التفاسير

< >
عرض

وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ
٧٨
فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ
٧٩
-البقرة

جواهر التفسير

الكلام لا يزال في بني إسرائيل وإنما غالب ما تقدم خاص بعلمائهم الذين تلاعبوا بما أنزل الله على أنبيائهم تارة بتبديل النصوص، وأخرى بتحريف التأويل، والمعنيون هنا هم دهماؤهم الذين لم يفهموا من الكتاب شيئا وإنما تعلقوا بأماني سولت لهم بها أنفسهم مستندين إلى ما يتردد على ألسنة أحبارهم الأفاكين من كونهم لن تمسهم النار إلا أياما معدودات، وأنهم أبناء الله وأحباؤه، وأن آباءهم الأنبياء سيشفعون لهم عند الله فيرحمهم بحرمتهم.
وقيل: بأن الآية في نصارى العرب.
وقيل: في المجوس.
والقولان لا يتلاءمان مع السياق.
وروى ابن جرير بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: الأميون قوم لم يصدقوا رسولا أرسله الله، ولا كتابا أنزله الله، فكتبوا كتابا بأيديهم ثم قالوا لقوم سفلة جهال هذا من عند الله، وقال قد أخبر أنهم يكتبون بأيديهم ثم سماهم أميين لجحودهم كتب الله ورسله.
قال ابن جرير: وهذا التأويل تأويل على خلاف ما يعرف من كلام العرب المستفيض بينهم، وذلك أن الأمي عند العرب هو الذي لا يكتب.
وذكر ابن كير أن في صحة هذا التأويل عن ابن عباس بهذا الإِسناد نظرا.
والأمي هو - كما قال ابن جرير - من لا يكتب منسوب إلى الأم لبقائه على الحالة التي ولدته عليها أمه، وقيل: منسوب إلى الأمة لأن هذه هي صفة جمهرة الناس عادة، وهذا كما يقال عامي نسبة إلى العامة.
ويعضد ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم
"إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب" وجاء وصفه صلى الله عليه وسلم بالأمية في القرآن، وبُين معناه في قوله تعالى: { وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَّرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ } [العنكبوت: 48]، وهذه الصفة مدح في رسول الله صلى الله عليه وسلم دون غيره لأنها معدودة في معجزاته حيث أنزل الله عليه الكتاب فيه تبيان كل شيء وهو بهذه الحالة.
ومن الأقوال الشاذة ما روى عن أبي عبيدة من أنهم قيل لهم أميون لنزول الكتاب عليهم كأنهم نسبوا إلى أم الكتاب، فكأنه قال ومنهم أهل الكتاب لا يعلمون الكتاب، فإنه تأويل ينقض آخره أوله، وأشذ منه ما روي عن ابن عباس أنهم قيل انهم أميون لأنهم لم يصدقوا بأم الكتاب، فإن المعهود في النسب أن ينسب الشيء إلى ما لا بسه لا إلى ما باينه.
والأماني جمع أمنية، وأصلها أمنوية كأرجوحة فأدغمت الواو في الياء لتجانسهما فكسرت النون لتلائم الياء، وهي ما يتعلق به القلب مع عدم وجود وسائل إليه أو عدم تعاطي أسباب الوصول إليه، وأصلها منى بمعنى قدر، ومنه قول الشاعر:

لا تأمننَّ وإن أمسيت في حرمحتى تلاقي ما يمنى لك الماني

والتفعل يفيد التكلف، فكأن المتمني يتكلف تقدير حصول أمر متعذر أو متعسر، والمراد بالأماني ما ذكرته في صدر تفسير الآية وهو ما يتعلقون به من الأوهام التي تثبطهم عن الأعمال الصالحة، وتجرئهم على انتهاك الحرمات، وليس ذلك من الكتاب - أي التوارة المنزلة - في شيء، فالاستثناء منقطع، وهو ما يقتضيه تفسير ابن عباس رضي الله عنهما في رواية ابن جرير عنه "لا يعرفون الكتاب الذي أنزله الله"، وفي لفظ آخر "لا يدرون بما فيه".
وروى ابن جرير عن قتادة أنه قال: " لا يعلمون الكتاب ولا يدرون ما فيه، وقال: إنما هم أمثال البهائم لا يعلمون شيئا؛ وروى عن ابن زيد أنه قال: تمنوا فقالوا نحن من أهل الكتاب، وليسوا منهم.
وأخرج عن أبي العالية أنه قال: يتمنون على الله ما ليس لهم.
وتطلق الأماني على الأكاذيب؛ لأن الكاذب يتكلف تقدير ما يخطر بباله من الخيالات النفسية حتى يخرجها للسامعين في صورة حقائق واقعية، ومن شواهد ذلك ما روي عن بعض الصحابة رضي الله عنهم أنه قال: ما تمنيت منذ أسلمت، أي ما كذبت، وقول بعض العرب لابن دأب - وهو يحدث - أهذا شيء رويته أم شيء تمنيته، وبه فسر ابن عباس ومجاهد الأماني هنا، وجنح إليه ابن جرير، وهو مع التحقيق موافق للقول الأول وليس الخلف بينهما إلا لفظيا فإن ما سبق ذكره من أمانيهم الخادعة ما هو إلا إفك اصطنعته ألسنتهم حسبما زين لنفوسهم.
وفسر جماعة الأماني بالقراءة، وحملوا الآية على أنهم ما كانوا يعلمون من الكتاب إلى كلمات تلوكها ألسنتهم من غير أن يفقهوا لها معنى، أو تترك في نفوسهم أثرا، واستشهدوا لذلك بقول الشاعر:

تمنى كتاب الله أول ليله وآخره لاقى حمام المقادر

وبقول الآخر:

تمنى كتاب الله آخر ليله تمني داود الزبور على رسل

كما استشهدوا له بقوله تعالى: { وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ } [الحج: 52]، وفي الاستشهاد بالآية نظر لأنه مبني على اسطورة الغرانيق الداحضة، وسيأتي إن شاء الله بيان ما فيها عندما نصل بعون الله وتوفيقه في التفسير إلى سورة الحج.
ومهما يكن المراد بالأماني فإن الآية الكريمة تنادي بالضلال والخسران على الذين يسعون وراء الأوهام متنكبين عن الصراط السوي المؤدي الى الحقيقة الواضحة، وهم الذين رضوا بالجهل بديلا عن العلم، وبالتقاليد الموروثة، والزور المتداول بدلا عن الحق الذي أنزله الله وأقام عليهم حجته، ورفع لهم مناره، وما أكثر هؤلاء في كل أمة، وأشد بلاءهم في كل زمان، فإذا ناداهم منادي الحقيقة سدوا منافذ آذانهم خشية أن تنجذب نفوسهم إلى صوته، وإذا لاح لهم نور الحق غمضوا أعينهم وولوا معرضين لئلا يكتشفوا شيئا من عوارهم، فمثلهم كمثل الخفافيش تأنس بالظلمة، وتستوحش من الضياء.
وفي قوله تعالى: {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ} تأكيد لما وصفهم به من عدم العلم فإن العقائد تبنى على القواطع لا على الظنون، فكثيرا ما يكون الظن ناشئا عن هوى متبع أو حب أو بغض، فيكون أقرب إلى الكذب منه إلى الصدق، ولذلك حذر تعالى من اتباع الظن بقوله:
{ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌ } [الحجرات: 12].
وفسر مجاهد الظن هنا بالكذب، كما في رواية ابن جرير عنه، وأخرج ابن جرير عن قتادة وأبي العالية والربيع أنهم قالوا: "يظنون الظنون بغير الحق".
والفاء في قوله: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ} للترتيب، والمرتب عليه قوله عز وجل: {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ ٱللَّهِ....} الآية، وحسَّن مجيئها هنا أن ضلال الأميين المذكور قبل هذه الآية ناشئ عن التحريف المذكور (ثَمَّ).
وويل من المصادر التي لا فعل لها كويح، وويب، وويس، وويه، وعول، وويك، ومعانيها متقاربة لإِفادة كل منها الزجر، وإنما فرق بينها بفروق دقيقة، منها أن ويلا وعيد لمن وقع في الهلكة، وويحا للتحذير من الوقوع فيها؛ وقد تستعمل ويل في الدعاء والتعجب والترحم، وقيل: معناها الحزن أخذا من قولهم: "تويَّل"، بمعنى حزن، والصواب أن التويل مشتق من الويل، لأن الحزين كثيرا ما يقول: "واويلاه"، وليس الويل مأخوذا منه.
وفي التفسير المأثور تفسير ويل ببعض ما يعذب به في النار، من ذلك ما أخرجه أحمد والترمذي وابن حبان في صحيحة والحاكم في مستدركه - وصححه - عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"ويل واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفاً قبل أن يبلغ قعره" وأخرج ابن جرير من حديث عثمان مرفوعا أنه جبل في النار، وأخرج البزار وابن مردويه من حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعا أنه حجر في النار، وهو محمول على بيان بعض أنواع الويل - أي الهلاك - الذي يلاقيه الكفار في النار والعياذ بالله، وإلا فكلمة ويل كانت معروفة عند العرب، ومستعملة في كلامهم قبل نزول القرآن وورود الأحاديث، كقول الشاعر:

له الويل إن أمسى ولا أم هاشم ....................

