التفاسير

< >
عرض

وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ فَأَنجَيْنَٰكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ
٥٠
-البقرة

جواهر التفسير

تفصيل لما أُجمل من قبل في قوله: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم} وعطفه عليه عطف تفصيل على إجمال، وقد سيقت هذه القصة ببيان أوسع في القرآن المكي لأجل مخاطبته قوما لم يكونوا على عهد بالنبوات وليس في أيديهم شيء يتلونه مما أُنزل عليهم، فكانت توسعة بيانها من مقتضيات التخاطب مع أمثالهم لما فيها من العبر المختلفة والنذر المتعددة، وبها يزداد المؤمنون الذين يغذيهم القرآن بعلوم النبوات السابقة اتساع أفق ورسوخ قدم وقوة بصيرة.
أما بنو اسرائيل فلم يكونوا بحاجة إلى مثل ذلك البيان الواسع في تحديثهم بها لما استقر عندهم من أخبارها التي يتلونها في الكتاب ويتلقاها الأصاغر منهم عن الأكابر والأخلاف عن الأسلاف، فلذلك اكتُفى بهذا القدر لأن المراد به اشعارهم برد النعمة يلامس أبدانهم التي أرهقها سوء العذاب من فرعون وآله.
وقد كانت هذه النتجية على يدي موسى عليه السلام احدى معجزاته الظاهرة للعيان، فهي معجزة في نفسها لأنها كانت من عدو قاهر ومعجزة في كيفيتها لأنها كانت بطريقة لم تعهد من قبل.
وقد كانت غب ما أمرهم الله به من الخروج من مصر حالة استخفاء من فرعون وآله لئلا يحول بينهم وبين بغيتهم من الخروج، وقد كان ذلك أمرا إلهيا أوحاه الله إلى موسى عليه السلام وهو الذي يدل عليه قوله عز من قائل:
{ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِيۤ إِنَّكُم مّتَّبِعُونَ } [الشعراء: 52]، وقوله: { وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي ٱلْبَحْرِ يَبَساً } [طه: 77]، وقوله: { فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ } [الدخان: 22-23]، وهذا هو الذي اقتصر عليه جمهور المفسرين، وخالفهم بعض المتأخرين كالإِمام محمد عبده والسيد رشيد رضا، وتبعهما القاسمي في محاسن التأويل، فذهبوا إلى أن ذلك كان بإخراج بل طرد من فرعون بعد أن رأى ما رآه من الآيات التي كادت تُحلَّ به وبقومه البوار، وقد عولوا في رأيهم هذا على ما جاء في سفر الخروج من تأريخ التوراة "أن الله تعالى أنبأ موسى بأنه يقسي قلب فرعون فلا يخفف العذاب عن بني اسرائيل ولا يرسلهم مع موسى حتى يريه آياته، وأنه بعد الدعوة زاد ظلما وعتوا فأمر الذين كانوا يسخرون بني إسرائيل في الأعمال الشاقة بأن يزيدوا في القسوة عليهم وأن يمنعوهم التبن الذي كانوا يعطونهم إياه لعمل اللَّبِن، ويكلفوهم أن يجمعوا التبن ويعملوا كل ما كانوا يعملونه من اللبن لا يخفف عنهم منه شيء، فأعطى الله موسى وأخاه هارون الآيات البينات فحاول فرعون معارضتها بسحر السحرة، فلما آمن السحرة برب العالمين رب موسى وهارون لعلمهم أن ما جاء به ليس من السحر وإنما هو تأييد من الله تعالى ورأى ما رأى بعد ذلك من آيات الله لموسى سمح بخروج بني إسرائيل بل طردهم طردا". "وقال لهارون وموسى اخرجوا من بين شعبي أنتما وبنو إسرائيل جميعا واذهبوا اعبدوا الرب كما تكلمتم، فلما ارتحلوا وأخبر فرعون أن الشعب قد هرب تغير قلبه عليهم، وقال ماذا فعلنا حين أطلقناهم من خدمتنا؟ فشد مركتبه وأخذ قومه وسعى وراءهم".
