التفاسير

< >
عرض

يَٰـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
٢١
ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَٰشاً وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
٢٢
-البقرة

جواهر التفسير

الآيات السابقة قسمت الناس إلى طوائف ثلاث، مؤمنة ظاهرا وباطنا، وكافرة ظاهرا وباطنا، ومذبذبة بين الطائفتين، مؤمنة في الظاهر وكافرة في الباطن، وبيّنت صفات كل طائفة، وما يؤول إليه أمرها، وجاء عقبها هذا النداء العام الموجّه الى عموم الناس على انقسام طوائفهم، يدعوهم إلى عبادة الله، ويذكرهم بمختلف آلائه وفي هذا النداء إيناس للنافر المستوحش مما سبق من قوارع الإِنكار، وتذكير للغافل بما تستوجبه نعم الله عليه من أداء شكرها بإخلاص العبادة لمن أسبغها عليه، وهو في حقيقته نداء موجه الى الفطرة الانسانية لايقاظها من نومها، وتنبيهها من غفلتها.
نداء الفطرة أنجح طرق التربية النفسية:
ونداء الفطرة يعد أنجح طريقة في التربية النفسية، ففيما تقدم من قواصف الانكار وصوادع الوعيد؛ كفكفة للنفس الطائشة عن غلوائها في الشر، وفي النداء الذي يتبع ذلك تذكير لها بأنها لم تزل - مع سوابق إعراضها وبعد شططها في الصدود - يراد لها الخير، ولا يُطلب منها إلا ما فيه مصلحتها، وبهذا الذي ذكرته ينكشف ما بين الآيات السابقة وبين هذه الآية وما بعدها من رباط.
ولطف الخطاب هنا بعد شدته هناك - للحكمة التي ذكرتها - لا ينافي اندراج الطائفة الأولى في عموم هذا الخطاب، فإن سلاسة القول كما تتألف النافر، وتقرب البعيد، تزيد الأليف ألفة، والقريب قربا، وتمنحهما باعثا نفسيا على إتيان ما يراد منهما من الخير، وتزيد همتهما نشاطا، وفكرتهما اتقادا، ورؤيتهما وضوحا، على أن تلك الطائفة المؤمنة نفسها لا تخلو عادة من تأثر بالوعيد الموجه إلى غيرها، لأن من شأن المؤمن أن يكون شديد الحذر، مشفقا على نفسه من انزلاق قدمه فيكون في عداد أهل الضلال.
وإذا كانت الآيات السابقة تثير الوجل وتبعث القلق في نفس المؤمن بهذا السبب، فإن هذا الخطاب يُفيض عليه الأنس والطمأنينة، فتتعادل في نفسه كفتا الخوف والرجاء.
وهذا الذي قلته هو الذي يقتضيه اللفظ، فإن تعريف الناس تعريف جنسي - إذ لا عهد - فيشمل جميع الناس على اختلاف طوائفهم.
ومن المفسرين من يخص هذا الخطاب بطائفتي الكفر والنفاق، وهو الذي رجّحه ابن جرير وعزاه إلى ابن عباس رضي الله عنهما، ومنهم من يرى أنه خاصّ بالمنافقين وحدهم، وعُزي إلى ابن عباس أيضا، ومنهم من يقول إنه خاص بكفار العرب، ومنهم من يقول إنه لليهود وحدهم، والتخصيص بغير مخصص تحكُّم، ويقوِّي العموم جواز التأكيد بما يفيد العموم في مثل هذا اللفظ، وجواز الاستثناء، وصُدر الخطاب بـ "يا" وهي أصل حروف النداء فيه، ولذلك ينادى بها القريب والبعيد على الراجح، خلافا لمن قال: إنها مخصوصة بالبعيد، وإن نودي بها القريب فلتنزيله منزلة البعيد، إما لسهوه وغفلته، وإما لاعتقاد البعد المعنوي بين المنادِي والمنادى، ولذلك ينادَى بها الله سبحانه وتعالى لأجل تنزيل المنادِي نفسه منزلة البعد لضعفه وعجزه وقصوره هضما لنفسه، واعترافا بما هو متلبس به مما يبعد عن مقامات الزلفى ودرجات المقربين.
و"أي" وصْلةٌ لنداء ما دخل عليه الألف واللام، ومخاطبة الناس هنا بعد الاخبار عنهم فيما سبق، التفات كالذي تقدم شرحه في قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، والذي يحسنه هنا - بجانب النكتة العامة وهي تطرية الكلام وتجديد نشاط سامعه - أنَّ توصيف كل طائفة من تلك الطوائف الثلاث وبيان أحوالها، جعلها في حكم الحضور، فحسن نداؤها وتعميمها بالخطاب، مع ما ذكرته من أنَّ أُنس هذا الخطاب يجدد نشاط الصالح، ويكف من شطط المفسد.
