلعها، أو يسترطه السابل بالقطع، ولذلك سمي لَقَمًا لأنه يلتقم السالك، أو يلتقمه السالك وأُبدلت السين صادا لمكان الطاء.
روى الحاكم وصححه وتعقبه الذهبي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ {ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} بالصاد، وروى البخاري في تاريخه وسعيد بن منصور وعبد بن وحميد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ {السراط المستقيم} بالسين، والقراءة بالسين أخرجها ابن الأنباري عن ابن كثير، أحد القراء السبعة والرواية عنه مختلفة، فقد روى عنه أيضا الصاد والمضارعة بينها وبين الزاي، وأخرج ابن الأنباري أيضا عن حمزة أنه كان يقرأ (الزراط) بالزاي الخالصة، قال الفرّاء: وهي لغة لعذرة وكلب وبني القين، وهذه القراءة رواها الأصمعي عن أبي عمرو، وذكر ابن عطية وأبو حيان في تفسيرهما عن بعض اللغويين، أنه قال ما حكاه الأصمعي من هذه القراءة خطأ منه، إنما سمع أبا عمرو يقرأ بالمضارعة فتوهمها زايا، ولم يكن الأصمعي نحويا فيؤمن على هذا.
ثم ذكر أن هذا الكلام حكاه أبو علي عن أبي بكر بن مجاهد، وقد مر أن هذه القراءة أسندها ابن الأنباري إلى حمزة، وهو أحد القراء السبعة، وأنها لغة عذرة وكلب وبني القين، فتخطئة بعض اللغويين للأصمعي في نقلها عن ابي عمرو تسرّع منه، وأبو حيان الذي نقل هذه التخطئة كما نقلها ابن عطية نقل من بعد عن ابي جعفر الطوسي، وهو أحد أئمة التفسير من الشيعة الإِمامية، أنه قال: "الصراط بالصاد لغة قريش، وهي اللغة الجيدة وعامة العرب يجعلونها سينا، والزاي لغة عذرة وكعب وبني القين" والجمهور قرأوا بالصاد.
وللمفسرين أقوال في معنى الصراط ترجع إلى ما قاله ابن جرير: أجمعت الأمة من أهل التأويل جميعا على أن الصراط المستقيم هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه، وهو كذلك في لغة جميع العرب.
قيل: هو القرآن، رواه ابن أبي حاتم وابن جرير عن علي كرم الله وجهه مرفوعا، ورواه ابن جرير موقوفا عليه، ويشهد له ما رواه أحمد والترمذي عن علي مرفوعا في فضائل القرآن، "وهو حبل الله المتين ونوره المبين والذكر الحكيم والصراط المستقيم" وقد تقدم الحديث بتمامه في مقدمة التفسير، وهذا القول أخرجه ابن المنذر ووكيع وعبد بن وحميد وأبو بكر الأنباري والحاكم وصححه، والبيهقي عن ابن مسعود.
وقيل هو الإِسلام أخرجه وكيع وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه، عن جابر بن عبد الله ونص ما رووا عنه أنه قال: (هو دين الإسلام وهو أوسع مما بين السماء والأرض)، وأخرج نحوه ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما، وكذلك عن ابن مسعود وناس من الصحابة وروى ابن جرير عن محمد بن الحنفية أنه قال: هو دين الله الذي لا يقبل من العباد غيره، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هو الإِسلام، رواه عنه ابن جرير ايضا، ويشهد لهذا التفسير قول الله تعالى:
{ قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } [الأنعام: 161] كما يشهد له ما اخرجه أحمد والترمذي وحسنه، والحاكم وصححه، والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في شُعَب الإِيمان عن النوّاس ابن سمعان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ضرب الله مثلا صراطا مستقيما وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتّحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعا ولا تَفَرّقوا، وداع يدعو من فوق الصراط فإذا أراد الإِنسان أن يفتح شيئا من تلك الأبواب، قال ويحك لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه، فالصراط الإِسلام، والسوران حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله، وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله، والداعي من فوق واعظ الله تعالى في قلب كل مسلم" قال ابن كثير: - بعدما أورد بعض أسانيد الحديث - وهو إسناد حسن صحيح.
وقيل: هو السُّنَّة ذكره بعض المفسرين عن بعض الصحابة.
وقيل: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه أبو بكر وعمرو، أخرجه عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عدي وابن عساكر عن عاصم الأحول عن أبي العالية، وجاء فيه عن عاصم الأحول أنه ذكر للحسن البصري تفسير أبي العالية فقال: صدق ابو العاليه ونصح، وأخرج الحاكم وصححه عن أبي العالية عن ابن عباس مثله.
قال قطب الأئمةرحمه الله في الهيميان: "ويُقدر مضاف أي اهدنا اتِّباعهم، وفيه تكلف بعيد، وتجوز تسمية أشخاصهم طريقا ووجهه أنهم واسطة إلى الجنة لمن اقتدى بهم ممن أنعم الله عليه، وعلى هذا الأخير يكون الخطاب لغيره صلى الله عليه وسلم وغير أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، قيل: وهو قوي في المعنى".
وأخرج الطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: الصراط المستقيم الذي تركنا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر القرطبي في تفسيره عن الفضيل بن عياض أنه قال: هو طريق الحج، قال القرطبي: وهذا خاص والعموم أولى.