وسوغ العلامة ابن عاشور هذا الرأي تسويغه للرأي الذي قبله، وأجاز أن يكون نَدَم فرعون على إطلاقهم ناشئا عن إغراء بعض أعوانه بصدهم عن الخروج لما في خروجهم من إضاعة الأعمال التي كانوا يسخرون فيها، أو لأنه لما رآهم سلكوا غير الطريق المألوف لاجتياز مصر إلى الشام ظنهم يرومون الانتشار في بعض مملكته المصرية فخشى شرهم إن هم بعدوا عن مركز ملكه ومجتمع قوته وجنده.
ورأى الجمهور عندي أولى بالصواب لأمرين:
أولهما: موافقته لظواهر الآيات كما أسلفنا على أن من الآيات ما يدل دلالة واضحة بأن فرعون عدنا شاهد آيات الله العظام التي نزلت به وبقومه وما أصابهم من الرجز طلب من موسى عليه السلام أن يدعو ربه برفع الرجز، ووعده بالإِيمان له وإرسال بني إسرائيل معه إذا ما تحقق مطلوبه هذا، وكان هذا الوعد معلقا على رفع الرجز فلما تحقق ذلك نكث في عهده وأصر على عناده، والدال على ذلك قوله تعالى:
{ وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ ٱلرِّجْزُ قَالُواْ يٰمُوسَىٰ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا ٱلرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ فَلَماَّ كَشَفْنَا عَنْهُمُ ٱلرِّجْزَ إِلَىٰ أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ } [الأعراف: 134-135]، ومن الظاهر أن هذا النكث كان في كلا الأمرين، الإِيمان به وإرسال بني إسرائيل معه، ولم يكن في أحدهما دون الآخر، ولا مساغ للتعلق بنصوص التوراة المحرفة، مع معارضتها نصوص القرآن الذي صانه الله عن أيدي العابثين على أن التوراة نفسها لا تخلو مما يدل على أن خروج بني إسرائيل من مصر لم يكن بإخراج فرعون إذ عبرت عنه تارة بالهروب.
ثانيهما: أن التوراة نصت وعلماء التفسير وغيرهم أطبقوا على أن بني اسرائيل عندما هموا بالخروج من مصر استعاروا من المصريين حليهم وأشار الى ذلك القرآن في قوله:
{ وَلَـٰكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ } [طه: 87]، ولم يخالف في وقوع ذلك أحد من أهل الكتاب أو المسلمين، وإن اختلفوا في كون ذلك بإذن من موسى عليه السلام إذ وعد بني إسرائيل أن ينفلهم أموال المصريين، أو أنه من تصرف بني إسرائيل أنفسهم من غير أن يعمل بهم موسى عليه السلام، وأنهم خدعوا المصريين بأنهم يريدون هذا الحلي المستعار للاحتفال ببعض أعراسهم. وعلى القول بأنه كان بإذن من موسى فذلك لحكمة أرادها الله وهي أن يكون ذلك أدعى لفرعون وملئه للحاق بهم بقصد الانتقام منهم واسترداد أموالهم فينتهوا إلى ما كتبه الله عليهم من الهلاك.
ومهما يكن فإنه يبعد أن يرضى المصريون بإعارتهم حليهم الثمين مع معرفتهم بأنهم على وشك الطرد والإِبعاد، كما يبعد أن يخفى عليهم قرار الطرد الذي اتخذه فرعون ضد بني إسرائيل لأنهم خاصة فرعون ورهطه.