والعبادة سبق تفسيرها في الفاتحة، واختيار لفظة الرب دون سائر أسمائه تعالى؛ لما في مدلوله من معنى التربية بمختلف الآلاء الظاهرة والباطنة، وفي هذا حفز للمسارعة إلى ما أمر به من العبادة، لأن الخطاب صادر من الرب والعبادة المأمور بها له، وفيه نوع تعليل للأمر؛ لأن من القواعد المعروفة أن الحكم على المشتق يؤذن بعليته، ويقوي ذلك ما ولي اسم الموصول من ذكر الخلق وما بعده، وهذا لا ينافي أن يكون الله تعالى حقيقا بالعبادة، وجديرا بالطاعة المطلقة بنفس علو ذاته وكمال صفاته، مع قطع النظر عما أفاضه على عباده من صنوف النعم؛ أهمها إخراجهم من العدم إلى الوجود، الذي ترتبت عليه بقية الآلاء، إذ لا مانع أن يُراعَى في العبادة الكمال الذاتي للمعبود، وما صدر عنه من فيض هباته للعابدين، بل هذا هو المطلوب.
والخلق أصله التقدير والتهيئة، يُقال خلق الأديم إذا هيَّأه للقطع، وخلق الأمر إذا قدَّره، ومنه قول الشاعر:

ولأنت تفري ما خلقت وبعـ ـض الناس يخلق ثم لا يفري

يعني أن الممدوح يُتْبِع التقدير العمل بخلاف بعض الناس، وإذا نُسب الخلق إلى الله سبحانه فهو بمعنى الانشاء والاختراع على غير سبق مثال، وأقرب ذلك أن يقال: هو الاخراج من العدم إلى الوجود، وبهذا المعنى فهو من اختصاص الله سبحانه وتعالى فلا يصح إسناده إلى غيره، فلا يوصف مخلوق بالخالقية، وأما ما جاء في سورة آل عمران من قوله حكاية عن عيسى عليه السلام: { أَنِيۤ أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ } [آل عمران: 49] ومثله ما في سورة المائدة - فهو محمول على مطلق الصّنع، ولم يُرد به اختراع على غير سبق مثال، وكان ذلك قبل تخصيصه في العرف الاسلامي بالله عز وجل، ونحوه قوله تعالى: { فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ } [المؤمنون: 14]، ولا مسوغ لقول أبي عبدالله البصري المعتزلي إن إطلاق الخالق على الله محال لمصادمته وصف الله نفسه بالخالقية في نحو قوله: { هُوَ ٱللَّهُ ٱلْخَالِقُ ٱلْبَارِىءُ } [الحشر: 24]، وإن علل رأيه بأن التقدير يستدعي الفكر والحسبان؛ إذ لا قيمة للنظر مع ورود النص، على أن قياس الغائب على الشاهد لا يصح، فالله سبحانه يخلق ويقدر بدون احتياج إلى ما يحتاج إليه المخلوقون من الوسائل.
وبما أن أقرب شيء إلى الانسان نفسه ذكر المخاطبون أولا بخلق أنفسهم، ثم أتبع ذلك تذكيرهم بخلق أصولهم التي ترتب وجودهم على وجودها، ومن المعلوم أن من لم تُجدِه الموعظة من نفسه لم تُجده من غيره، والخلق هو أصل النعم جميعا، وكما أن خلق الإِنسان نفسه نعمة جُلىَّ فخلق أصوله يُعَدّ من كبريات النعم، لترتب وجوده على وجودها كما تقدم.
واستشكل القائلون بعدم خطاب المشرك بفروع الشريعة، توجيه هذا النداء إلى عموم الناس من مؤمن ومشرك وتضمنه الأمر بالعبادة، وتكلفوا الاجابة عن ذلك بالعديد من الأجوبة هروبا من الواضح إلى المشكل، وبما أنني أرى أن الخطاب بفروع الشريعة شامل للمسلمين والمشركين - كما سيأتي بيانه إن شاء الله في موضعه - لا أجد ما يدعوني إلى ذكر هذه التكلفات والحمد لله.
ولعل تفيد التوقع المشترك بين الرجاء والإِشفاق، فإن كان المتوقع محبوبا فهي للرجاء، وإن كان مرهوبا فهي للإِشفاق، مثال الأول قول التائب: "لعل الله يرحمني"، ومثال الثاني قول الخائف: "لعل العدو يدهمني"، وكلا الأمرين مستحيل على الله سبحانه، فمن بيده ملكوت السماوات والأرض وهو بكل شيء عليم، يستحيل عليه الرجاء والاشفاق، ومن ثم كان مجيء لعل في كلامه تعالى داعيا إلى إمعان النظر فيما يراد بها.