وقول امرئ القيس:

..............فقالت لك الويلات إنك مرجلي

وقد رأيتم ما في هذه الروايات من التعارض الذي يوهن الاستناد عليها فضلا عما في أسانيدها من الضعف، فأقواها حديث أبي سعيد، وقد قال فيه الترمذي هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة؛ وساق الحافظ ابن كثير له شاهدا من رواية عمرو بن الحارث، ثم قال: لم ينفرد به ابن لهيعة كما ترى، ولكن الآفة ممن بعده، وهذا الحديث بهذا الإِسناد مرفوعا منكر.
ولا يغرنكم تصحيح الحاكم له، فإنه مشهور بتساهله في التصحيح.
ورويت عن المفسرين من السلف روايات في الويل منها قول أبي عياض بأنه صهريج في أصل جهنم يسيل فيه صديدهم، وعن عطاء بن ياسر قال: ويل، واد في جهنم لو سيرت فيه الجبال لانماعت من شدت حره، وهذا من باب تفسير الشيء ببعض أنواعه كما قلت فيما روى من ذلك مرفوعا، وقد أخرج ابن جرير عن ترجمان القرآن ابن عباس رضي الله عنهما أن الويل هو العذاب، وهو أعم من كل ما قيل وأنسب بمدلول الويل لغة.
والكتابة لا تكون الا بيد الكاتب فتقييدها هنا بأنها كانت بأيديهم مع إسنادها إليهم إما للإِفادة بأن ما كتبوه ليس من عند الله وإنما هو اختلاق من عند أنفسهم، وإما لنفي ما يتوهم من المجاز في الإِسناد، وأنهم لم يباشروا الكتابة بأنفسهم وإنما أمروا بها غيرهم، وفي هذا تنبيه على أن من باشر المعصية بنفسه أعظم إثما، وأشد عقوبة ممن أمر بها غيره.
والثمن القليل كل ما يُعطونه من أصحاب الأهواء في مقابل تحريفهم الكتاب ولو كان الدنيا بأسرها فإنها لا تساوي شيئا مما يفوتهم من ثواب الله الذي أعده لعباده المحسنين الحافظين لما أنزل من الحق والعاملين به.
ويحتمل أن يكون المراد بالثمن المناصب التي يرقون إليها في الدنيا بسبب إرضائهم للعامة بإباحة ما حرم الله عليهم.
وأعيد توعدهم بالويل على ما كتبت أيديهم لبيان مضاعفة عقوبتهم، فإن معصيتهم ترتبت عليها معاصي الذين اغتروا بما كتبوه لهم، "ومن سنّ سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة"، ثم أعيد مرة أخرى توعدهم بالويل على ما يكسبون، والمراد به ما يكسبونه من خطايا زينتها لهم أنفسهم أو ما يكسبونه من المال الحرام الذي توصلوا إليه بتحريف الكلم عن مواضعه.
وهذا الوعيد يشمل أحبار هذه الأمة الذين ينهجون نهجم في تحليل ما حرم الله تقربا إلى الناس، وحرصا على الدنيا، ويهونون على الناس وعيد الله تعالى بالتأويلات الفاسدة التي لا أصل لها إلا الأماني الخادعة التي جرأت الناس على انتهاك حرم الله وتضييع فرائضه وتعدي حدوده، وقد أجاد الأستاذ الإِمام الشيخ محمد عبده حيث اختتم تفسير هذه الآية بقوله: "من شاء أن يرى نسخة مما كان عليه أولئك اليهود فلينظر فيما بين يديه فإنه يراها واضحة جلية، يرى كتبا ألفت في عقائد الدين وأحكامه، حرفوا فيها مقاصده، وحولوها إلى ما يغر الناس ويمنيهم ويفسد عليهم دينهم، ويقولون هي من عند الله وما هي من عند الله، وإنما هي صادة عن النظر في كتاب الله، والاهتداء به، ولا يعمل بهذا إلا أحد رجلين، رجل مارق من الدين يتعمد إفساده، ويتوخى إضلال أهله، فيلبس لباس الدين ويظهر بمظهر أهل الصلاح، يخادع بذلك الناس ليقبلوا ما يكتب ويقول، ورجل يتحرى التأويل ويستنبط الحيل ليسهل على الناس مخالفة الشريعة ابتغاء المال والجاه".
قال صاحب المنار: "ثم ذكر الأستاذ وقائع طابق فيها بين ما كان عليه اليهود من قبل وما عليه المسلمون الآن، ذكر وقائع للقضاة والمأذونين وللعلماء والواعظين فسقوا فيها عن أمر ربهم، فمنهم من يتأول ويغتر بأنه يقصد نفع أمته، كما كان أحبار اليهود يفتون بأكل الربا أضعافا مضاعفة ليستغنى شعب اسرائيل، ومنهم من يفعل ما يفعل عامدا عالما أنه مبطل، ولكن تغره أماني الشفاعات والمكفرات".