وكان اتجاه موسى ومن معه في خروجهم من مصر بتوجيه من الله سبحانه حتى يتحقق أمره وتتجلى قدرته، فلو أنهم قطعوا الطريق المألوفة وسلكوا شاطئ البحر الأبيض المتوسط - الذي كان يسمى ببحر الروم - لاختصروا المسافة وما كانا يلجأون إلى خوض البحر غير أن هذا الطريق كانت محفوفة بالخطر بالنظر إلى حالهم، فإن قوافل المصريين كانت تتردد فيها جيئة وذهابا، وفي أعمال رسل الله سبحانه ما تقتضيه سنن الحياة من الأخذ بأسباب النجاح والابتعاد عن مظان الفشل ليكونوا أسوة لغيرهم وإن شملتهم عناية الله، ولذلك لجأ موسى بقومه إلى ناحية لم تكن يطرقها السفار فيمم إلى الناحية الجنوبية الشرقية حتى انتهى إلى ساحل البحر الأحمر في مكان يسمى فم الحوريث، وهناك فوجئ بنو اسرائيل بعدوهم القاسي يغشاهم بجنوده الغلاظ فقالوا لموسى:
{ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ } [الشعراء: 61-62]، فتم ما أراده الله من إنجائهم وإهلاك عدوه وعدوهم بأمر لم يؤلف نظيره وهو فرق البحر { فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ } [الشعراء: 63]، حتى جاوزه بنو إسرائيل إلى الضفة الأخرى ثم أطبعه على أعدائهم الذين كانوا يسرعون خلفهم لأجل الانتقام منهم فاجتمعت لهم من ذلك نعمتان كبريان، إنجاؤهم من العدو والغرق، وإهلاك عدوهم بما كان سببا لتنجيتهم وهم ينظرون، كما ظهر لهم ولغيرهم من آيات الله في ذلك ما يستدعي رسوخ الإِيمان وزيادة اليقين.
ويستفاد أن البحر المقصود في هذه الآية ونظائرها هو البحر الأحمر، وهو الذي يقتضيه قوله تعالى: {فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ}، وقد سمعت من أحد الفضلاء بمصر أن الخبراء الروس اكتشفوا آثار هذا الفرق في البحر المذكور وتلك من آيات الله التي تقوم بها حجته على الجاحد والمعاند.
وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد بالبحر في هذه الآية وأشباهها النيل وأن غرق فرعون كان فيه. وهذا رأي مرفوض.
وقد كان انفلاق البحر مسببا عن ضربه موسى بالعصى، وذلك يستفاد من قوله عز من قائل:
{ فَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ } [الشعراء: 63]، وتلك إحدى المعجزات التي قرن الله بها دعوة عبده موسى عليه السلام، إذ لم يكن ذلك أمرا طبعيا مألوفا، فما للعصى وانفلاق البحر لولا أن الله أودع فيها من سره الغيبي ما لا تكتنهه عقول البشر، وقد مضت سنة الله في خلقه أن يهيئ ما شاء من الأسباب لما يشاء من المسببات، سواء كانت داخلة في النواميس الكونية المألوفة لدى البشر أم خارجة عنها، ولا يجادل في ذلك إلا المرتابون الذين هم في ريبهم يعمهون.