وقبل الحديث في هذا الموضوع ينبغي النظر فيما ترتبط به هنا، فقد تقدمها الأمر بالعبادة في قوله: {اعبدوا}، وذكر الخلق في قوله: {خلقكم}، وكل منهما يسوغ ارتباطها به - فيما يتبادر لي - وإن زعم القرطبي بأن تعلقها بخلقكم لا يجوز؛ لأن من ذرأه الله تعالى لجهنم لم يخلقه للتقوى، وقد عزا ذلك أبو حيان في البحر المحيط إلى المهدوي، وهو قول مرفوض لأن الله تعالى يقول:
{ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } [الذاريات: 56]، وهو نص صريح على أنهم مخلوقون للعبادة، ولا ينافي ذرء كثير منهم لجهنم كما أخبر الله، فإن استحقاقهم العذاب إنما هو بسبب إعراضهم عما خُلقوا له من العبادة والتوحيد، وذلك لم ينشأ إلا عن اختيارهم بأنفسهم، واستجابتهم لدعاء الشيطان، ولم يُجبروا على شيء منه وإن مضى القلم بحسب ما علم الله ما يكون منهم، وإذا جاز كونهم مخلوقين للعبادة فأي مانع من أن يكونوا مخلوقين للتقوى مع أن التقوى هي الغاية من العبادة، وما منعه المهدوي والقرطبي هو الذي عول عليه الزمخشري واقتصر عليه في كشَّافه، وسوَّغه ابن عطية، وإنما قلت بصحة كلا المذهبين لأن قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} ظاهر في جواز تعلّقها بخلق كما ذكرت، والرأي الآخر يعززه اقتران ذكر العبادات بذكر التقوى في مواضع من القرآن، كآيات الحج، وبداية آيات الصوم، وهي قوله: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [البقرة: 183]، وفي معنى ذلك قوله سبحانه: { وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ } [العنكبوت: 45]، وهذه هي عين التقوى، وقوله: { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا } [التوبة: 103]، وقد تقدم - والحمد لله - بيان حكمة مشروعية الصلاة، وأنها من أسباب الصلاح الظاهر والباطن، وسيأتي الحديث عن سائر العبادات في مواضعها إن شاء الله.
وإذا عرفت الاختلاف فيما ترتبط به "لعل" في هذه الآية فلنعد إلى بيان معناها هنا لعدم جواز معناها الحقيقي - وهو التوقع - عليه سبحانه، وللعلماء في ذلك مذاهب:
أولها: لسيبويه وجمهرة من أئمة العربية والتفسير، وهو أنها على حقيقتها من معنى الرجاء، غير أن هذا الرجاء ليس متلبسا بالله سبحانه، وإنما هو متلبس بالمخاطبين وهم الناس، ومعنى ذلك أنهم مأمورون بأن يعبدوا الله وهم راجون أن تفضي بهم عبادتهم إلى التقوى، وهو صلاح الظاهر والباطن كما هو شأن العبادة، وعليه "فلعل" متعلقة بـ {اعبدوا} دون {خلقكم} لتعذر ان يكونوا حال خلقهم راجين أن يتقوا، إذ لم يكونوا آن ذاك أهلا للتفكير أو الرجاء.
ثانيها: لبعض المفسرين، وهو أن الرجاء لا يلزم أن يكون من المخاطِب أو المخاطَب، وإنما يكون حسب الواقع؛ وذلك أن يكون الأمر مئنة لرجاء كل من أمعن فيه النظر لتوفر أسباب الرجاء، والباعث عليه هنا أن الله عز وجل خلق الناس في أحسن تقويم، وهداهم النجدين، وأفاض عليهم نعمه، وأرسل إليهم رُسُلَهُ وأنزل إليهم كتُبَهُ، فكانوا مئنة لأن يُرجى منهم التقوى.
ثالثها: أن لعل هنا محمولة على التعليل؛ وهو قول طائفة من النحويين، منهم الكسائي، وقطرب، وأبو علي الفارسي، وابن كيسان، وابن الأنباري، ونحا نحوهم بعض المفسرين وفي مقدمتهم ابن جرير، واستدلوا له بقول الشاعر:

وقلتم لنا كفوا الحروب لعلنا نكف ووثقتم لنا كل موثق
فلما كففنا الحرب كانت عهودكم كلمع سراب في الملا متألق

فإنه يتعذر كون "لعل" للترجي في البيت مع قوله: "ووثقتم لنا كل موثق"، وقوله في البيت الثاني: "كانت عهودكم" إذ لا معنى لكونها دالة على الترجي مع بذل الناطقين بها العهود والمواثيق على الكف، وإذا تعذر حملها على الترجي فلا معنى تحمل عليه إلا التعليل، لجواز أن تحل محلها اللام أو كي التَّعْلِيليَّتان، والذي آراه أن كثيرا من الآيات شاهدة بصحة هذا المذهب، كقوله عز وجل: { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ } [المؤمنون: 49] إذ لا مساغ للترجي هنا إلا على ما تقدم في المذهب الثاني وهو لا دليل عليه، وبالغ الزمخشري في إنكار مجيئها للتعليل، وتابعه الجرجاني، وأبو حيان، وجماعة من المفسرين وغيرهم، وما ذكرته من الشواهد قاض بصحة ما أنكروه، والأولى أن يصار إلى الدليل، وذكر ابن أبي حاتم أن لعل في القرآن تعليلية إلا في موضع واحد، وهو مروي عن بعض المتقدمين من أئمة التفسير، ولا يخلو من مبالغة.
