التفاسير

< >
عرض

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَآءَهُ وَهُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ
٩١
-البقرة

جواهر التفسير

جملتا الشرط والجزاء معطوفتان بالواو على قوله: {وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ...} الآية، أو على ما عطف عليه وهو قوله: {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ}، وفي هذا وذاك سرد لما يعتذرون به في إعراضهم عن دعوة الإِسلام، ويتذرعون به إلى إصرارهم على الكفر وإخلادهم إلى العناد، فإذا دعاهم داعي الحق قالوا: {قُلُوبُنَا غُلْفٌ}، وإذا تليت عليهم آيات الكتاب ولوا معرضين حسدا من عند أنفسهم لأن أنزل على رجل من غير بني جنسهم بعد أن كانوا يستفتحون به على من حولهم من عبدة الأوثان، وإذا دعوا إلى الإِيمان بهذا المنزل من عند الله والنظر في براهينه والتأميل في إعجازه، وكونه غير مناف لما أنزل من قبل على موسى عليه السلام، بل هو مصدق له، قالوا حسبنا أن نتمسك بما في أيدينا فإنه منزل على نبينا، ولأجل هذا العناد المتسلسل في أحوالهم جاء القرآن بهذه المناقشة المستفيضة في هذه الآية وما بعدها لهتك أستارهم وتبديد معاذيرهم.
والمراد بما أنزل الله في الآية القرآن المنزل على محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، والتعبير عنه "بما أنزل الله" للحض على الايمان به وقطع عذر من أعرض عنه مهما جاء بالتعلات، وتعلق بالمعاذير فإنه ما دام منزلا من عند الله فالإِيمان به واجب على جميع عباد الله بقطع النظر عن حال من أنزل عليه من قرب النسب وبعده، ووجود الصلة به أو عدمها فإن الحق يجب التسليم له واتباعه والتزامه وقبوله ممن جاء به لأنه نجاة من اتبعه وعصمة من تمسك به.
ومرادهم: (بما أنزل عليهم) التوراة المنزلة على موسى، أو هي وما عززها مما أنزل على أنبياء بني إسرائيل من بعد موسى، فالإِنزال في حقيقته إنما هو على الأنبياء غير أنهم نسبوه إلى أنفسهم لأن الخطاب بالمنزل موجه إليهم، والمطالبة بالعمل به مخصوصة بهم.
ووجه التشبث بهذا العذر الواهي في الإِعتذار عن الإِيمان بما أنزل الله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم أن ما بأيديهم هو أيضا منزل من عند الله وهم في استغناء به عما في سواه.
وجيء بالمضارع في قوله تعالى: {وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَآءَهُ} مع أن الكفر واقع منهم قبل نزول الآية لمناسبة قولهم: {نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا}، وللتصريح بما لوحوا إليه من أن إيمانهم بما أنزل اليهم يقتضي الكفر بما سواه، ولبيان حالهم التي هم دائمون عليها، والتعجيب منها.
والوراء هنا بمعنى السوى، وهو في الأصل اسم للجهة الخلفية مشتق من المواراة لأن الإِدبار يواري عن نظر المدبر ما كان خلفه، وذهب كثير إلى أنه من الألفاظ ذوات المعاني المتضادة، فهو يطلق على الأمام كما يطلق على الخلف، واستدلوا له بقوله تعالى:
{ وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ } [الكهف: 79]، وبقول لبيد:

أليس ورائي إن تراخت منيتي لزوم العصى تحنى عليها الأصابع

فإن أصحاب السفينة كانوا متجهين نحو هذا الملك فهو أمامهم كما أن لزوم العصى مستقبل حال المرء إذا تراخت منيته، فهو أمر مقبل عليه، وليس أمرا أدبر عنه، ولا يخفى أن جواز ذلك إنما هو فيما كان بعيدا بحيث يواريه البعد عن بصر من هو متجه نحوه أو ما كان كالبعيد إن كان استعماله كذلك فيما هو من المعقولات.
وأنكر ابن عاشور التضاد في معنى الوراء وحمل الآية وبيت لبيد على التجوز بمعنى الطلب والتعقب كما يقال فلان ورائي بمعنى يطلبني ويتعقبني.
ومؤدى كلامه أن أصحاب السفينة كانوا مهددين ببطش الملك الذي:
{ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً } [الكهف: 79]، وأن المعمر مهدد بالهرم المؤدى به الى زلوم العصى، فجاز استعمال الوراء في الموضعين لإِفادة التهديد المشار إليه، لأن المهدِّد - بالكسر - بالنسبة إلى المهدَّد - بالفتح - كالمتعقب الآتي من الخلف.
وما وراءه هنا هو القرآن وقيل: هو المعاني التي وراء ألفاظ الكتاب الذي آمنوا به، ومعنى ذلك أن إيمانهم محصور في شكل ما أنزل إليهم دون جوهره لعدم عملهم بمقتضاه، ومن ذلك اتباعهم النبي الأمي الذي سُطر نعته في نفس ذلك الكتاب؛ وعلى هذا القول الثاني فلفظة الوراء مستعملة في بابها، وليست بمعنى السوى.
ويؤيد القول الأول قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ} فإن ذلك يصدق على القرآن، ولم ترد بالحصر فيه حقيقته، فإن كل ما أنزل الله على أنبيائه حق، وإنما أوثر التعريف الدال على الحصر في التعبير على {وَهُوَ ٱلْحَقُّ}، بالتنكير للتنبيه على أنه في ذروة الحق لاستجماعه أبوابه ووجوهه كما سبق نحوه في قوله: {ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ}، وهو شائع في الاستعمال عند العرب في المنثور والمنظوم، ومنه قول حسان:

وإن سنام الملك من آل هاشم بنو بنت مخزوم ووالدك العبد

وجملة: {وَهُوَ ٱلْحَقُّ} للحال من المجرور وهو (ما)، و(مصدقا) حال تأكيدية من المبتدأ فيها، وقيل: تأسيسية لإِفادتها معنى زائدا على مضمون {وَهُوَ ٱلْحَقُّ}، إذ قد يكون الكتاب حقا ولا يصدق كتابا آخر ولا يكذبه.
ووصفه بتصديقه لما قبله دون تصديقه بما قبله لبلوغه أوج الكمال ومنتهى الوضوح بحيث كان غيره بحاجة إلى أن يصدق به، ولم يكن هو بحاجة إلى أن يصدق بغيره وذلك لأنه في حقيقته آية باهرة ومعجزة ظاهرة تقطع لسان كل متحد، وتستأصل شبهة كل معاند، وهذا مما تميزت به رسالة خاتم النبيين عليه أفضل الصلاة والسلام عن سائر الرسالات، فإن سائر المرسلين كانوا مقرونين في دعواتهم بمعجزات خارجة عن رسالاتهم، بينما كانت رسالته صلى الله عليه وسلم معجزتها في ذاتها لأنها احتوت أم المعجزات، وهو هذا القرآن الدامغة حجته الساطعة آيته.
وتصديقه لما معهم هو تصديقه لما تضمنه من توحيد الله وتنزيهه عن كل ما ينافي قدسيته وجلاله، ومن أخبار النبوات وقصص النبيين وأنباء المعاد، وما تحقق بنزوله من الوعد الذي بشرت به التوراة والإِنجيل.
وفي وصهفم بهذا رد ضمني عليهم، فإنه لو كانوا مؤمنين حقا لآمنوا بكل ما أنزل الله من غير تفريق بين تنزيل وآخر، فإن الكل من عند الله يصدق بعضه بعضا، فالكفر ببعضه كفر بجميعه.
وبعد هذا التلويح بالرد جاء صريحا في قوله: {قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} فإنهم قتلوا قبل ذلك الأوان الذي أنزل فيه القرآن مجموعة من النبيين كما تقدم، وهو عمل ينافي دعوى الإِيمان بما أنزل عليهم، ومع أن أولئك النبيين الذين قتلوهم بُعثوا بنفس ما يدعون الإِيمان به، وقد أرسلوا مؤكدين العمل بالتوراة، مبشرين بها ومنذرين، فكيف استساغوا قتلهم وهم يدعون التمسك بها.
وإسناد الخطاب إلى الحاضرين مع أنه من فعل أسلافهم لأنهم يوالونهم عليه ويدعون أنهم على حق، والتعبير بتقتلون دون قتلتم لأجل تصوير بشاعة القتل وفظاعة ما أحدثوا في صورة ما يعاين بالأبصار وليس الخبر كالعيان.
وفي هذا الرد تعليم من الله لعباده كيف ينقضون شهب أهل الباطل، ويردون على دعاواهم، فهو من الجدل المحمود الذي يقصد به إحقاق الحق وإزهاق الباطل.