وقد أجاد الإِمام محمد عبده في حديثه عن هذه المعجزة، وإن عهد منه الميل إلى تفسير الحقائق الغيبية بما يتلاءهم مع السنن الكونية المعهودة عند الناس، وقد كرر هنا ما قاله في رسالة التوحيد، وهو أن الخوارق الجائزة عقلا - أي التي ليس فيها اجتماع النقيضين ولا ارتفاعهما - لا مانع من وقوعها بقدرة الله في يد نبي من الأنبياء وأنه يجب أن يؤمن بها على ظاهرها، ووصف المنكرين للمعجزات بأنهم من المتهورين، ونسب إليهم في تأويل هذه القصة أنهم يزعمون بأن عبور بني إسرائيل البحر كان في إبان الجزر، فإن البحر الأحمر رقارق إذا كان الجزر الذي عهد هناك شديدا يتسير للإِنسان أن يعبره ماشيا، ولما اتبعهم فرعون بجنوده ورآهم قد عبروا البحر تأثرهم، وكان المد تفيض ثوائبه - وهي المياه التي تجيء عقيب الجزر - فلما نجا بنو إسرائيل كان المد قد طغى وعلا حتى أغرق المصريين فتحقق إنعام الله على بني إسرائيل بأن تم هذا التوفيق لهم والخذلان لعدوهم، وزعموا أن كونه ليس آية لموسى عليه السلام لا ينافي الامتنان به عليهم، فإن نعم الله بغير طريق المعجزات أعم وأكثر - قال الإِمام - ولكن يدل على كونه آية له وصف كل فرق منه كالطود العظيم، وإذا تيسر تأويل كل آيات القصة من القرآن، فإنه يتعسر تأويل قوله تعالى في سورة الشعراء:
{ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ } وهو الموافق لما في التوراة.
ولخص صاحب المنار قول المؤولين بما حاصله، "أن بني إسرائيل لما عبروا البحر انفرق بهم وكانوا لاستعجالهم واتصال بعضهم ببعض قد جعلوا ذلك الماء الرقراق فرقين عظيمين ممتدين كالطود، وأن هذه الآية تشعر بذلك، فإنه يقول: {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ} ولم يقل فرقنا لكم البحر والظاهر أن الباء هنا للآلة، كما تقول قطعت بالسكين، وأما قوله تعالى:
{ فَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ فَٱنفَلَقَ } [الشعراء: 63] فإنه لا ينافي أن الانفلاق كان بهم، كما في آية البقرة لا بالعصى، وذلك أن الذي أوحاه الله تعالى إلى موسى هو أن يخوض البحر ببني إسرائيل وقد عهد أن من كان بيده عصى إذا أراد الخوض في ماء كترعة أو نهر أن يضربه أولا بعصاه، فهذه الآية معبرة عن هذا المعنى، أي ألهمه الله عندما وصل إلى البحر أن يضربه بعصاه ويمشي، ففعل ومشى وراءه بنو إسرائيل بجمعهم الكبير، وأما قوله تعالى: {فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ} فهو تشبيه معهود مثله في مقام المبالغة، كقوله تعالى: { وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَٱلْجِبَالِ } [هود: 42]، وقوله: { وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلْجَوَارِ فِي ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلاَمِ } [الشورى: 32]، فالأمواج والسفن الجواري لا تكون كالجبال الشاهقة والأعلام الباسقة، وإنما تقضي البلاغة بمثل هذا التعبير لكمال التصوير وإرادة التأثير"، وأضاف إلى ذلك من بعد أنه بسط تأويلهم لئلا يتوهموا أنه لم يقل به لعدم اهتدائه إلى توجيهه مثلهم، وأشار فيما بعد إلى عدم أهمية الخلاف مع هؤلاء إذ كانوا يثبتون الآيات الكونية تأييدا للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وسوغ أن تكون الباء في قوله بكم سببية أو للملابسة لا للآلة - كما يقول المتأولون، وذكر ان البيضاوي أشار إلى ذلك كله بقوله: "فلقناه وفصلنا بين بعضه وبعض حتى حصلت فيه مسالك لسلوككم، أو بسبب إنجائكم، أو متلبسا بكم"، وأضاف ألى ذلك من بعد أن الخلاف منصوص عليه في تفسيري الأصفهاني والبغوي.