رابعها: أنها للإِطماع، وذكر الزمخشري أنها جاءت للاطماع في مواضع من القرآن، وعد قول من قال بأنها تأتي بمعنى كي ساريا إلى أدمغة الذين قالوه من حيث إن إطماع الله لعباده جار مجرى وعده المحتوم، ونظّره بما يكون من الملوك في مقابل مطالب الرعايا من الاقتصار على الرمزة، أو الإِبتسامة، أو النظرة الحلوة، أو الكلمات المؤشرة إلى الفوز بالمطلوب، وإذا ما حصل ذلك منهم لم يبق للطالب شك في نجاح مطلوبه والفوز بمرغوبه، وعلى هذا السَّنَن جرى خطاب ملك الملوك.
خامسها: أن الاتيان بلعل لأجل النظر إلى أن الله سبحانه خلق الناس واختصهم من بين خلقه بالعديد من المزايا، وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة، وأقام عليهم حجته بإرسال رسله وإنزال كتبه، وأمرهم بالاستقامة على الخير، ونهاهم عن الانحراف إلى جانب الشر، ووعدهم وتوعّدهم، وهي حالة مرجحة لاستمساكهم بحبل التقوى عند كل من يفكر في أمرهم، فعبر بلعل الدالة على الرجاء عن طلب التقوى الصادر من الله تعالى إليهم، على طريقة الاستعارة التبعية، ويحتمل أن تكون الاستعارة تمثيلية إذا شبهت حالة بحالة، وذلك أن يُنظر إلى جانب الخالق والخلق والمخلوقين، وطلب التقوى منه، فيقابل ذلك بما إذا حصل رجاء من راج في مرجو منه، وقد طُويت أركان هذا التشبيه ما عدا لعل لأنها العمدة فيه وإن لم يقتضها سياق الكلام، والذي يتبادر لي أن هذا المذهب لا يختلف عن المذهب الثاني إلا في اسلوب العرض، وعلى كلا المذهبين فهي مرتبطة بخلق، وأما المذهب الأول فهو مبني على ارتباطها بـ {اعبدوا} كما علمت، وأما على المذهبين الثالث والرابع فيجوز الأمران، والصحيح عندي المذهب الثالث لبعده عن التكلف وظهور أدلته، وان أنكره من أنكر.
وقد سبق الكلام على التقوى في قوله تعالى: {هُدى للمتقين} فلا داعي إلى تكراره.
هذا وقد جعل ابن جرير من الآية الكريمة سندا لمذهبه في جواز التكليف بما لا يطاق حيث أمر الله عز وجل عباده بعبادته مع علمه بأن كثيرا منهم لا يؤمنون، وتابعه على ذلك جماعة من المفسرين ولا مستند لهم في الآية، فإن إعراضهم عن الهدى ليس بإجبار من الله وإنما كان بمحض اختيارهم، وما كتبه الله عز وجل عليهم إنما هو بحسب ما علم من هذا الاختيار.
ولا إشكال في دخول المؤمنين في عموم هذا الخطاب الداعي إلى عبادة الله، وإن كانوا من قبل يعبدونه لا يشركون به شيئا، لأن الأمر بالعبادة أعم من أن يحصر في إنشائها أو المواظبة عليها والاستزادة منها، فيحمل خطاب كل فريق على ما يلائم حاله.
والخطاب كما أنه موجه إلى المعاصرين لنزوله، يتوجه إلى من بعدهم من أجيال البشر المتعاقبة بطريق النص لا القياس، فإنه خطاب صادر من الخالق العظيم إلى هذا الجنس من المخلوقين، وليس خطاب الحق كخطاب الخلق، إذ لم يكن خطاب مشافهة حتى يقال كيف يخاطب من هم في أصلاب الآباء أو أرحام الأمهات؟ وإنما هو خطاب لا تعتبر فيه مقاييس الخلق، فهو نداء سرمدي يواجه كل من سمعه أو تلاه من جديد، وبهذا يُستغنى عما قاله أكثر المفسرين في هذا الموضوع.
وبعد تذكير الناس بنعمة الله عليهم المتمثلة في إيجادهم وإيجاد أصولهم، ينتقل بهم الخطاب إلى تذكيرهم بنعم الله في الكائنات من حولهم، وفي هذا تبصير لهم بآياته الكبرى الدالة على وحدانيته، والقاضية بوجوب الإِنقياد له والإِذعان لأمره ونهيه، فهو مرتبط بما أُمروا به من عبادته.
ومعنى جعْل الأرض فراشا؛ تهيئتها لأن تكون مستقرا ومستودعا للمخلوقين فيها، فهي كالفراش من حيث أنهم يتقلبون عليها حسبما أرادوا، فعلى ظهرها يمشون ويقعدون وينامون، ومن حكمته سبحانه لم يجعلها رخوة كالوحل والدقيق، ولا لطيفة كالماء والهواء، ولا صلبة كالصلد، بل جعلها مهيأة لراحة الانسان كما يقتضيه حاله، وتقديم ذكرها على ذكر السماء لأنها إلى الإِنسان أقرب وحاجته إليها أمس.