وهذه الأقوال كلها ما عدا الأخير متحدة في المعنى وإن اختلفت في اللفظ، فإن الإِسلام يتمثل في تعاليم القرآن وهديه، وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم وهديه وهدى أصحابه رضي الله عنهم، فلا يختلف تفسير من فسره بالقرآن عن تفسير من فسّره بالإِسلام أو السنة أو الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، وإنما اختلفت العبارات لإِختلاف الإِعتبارات، وقد أوردنا سابقا كلام ابن تيميه، الذي أوضح فيه أن مثل هذا لا يُعد خلافا، وانتقد الفخر الرازي تفسير الصراط المستقيم بالإِسلام أو القرآن نظرا إلى أن قوله تعالى: {صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} بدل من {ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} والبدلية تقتضي صحة حلول البدل محل المبدل منه، فكأنه قيل: إهدنا صراط الذين أنعمت عليهم، والأمم السابقة لم يكن لها القرآن والإِسلام، ورد عليه أبو حيان في البحرالمحيط بأن هذا لا يتأتي له إلا إذا صح أن الذين أنعم الله عليهم هم متقدمون، قال: "وستأتي الأقاويل في تفسير الذين أنعم الله عليهم": ورد الألوسي على الفخر بما حاصله أن الفخر نفسه اختار فيما اختار من الوجوه التي ارتضاها أن الصراط المستقيم هو الوسط بين طرفي الإِفراط والتفريط في كل الأخلاق وفي كل الأعمال، وأكد ذلك بقوله تعالى:
{ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً } [البقرة: 143] قال الألوسي: "فياليت شعري ماذا يقول لو قيل له لو لم يكن هذا للمتقدمين من الأمم، وتلونا عليه الآية التي ذكرها، وسبحان من لا يُرد عليه".
هذا وقد تقدم ما يدل على صحة تفسير الصراط المستقيم بالإِسلام من القرآن والحديث، ومما يؤكد ذلك قول الله تعالى:
{ وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ } [الأنعام: 153] ولا معنى لما يقوله الفخر، من أن الأمم لم يكن لها إسلام، فإن الإِسلام لم تختص به هذه الأمة فحسب، بل هو مشترك بينها وبين جميع الأمم، التي اتبعت هدى أنبيائها فإن المرسلين ما بعثوا لتفريق الدين بل بعثوا لجمعه وتوحيده، وينص على ذلك قول الله تعالى: { شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ٱللَّهُ يَجْتَبِيۤ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ } [الشورى: 13] وإذا كانت شرائع النبيين قد اختلفت باختلاف الظروف التي واجهوها، وأحوال الأمم التي بعثوا فيها، فإن أصول دينهم لم تختلف، إذ لم يأت رسول إلا ويدعو إلى توحيد الله وعدم إشراك غيره في العبادة، وهذا هو الإِسلام عينه. ومما يدل على ما قلناه قول الحق سبحانه { مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } [آل عمران: 67] وقد حكى الله عن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام أنهما كانا يقولان - وهما يرفعان قواعد البيت العتيق -: { رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ } [البقرة: 128] وقال عز وجل: { وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَاهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ } [البقرة: 130- 132] ونجد في القرآن الكريم نصا صريحا على أن النبيين الذين كانوا يحكمون بالتوراة كانوا من المسلمين، فقد قال عز وجل: { إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ } [المائدة: 44] فلا معنى لقول من يقول: إن الإِسلام من اختصاص هذه الأمة، نعم أنزل الإسلام على هذه الأمة على أكمل وجهه، وأوسع أبوابه، وأوضح طرقه، ليكفي الإِنسانية مشاكلها، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولا إشكال في تفسير الصراط بالقرآن، لتضمن القرآن الكريم ما جاء به النبيون من الهدى.
ويرى الأستاذ الإِمام الشيخ محمد عبده أن الصراط، جملة ما يوصل إلى سعادة الدنيا والآخرة، من عقائد وآداب وأحكام وتعاليم، ويرى أن سبب تسمية ذلك صراطا، كون العقيدة الصحيحة وما تستلزمه من أعمال صالحة بمثابة الطريق التي تفضي بسالكها إلى الغاية، وهذا الذي يقوله لا ينافي تفسير الصراط بالإِسلام، لدخول ما ذكره في ضمن مدلوله، فإن الإِسلام ينظم أعمال الدنيا والآخرة، بدليل قول الله تعالى:
{ قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ. لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ } [الأنعام: 162- 163] والمستقيم في عرف أهل الهندسة أقصر خط يصل بين نقطتين، لسلامته من الإِعوجاج الذي يؤدي إلى الطول، وهو لازم للمعنى اللغوي، ويقابله كل ما فيه انحراف، لأن كل من يمل عن الخط المؤدي للغاية المطلوبة بسهولة، يكن أضل عن القصد، وأبعد عن الغاية ممن يمشي في خط ذي تمعج وتعاريج، لأن الأخير يمكنه الوصول إلى الغاية ولو بعد زمن طويل، أما الأول فكلما أوغل في السير ازداد بعدا عنها، والإِسلام بتعاليمه السمحه ومنهاجه السليم، يوصل سالكه إلى سلامة الدنيا وسعادة الآخرة، والذي يميل عنه يزيغ عن السلامة بقدر ميلولته، وفسر {ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} بقوله:-
{صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}