ويستفاد مما قاله أنه لا يستبعد صحة مقالة هؤلاء المتأولين ما داموا يحملون هذه الآيات الكونية المتفقة مع سنن الوجود على أن فيها تأييدا للرسل صلوات الله وسلامه عليهم، وهذا جرى على ما عهد منه من حمله كثيرا من هذه الأخبار الغيبية على ما يتفق مع الأحوال المألوفة للناس وإن أفضي ذلك إلى التكلف الممقوت في حمل ألفاظ القرآن على ما لا تنسجم معه من المعاني، وحسبكم دليلا على بطلان هذا التأويل تعذره إذا ما قسناه على الحالة الطبعية المعهودة للماء إذا خيض فيه فإنه لم يعهد منه انقسامه إلى شطرين كل شطر على جانب الخائضين كالطود العظيم، بل من طبع الماء الإِنسياب في الفرج بين أقدام الماشين فيه، وتساوي سطحه من كل جانب، ومما يؤكد بطلان تأويلهم قوله تعالى:
{ وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي ٱلْبَحْرِ يَبَساً } [طه: 77]، فإنه نص في أن انشقاق الطريق لهم كان بضرب موسى البحر، وأنهم اجتازا مكانا يبسا لا ماء فيه.
هذا، وقد امتلأت كتب التفسير بروايات متعددة متناقضة في وصف قصة نجاة موسى ومن معه، وغرق فرعون وآله، وقد نص ابن عطية وأبو حيان والألوسي في تفاسيرهم على أن هذه الروايات لا تعتضد بشاهد من الكتاب ولا الأحاديث الصحيحة غير أنهم مع ما قالوه لم تسلم تفاسيرهم من شوائبها، ومن ذلك قول أبي حيان: "ولم يختلفوا في أن فرق البحر كان بعدد الأسباط اثني عشر مسلكا"، وحمل عليه قراءة الزهري "فرّقناه" وهي قراءة شاذة تخالفها جميع القراءات العشر، فليست موضعا للاستدلال على أن ابن عاشور حملها في تفسيره على مراعاة شدة الاتصال بين أجزاء المفرق، وذلك يستدعي شدة التفرقة، وإنما اتفقت القراءات العشر على التخفيف لما فيه من النظر إلى عظيم قدرة الله تعالى، فكان ذلك الفرق الشديد خفيفا.
والقرآن لم يذكر طرقا وإنما ذكر طريقا، وكل زيادة على ما جاء فيه غير مسلمة على أنه يبعد في مثل ذلك المقام المدهش والرعب المؤدي إلى الفوضى عادة أن ينحاز كل سبط من بني إسرائيل بنفسه ويسلم طريقا غير طريق الآخرين.
والفرق الفصل إما بين الشيء الواحد حتى يكون شيئين، وإما بين الشيئين المتصلين حتى يكونا منفصلين، وإذا استعمل في الشيء الواحد كان بمعنى الشق، ففرق البحر إذن هو شقه ليتهيأ بين شطريه سبيل للسالكين.
واختُلف في الباء (بكم)؛ قيل إنها للآلة، ومعنى ذلك أن الفرق حصل بسلوكهم، وعبر عنها بعض المفسرين بالاستعانة، وهو تعبير لا يليق بواجب الأدب مع الله تعالى، فإنه هو الذي أسند إليه الفرق، وهو أجل من أن يستعين بشيء، وإذا عُبِّر عن هذه الباء بأنها للاستعانة إذا أُسند الفعل إلى غيره فإن هذا التعبير يجب استبداله بما يتفق مع التأدب أمام الربوبية إذا أُسند إليه تعالى، وقيل: هي للسببية فتكون بمعنى اللام إذا ما قيل بجواز تعليل أفعاله تعالى لعدم الفرق بين قولك: فعلت هذا لأجلك، وقولك فعلته بسببك، إذ كان المخاطب هو الباعث على الفعل؛ وعند من يمنع تعليل أفعاله سبحانه فهي للسببية الشبيهة بالسببية الباعثة على الفعل في تربية على مدخولها وكونه هو المقصود به.
وذكر الألوسي أن الدامغاني نقل عن العرب أنهم يقولون: غضبت لزيد، إذا كان الغضب من أجله وهو حي، وغضبت بزيد، إذا غضبت من أجله وهو ميت، وأتبع ذلك الألوسي قول: "ففيه تلويح إلى أن الفرق كان من أجل أسلاف المخاطبين".