والأصل في لفظة السماء أن تطلق على كل ما علا، كسقف البيت والخيمة، لأنها مأخوذة من سما يسمو إذا ارتفع، وخُصِّصت في العرف بهذا الفضاء المحيط بالكرة الأرضية الذي نرى أبعاده شبيهة بقبة زرقاء مضروبة على الأرض، ولذلك تعتقد العامة أنها جسم أزرق مبني كالقبة، وما هي إلا فضاء واسع يسبح في عُبابه ما لا يُحصى من الأجرام الفلكية، وهذا لا ينافي كونها طبقات، لما عرف من أن الفضاء يتكون من طباق، كما أخبر الله سبحانه وفسره الاكتشاف العلمي، ومن الأدلة البارزة أن المراد بالسماء هو هذا الفضاء، قوله سبحانه في الشجرة الطيبة:
{ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ } [إبراهيم: 24]، مع العلم أن فرعها لا يمتد إلى الأجرام الفلكية، ومثله قوله هنا: {وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً} مع كون الماء ينزل من طبقة قريبة جدا من الأرض ينشأ فيها السحاب ويشبه في تراكمه الجبال، وهو المراد بقوله: { وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ } [النور: 43]، والراكب على الطائرة يخترق هذه الطبقة ويتجاوز هذا السحاب.
والمراد من جعل السماء بناء الربط بين أجرامها بسنة الجاذبية، التي هي أشبه بوضع لبنة على لبنة في البناء، فإنها يشد بعضها بعضا بما أودع الله سبحانه في كل منها من طبائع تتلاءم كما يشد اللبِن بعضه بعضا، وذلك من أسباب تمكن الإِنسان من الإِستقرار على الأرض حتى يأتي وعد الله بانحلال هذا الرباط وتداعي هذا البناء، كما أخبر تعالى في قوله:
{ إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتْ } [الانفطار: 1 - 2]، وبجانب ذلك فإن الغلاف الهوائي المحيط بالكرة الأرضية أشبه ما يكون بالسقف المبني الواقي، فالشهب التي تتقاذف في أرجاء الفضاء لا تكاد تصلنا بسبب هذا الحاجز الطبيعي، وكذلك الأهوية المنبعثة من الأجرام السماوية ذات الطبائع المهلكة أو المؤذية، فإنها باتصالها بهذا الحاجز يصدها عن الوصول إلينا إلا بعد أن تلطف وتتكيف مع طبيعة هذه الكرة الأثيرية الملائمة لطبيعة الأرض ومن فيها، وعلى كلا المعنيين يتضح معنى جعل السماء بناء لنا، وهو يعد من الإِعجاز العلمي الذي سبق القول فيه في الجزء الأول، إذ لم تكن هذه الحقائق واضحة للناس في عهد نزول القرآن، خصوصا أولئك الأميين الذين نزل بينهم، وبجانب هذا فإن التعبير عن هذه الحقائق بهذا الأسلوب الغريب يعد نمطا من أنماط الإِعجاز البياني الذي تحدثنا عنه، وذلك أن القرآن واجه عصورا مختلفة تنوعت فيها الثقافات، وتباينت فيها التصورات باختلاف أطوار البشر، واختلاف علومهم وآدابهم، ومع ذلك فقد وسع هذا التعبير جميع هذه الأحوال، ولم يصطدم مع مفاهيم أي جيل من هذه الأجيال، فالبدوي البدائي الذي لم يكن يدرك شيئا مما سبق الحديث عنه؛ من ترابط الأجرام الفلكية، وإحاطة الأرض بمظلة هوائية، إذا تلا هذه الآية أو تليت عليه فهم من معناها ما وصل إليه فهمه، ولم تصطدم بشيء من تصوراته حول الكون، والعالم الفلكي في هذا العصر الذي توفرت لديه وسائل الاكتشاف التي لم تكن في الحسبان من قبل يرى أن الآية الكريمة ما جاءت إلا لتخاطب أمثاله، فسبحان من وسع كلامه جميع خلقه، وهو بكل شيء عليم.
والمراد بإنزال الماء من السماء؛ إنزاله من هذا الفضاء الذي يعلو الأرض بعد أن تتصاعد إليه الأبخرة - بتأثير حرارة الشمس - من المحيطات والبحار والأنهار فتتجمد في الفضاء لتأثير البرودة، ويتكون منها السحاب فتذوبه الطاقة الحرارية، وينهمر منه هذا الودق النافع للعباد، وذلك كله بمشيئة الله، ولو شاء لخلق الماء في هذه الأرض نفسها من غير أن يتنزل من السماء، ومن غير أن يمر بأي طور من هذه الأطوار، كما أنه سبحانه لو شاء أن يخلق الناس والبهائم من غير لقاء بين الذكر والأنثى، ومن غير مرور بأطوار الحمل لكان ذلك، ولكنه - جلت حكمته - أراد بتنقل الأشياء من طور إلى آخر، وتقلبها من حال إلى أخرى تذكيرا للعباد، وتبصيرا بحكمة المبدأ وإمكان المعاد.
هذا وقد جمد كثير من المفسرين على ظاهر الآية، وزعموا أن المطر يتنزل من السماوات العالية حيث الأجرام الفلكية وادّعوا أن السحاب ليس هو إلا غربالا له، ومنهم من قال إن القطرات التي تتنزل من السماوات هي في حجم الجمال ثم تتفرق عندما تقع على هذا الغربال فتنزل بحسب حالها الذي نشاهده، وبالغ بعضهم فادعى أن المطر ينزل من تحت شجرة من أشجار الجنة، وقد بالغوا في رد الرأي الصحيح وعَدُّوه من الأوهام الفلسفية، وما دروا أنهم هم الذين أسرتهم الأوهام بسبب ركونهم إلى الروايات الكاذبة التي راجت في أوساط الناس بعد ما مهد اليهود لرواجها، وليس لشيء منها سند يعول عليه، إذ لم يثبت أي شيء منها عن الرسول صلى الله عليه وسلم أو عن أصحابه - رضي الله تعالى عنهم -، ولا يصح الآن بعد ما وضح الصبح لذي عينين أن يتعلق أحد بهذه الأوهام، فقد دلت المشاهدة على كذبها، فكثيرا ما يخترق الراكبون على الطائرات طبقات السحاب الماطر، حتى إذا جاوزوه وكانوا أعلاه لم يروا للمطر أثرا، فأين هذه القطرات التي هي في حجم الجمال؟
والعجب من أولئك الذين صدقوا هذه الأوهام؛ فعولوا عليها في تفسير كلام ربهم، كيف عزب عنهم وصف الله تعالى في القرآن لإِنشاء السحاب نحو قوله:
{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ } [النور:43]، وقوله: { ٱللَّهُ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي ٱلسَّمَآءِ كَيْفَ يَشَآءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ } [الروم: 48]، وقوله: { وَٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا } [فاطر: 9]، وهذه الآية نص صريح على أن المطر من نفس السحاب لأن الإِحياء إنما يكون به، والضمير في قوله: {فَأَحْيَيْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ} عائد إلى السحاب.
وكذلك نجد من الناس من يتعلق بقوله تعالى: {والأرض فراشا} في إنكار كروية الأرض، مع أن كونها فراشا لا ينافي كرويتها بحال، كما نص عليه الزمخشري وهو من المفسرين القدامى، ونبه عليه كثير من المتقدمين، وذلك أن صلاحها للإِستقرار عليها هو معنى كونها فراشا.
ومن حكمة الله تعالى أن جعل في الماء خاصية الإِنبات، وجعل في الأرض مثلها، وعندما تلتقي الخاصيتان وتتفاعلان يتولد النبات بمشيئته تعالى كما يكون اللقاح باجتماع ماء الذكر والأنثى في الرحم، وذلك هو المقصود بقوله: {فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ}.
واختُلف فيما عُطف عليه قوله: {فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً}، فذهب فريق إلى أنه معطوف على اعبدوا ربكم، لأن العبادة المطلوبة هي العبادة الماحضة التي لا يشوبها شرك، وجعل الأنداد لله مناف لها، فلا غرو إذا كان الأمر بها يتضمن النهي عن اتخاذ الأنداد بطريق اللزوم، غير أنه قد يخفى على الكثير ممن تربوا على الجاهلية واعتادوا اتخاذ الأنداد له سبحانه، فمن ثم صُرح بهذا اللازم معطوفا على ملزومه بالفاء الرابطة بين معطوفيها، وذهب آخرون إلى أنه معطوف على {تتقون}، ونظروه {فأطلع} من قوله سبحانه:
{ لَّعَـلِّيۤ أَبْلُغُ ٱلأَسْبَابَ أَسْبَابَ ٱلسَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ } [فاطر: 36 - 37]، وعليه فهو من ضمن ما يتعلق بلعل؛ سواء قيل إنها تعليلية أو للترجي على حسب الاختلاف الذي أوردتُه من قبل، وقيل: هو مرتبط بجملة {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً}، وعليه فالموصول مقطوع عما قبله، وإنما هو خبر لمبتدأ محذوف ولا يخلو من تكلف، والذي يظهر لي أنه مرتبط بجميع ما تقدم من تعداد الآلاء المتنوعة التي تبدأ بخلقهم وخلق من قبلهم، وما ذُكر بعده من جعل الأرض فراشا لهم، والسماء بناء، وإنزال الماء من السماء، وما يتبعه من إخراج رزقهم من الأرض، فإن جميع ذلك باعث على إخلاص العبادة لله الذي أغدق عليهم هذه النعم، فكان نهيهم عن اتخاذ الأنداد له سبحانه - بعد تذكيرهم بنعمه التي تقتضي منهم الشكر المنافي للاشراك - من الملاءمة لما تقدمه بمكان.