وجُوز أن تكون الباء هنا للمعية - ويُعبَّر عنها بالملابسة - ومعنى ذلك أنهم كانوا بمعية الله تعالى عندما فرق البحر لينجوا من عدوهم أي كانكوا محفوفين بنصره مشمولين برعايته، وهو معنى قول موسى عليه السلام الذي حكاه الله عنه:
{ قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ } [الشعراء: 62] واختُلف في هذا الفرق فقيل كان خطيا أي من ضفة إلى أخرى، وقيل: كان قوسيا، أي رجعوا إلى الضفة التي خرجوا منها، وكانت بين مدخلهم البحر ومخرجهم من جبال وأوعار لا يخشون بسببها أن يلحق بهم العدو من طريق البر، وهذا الذي اعتمده ابن عطية في تفسيره، وقطب الأئمة في هيميانه وتيسيره، وبما ذكراه يندفع ما قاله الألوسي، وهو أن احتمال الرجوع في طريق الدخول يكاد يكون باطلا لأن الأعداء في أثرهم. وأيد القطب -رحمه الله - القول بأن الفرق كان قوسيا بأنهم من الكثرة بحيث يحتاجون إلى سفن ترجع بهم إلى مصر لو أن الفرق كان خطيا ووصلوا إلى الضفة الثانية مع التئام البحر ورجوعه إلى حاله.
وكلامه هذا يشير إلى أنهم عادوا إلى مصر بعد أن أنقذهم الله تعالى وأهلك عدوهم، وهذا الذي ذهب اليه كثير من أئمة التفسير؛ قال ابن عاشور: "وهذا وهم، فإن بني إسرائيل لم يعودوا إلى مصر البتة بعد خروجهم، كيف والآيات صريحة في أن نزول الشريعة كان بطور سيناء، وأن خروجهم كان ليعطيهم الله الأرض المقدسة التي كتب الله لهم؟".
وابن عاشور هو الواهم في هذا التوهيم، فإن القرآن صريح في أن الله تعالى أورث بني إسرائيل ما كان خوله فرعون من قبل من جنات، وعيون، وكنوز، وزروع، ومقام، وهو نص في سورة الشعراء حيث يقول تعالى فيها:
{ فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ } [الشعراء: 57-59]، ويقول في سورة الدخان: { كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ } [الدخان: 25-28]، والقوم الآخرون هنا هم بنو إسرائيل قطعا لبيان ذلك في سورة الشعراء، وأولى ما فسر القرآن القرآن.
أما خروجهم إلى طور سيناء لتلقي التوراة واستمرارهم سيرهم بعده إلى الأرض المقدسة فقد كان بعد عودهم إلى مصر لينفلهم الله مخلفات فرعون وآله، إذ يستحيل أن يكونوا وارثين لها من غير أن يعودوا إليها.
وفيما ذكرته الآية نعم متعددة ترتبت على فرق البحر فإن الفرق نفسه نعمة جلى إذ جاءت مخالفة لما استقرت عليه العادة وأُلف عند الناس من سنن الكون، وإنجاؤهم من عدوهم باجتيازهم البحر نعمة عظيمة مقصودة بالفرق، وإغراق عدوهم فيه عليهم نعمتان: أولاهما الأمن من شره، إذ لعله لو بقى حيا لأخذ يتتبع فلولهم، ويدبر لهم المكائد، ويكيل لهم الشرور.
ثانيتهما: شفاء غيظ صدورهم بمهلكه، فإن من شأن المظلوم أن يشعر بارتياح الضمير ولذة معنوية كبرى إذا تلقى ظالمه جزاءه، وقد تحقق ذلك كله بمرأى منهم لتطمئن نفوسهم ويلتذوا بهذا المشهد، مشهد المعجزة الخارقة للعادة التي أجراها الله على يد نبيهم، ومشهد نجاتهم بسبب هذه المعجزة، ومشهد هلاك عدوهم بما كانت به نجاتهم، وهذا كله يستفاد من تذييل الآية بقوله: {وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ}.