والند هو المثل المعارض، وقيل: ولو لم يكن مُعارضا وإنما الغالب في الأنداد التنافس والتعارض بينها، فلذا خصه الأولون بالمعارض، وهؤلاء المخاطبون لم يكونوا يعتقدون في معبوداتهم أنها معارضة لله تعالى، وإنما كانوا يعتقدونها وسيلة توصلهم إلى مقامات الزلفى منه، غير أنهم عُدُّوا بمنزلة من اعتبرها معارضا له نظرا إلى أن العبادة من خصوصيات الخالق، فإشراك غيره فيها يعني اعتبار ذلك الغير في مقام الند له.
والنهي عن جعل الأنداد لله يعم جميع أنواع الجعل، سواء كان بالتوجه إليها بالعبادات المعروفة؛ كالتقرب إليها بالركوع والسجود، والقرابين والنذور، أم كان بالضراعة والابتهال وطلب قضاء الحاجات التي لا يمكن لمخلوق قضاؤها، أم كان باعتقاد قدرتها على التصرف في هذا الوجود، أم كان بالطاعة المُطْلقة التي تخرج بالصادرة منه عن طاعة الله سبحانه وتعالى، وقد روي عن سلف الأمة ما يدل على ذلك كله، والاختلاف فيما روي عنهم لا يتجاوز أن يكون من باب الاختلاف في مراعاة الأحوال بحسب اختلاف المقامات، وإلا فالنهي شامل لذلك كله، ومن ذلك ما أخرجه ابن اسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً} أنه قال: "أي لا تشركوا به غيره من الأنداد التي لا تضر ولا تنفع، وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره"، وأخرج عنه ابن جرير وابن أبي حاتم قال: "أندادا أي أشباها"، وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري في الأدب المفرد؛ والنسائي، وابن ماجة، وأبو نعيم في الحلية عن ابن عباس قال:
"قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: ما شاء الله وشئت فقال له صلى الله عليه وسلم: أجعلتني لله ندا؟ قل ما شاء الله وحده" ، وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: "أندادا أي شركاء"، وأخرج أحمد وأبو داود، وابن أبي شيبة، والنسائي، وابن ماجة، والبيهقي، عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان، قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان" وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: "الأنداد الشرك اخفى من دبيب النمل على صفا سوداء في ظلمة الليل، وهو أن تقول والله وحياتك يا فلان وحياتي، وتقول لولا كلب هذا لأتانا اللصوص، ولولا القط في الدار لأتى اللصوص، وقول الرجل ما شاء الله وشئت، وقول الرجل لولا الله وفلان، هذا كله شرك"، وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما أن المراد من قوله: {فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً} فلا تجعلوا من الرجال أكفاء لله تطيعونهم في معصية الله.
وما أدق هذه التفاسير المأثورة عن السلف الصالح رضي الله عنهم في معنى الأنداد، وما أعزب فهم كثير من الناس عنها، فلعلهم يتصورون ان اتخاذهم الأنداد لا يعدو عبادة الأصنام المنحوتة من الأحجار، ولا يدركون أن الأمر أعم منه، فقد تكون أصنام البشر أضر من أصنام الحجر إذا ما عُظِّم الطواغيت وانقادت لهم الناس، وخضعوا لأحكامهم الجائرة، وآثروا ضلالهم على هدى الله، ورددوا شعاراتهم الزائفة التي ما أنزل الله بها من سلطان، ولا يقصد بها إلا نقض عرى الدين وهدم صرح التوحيد، وإذا كان من شأن عقيدة التوحيد تطهير النفوس من الأوهام، وتزكية الأعمال بإخلاصها لله، فإن من شأنها أيضا تحرير الإِنسانية حتى لا تخضع لغير الله ولا تتحاكم إلى غير شرعه ولا تنقاد إلا لحكمه، ولا تذعن لغير طاعته، فلله الخلق ولله الأمر، وكل من تطاول فأمر بما يخالف أمره تعالى فهو متطاول على سلطان الله.
وتذييل الآية بقوله: {وأنتم تعلمون} لأجل حفزهم على النظر في ملكوت الله الدال على ملكه القاهر وسلطانه الباهر، لينشأ عن هذا النظر إخلاص العبادة لوجهه والاستسلام لأمره ونهيه، والمراد بكونهم يعلمون أن الله خلقهم مهيئين للعلم بما آتاهم من أسبابه ومنح كلا منهم من القوة الفكرية ما يمكنه من التفرقة بين الحق والباطل، والتمييز بين الهدى والضلال، لولا اتباع الشهوات، وتحكيم العادات، والتأثر بالبيئات فإن هذه هي عوامل إطفاء نور الفطرة وإخماد جذوة الفكر، فإذا لم يبصر أحد الهدى فما هو إلا من تقصيره في النظر والملامة لا تعود إلا عليه، فالخلقة كاملة والفطرة سليمة.
وكونهم من شأنهم العلم لا ينافي ما سبق من وصف المنافقين بعدم العلم وعدم الشعور، فإن العلم والشعور المنفيين هناك علم خاص وشعور خاص لا مطلق العلم والشعور، وقد علمت أن منشأ عدم شعورهم وعلمهم تقصيرهم في النظر بسبب هوى نفوسهم واتباع شياطينهم، وليس ذلك فيهم جِبلِّيا.
هذا وفي تذكيرهم بأنهم يعلمون في مقام التقريع والزجر، تربية نفسية بالغة، فإن تذكير الانسان بأسباب الكمال في نفسه حافز له على استخدام هذه الأسباب في تغطية جوانب نقصه، وهو مسلك تربوي قرآني جاء ممن يعلم خفايا النفوس، ويحيط بأسرار طبائعها.
ولا داعي إلى تقدير مفعول لـ {تعلمون} لأن المراد به أنهم متصفون بالعلم، وليس المراد تذكيرهم بمعرفتهم بشيء معين، خلافا لبعض المفسرين الذي قدر بعضهم؛ وأنتم تعلمون أن أولئك الأنداد ليسوا أهلا لأن يُعبدوا، وقدر آخرون منهم؛ وأنتم تعلمون أن الله وحده هو الخالق، وآخرون؛ وأنتم تعلمون أن الله لا ند له في التوراة، وهذا مبني على أن الخطاب موجه إلى اليهود فحسب، وقد علمت أن الصحيح غير ذلك.
واستدل الفخر الرازي - بما جاء في هاتين الآيتين من الاستدلال على وجود الله، وعظمته، وعلو شأنه، وانفراده باستحقاق العبادة بأنواع مخلوقاته - على صحة المنهج الكلامي وأسلوب علماء الكلام، وأطال في الاستدلال لرأيه هذا، وساق له العديد من الأمثلة في القرآن، وشنع على الذين ينكرون على علماء الكلام هذا المسلك، وبين شُبَهَهُم التي يتعلقون بها، وأطال في تفنيدها ودحضها شبهة شبهة، والقول الفصل في هذا أن علم الكلام إن سلك مسلك القرآن في إثبات المعتقدات الصحيحة بدلائل الفطرة والبيئة، فذلك مسلك سليم وطريقة ناجحة، وإنما يُعاب على المتكلمين اتباعهم أسلوب فلاسفة اليونان القدامى، وحشر مصطلحاتهم في البحث والجدل، وهي طريقة عقيمة ليست من ورائها فائدة إلا كثرة الكلام، وما لنا وللجدل الإِغريقي وقد أغنانا الله بكتابه الكريم الذي يخاطب الانسان بمنطق الفطرة، ويقيم عليه الحجة مما انطوت عليه نفسه، واشتمل عليه خلقه من آيات الله، ويفتح عينيه ليتأمل الآيات الكبرى في فسيح الكون من حوله، ويبين له بدلائله الصادقة وبراهينه الصادعة أن الله سبحانه ميّزه عن سائر المخلوقات بما اختصه به من المواهب، وبخلق الأرض وما فيها له، وتسخير منافع الكون لأجله حتى صار القطب الذي تدور عليه رحى هذا الوجود.
ولعمري إن هذه الطريقة هي أنجح طريقة في إيقاظ الفطرة من سباتها، وتنبيهها من غفلتها، وكانت هي الوسيلة لاقناع الناس بهذا الدين، من غير تعمق في الجدل ولا غلو في البحث، بخلاف المنطق الإِغريقي الذي لا يمت بصلة إلى الفطرة الانسانية، ولو قدرنا أنه صالح للإِقناع في عصر ما فإنه لا يصلح لأغلب العصور، ومما يؤسف له أن ينساق علماء الكلام وراء هذا المنطق، ويحشروا جل مؤلفاتهم أو كلها بجدلياته العقيمة حتى خرجوا بعلم الكلام إلى متاهات شتى، فلم يكن قاصرا على تنزيه الله سبحانه، بل أصبح أشبه بالعلوم الفلسفية منه بالعلوم الشرعية.
والذي أراه - واقترحه على المفكرين المسلمين - تجريد مباحث علم التوحيد عن هذه الفلسفات والسير بها في منهاج القرآن، ولست أنحي باللائمة على المتكلمين وحدهم، فالذين يتعامون عن دلائل العقل، ويتصاممون عن حججه ليسوا من هدي القرآن في شيء، فالله تعالى يقول:
{ وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ ٱلْعَالِمُونَ } [العنكبوت: 43]، ويقول: { إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِي تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلْمُسَخَّرِ بَيْنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } [البقرة: 164] ويقول: { إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ } [آل عمران: 190]، ويقول: { كَذٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } [يونس: 24]، فشحذ الفكرة واستخدام العقل أمران لا بد منهما في فهم مقاصد الوحي.
وفي هاتين الآيتين تنبيه لأولي الألباب على الوحدة الكونية القاضية بوحدة المكون الذي لا إله إلا هو وإليه المصير.