ونسب الإِغراق في الآية إلى آل فرعون، مع أن فرعون نفسه كان من الغارقين، كما نصت عليه آيات أخرى، منها قوله تعالى:
{ حَتَّىٰ إِذَآ أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ } [يونس: 90]، وقوله: { فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي ٱلْيَمِّ } [القصص: 40]، وذلك إما لأن استحقاق آلة الغرق - وهم له أتباع لا يصدرون إلا عنه في شورهم، ولا ينفذون إلا رغباته في ظلمهم، لأنه رأس الشر ومصدر الظلم - يقضي بأنه أحق به منهم، فإذا ما نُص على غرقهم كان ذلك أدل على أنه من الغارقين، وإما لأن آله هم الذين كانوا يباشرون تعذيبهم الجسدي والنفسي، فهم الذين سخروهم للأعمال الشاقة، وسفكوا دماءهم بأيديهم، وذبحوا أبناءهم، واستحيوا نساءهم، فكان إغراق أولئك الآل أشفى لغيظ صدورهم.
وفي هذين الاحتمالين غنى عن دعوى بعضهم أن المراد بالآل نفس فرعون استنادا إلى ما روي عن الحسن البصري أنه كان يقول "اللهم صل على آل محمد"، ومراده اللهم صل على محمد، فإن في توجيه ذلك - إن صح النقل - احتمال، واذا طرق الدليل الاحتمال سقط به الإِستدلال.
وإن من دواعي الاعتبار وبواعث الاستعبار أن يكون هلاك فرعون بما كان يفاخر به ويباهي، فهو القائل:
{ وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِيۤ } [الزخرف: 51]، فأهكله الله بالماء، وهذه هي سنة الله في خلقه، فكل مغرور بشيء يأتيه قضاء الله من طريق غروره، وكم في الأرض من عات مشاقق سعى في الأرض فسادا وأهلك الحرث والنسل حتى إذا بلغ به الغرور أوجه وخُيل إليه أنه ينطح السماء بفوديه. ويطأ الجوزاء بنعليه أخذه الله أخذ عزيز مقتدر، وفي مصارع القوم الظالمين عبر للمعتبرين، وذكرى لقوم يعلمون: { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ } [النازعات: 26].
وفيما يورده القرآن من هذه القصص إنذار للظالمين وتبشير للضعفاء المضطهدين، فإن المصير لا يختلف، والعاقبة لا تتبدل، ولكل أحد آتاه الله في الدنيا ما يراه ميزة لنفسه بين بني جنسه معتبر فيمن أهلك الله قبله من أمثاله،
{ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ ٱلْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً } [القصص: 78]، { وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ ٱلْوَارِثِينَ } [القصص: 58].
وخطاب بني إسرائيل الذين عاصروا نزول السورة بهذه المنة مع أنها كانت على أسلافهم لأنهم امتداد لهم كما تقدم، وقد علمتم مما تقدم قبل قليل أن المراد بالنظر هنا نظرهم إلى ذلك المشهد الجامع للمعجزة الخارقة، ونعمة إنجائهم وإهلاك عدوهم، فهو بعين البصر، وقيل: بل هو بعين البصيرة، وعليه فهو بمعنى العلم، وقيل: أراد به نظرهم إلى جثث أعدائهم الهامدة بعد أن لفظها البحر:
{ فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً } [يونس: 92]، والقول الأول هو الصحيح لأن الواو حالية، وفي حال إنجائهم وإهلاك عدوهم كانوا ينظرون إلى المشهد لا إلى الجثث التي لم يلفظها البحر إلا من بعد، ولأن حمل النظر على حقيقته، وهو النظر البصري أولى ما لم تدل على خلافه قرينة.